نصوص

مقاربة استثنائيّة لتخفيض حدّة البطالة

لا يشكّ أحد في أنّ العمل يعتبر قيمة ثابتة في كل الحضارات وفي كل الديانات والشرائع. كما أنّ العمل يعتبر في عصرنا المفتاح الأساسي والسحري للخروج من عالم المشكلات، التي يتخبّط فيها الفرد والمجتمع في غياب العمل، والولوج إلى عالم الحلول عند مباشرة العمل : حلول المسائل الاقتصادية والاجتماعية والنفسية. فبالنّسبة للدول يمثّل العمل مصدرا أساسيا للنّمو والازدهار وهو الفيصل بين ترتيب دول وأخرى ضمن صنف الدول المتقدّمة أو المتخّلفة. ضرورة أنّه يعلي من شأن دول تقدّس العمل ويحطّ من شأن دول أخرى لا تعمل. أمّا ب

0
19 مايو 2015
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

 

لا يشكّ أحد في أنّ العمل يعتبر قيمة ثابتة في كل الحضارات وفي كل الديانات والشرائع. كما أنّ العمل يعتبر في عصرنا المفتاح الأساسي والسحري للخروج من عالم المشكلات، التي يتخبّط فيها الفرد والمجتمع في غياب العمل، والولوج إلى عالم الحلول عند مباشرة العمل : حلول المسائل الاقتصادية والاجتماعية والنفسية. فبالنّسبة للدول يمثّل العمل مصدرا أساسيا للنّمو والازدهار وهو الفيصل بين ترتيب دول وأخرى ضمن صنف الدول المتقدّمة أو المتخّلفة. ضرورة أنّه يعلي من شأن دول تقدّس العمل ويحطّ من شأن دول أخرى لا تعمل. أمّا بالنّسبة للأفراد فهو مفتاح الاستقرار النّفسي والعائلي، علاوة على أنّه يضمن الاستقلال المالي. وفي غياب العمل قد يكون الإنسان فريسة للأمراض النّفسية وعرضة للدخول إلى عالم الانحراف والجريمة.

قبل بضعة عقود وإلى عهد غير بعيد كانت البيئة والتقاليد والأعراف تسمح بالعيش والتعايش في كنف التكافل والتضامن الاجتماعي الواسع وتحت جناح العائلة الموسّعة أو الممتدة الاطراف التي تتكفّل بتلبية حاجيات أبنائها من الشّباب من الناحية النفسية والمعيشية والمالية إلى سنّ متقدّمة. حيث تومّن له  زواجه و مصاريفه اليومية وحاجياته الغذائية في فترة بحثه عن شغل. وكانت أغلب الأسر آنذاك لا ترى حرجا في تزويج بناتها لشبّان لا يزالون في بداية الطريق ولا يزالون يعتمدون على عائلاتهم في تلبية أغلب حاجياتهم المعيشية.

ومن مساوئ بورقيبة أنّه سعى في تغيير بنية العائلة من موسّعة وممتدّة الأطراف إلى عائلة صغيرة تتكون من زوج وزوجة وأبناء فقط ، إضافة إلى سعيه إلى تغيير قناعات وتفكير النّاس للانتقال من الاعتماد على المجموعة إلى الاعتماد على العمل أو الوظيفة فحسب. وأصبحت الوظيفة هي أساس كل شيء وهي المفتاح الأول الميسّر لكل الحلول ولكل استقرار. وأصبح من أراد أن يتزوّج (من الفتيان والفتيات ) مطالبا بإيجاد شغل أو وظيفة أولا. ومن أراد أن يبني بيتا فعليه بالوظيفة ومن أراد الاستقرار فعليه بالوظيفة.  ومن لا وظيفة له فكأنّما لا عنوان له ولا أصل ولا فصل له. وفي انتظار البحث والحصول على وظيفة ربّما يبتلعه البحر أو يجذبه عالم الانحراف أو عالم المخدّرات أو لعلّه يصاب بمرض الاكتآب.

منذ بداية الاستقلال وإلى منتصف السبعينات فتحت الإدارة التونسية أبوابها لكل المتخرّجين واستوعبتهم مباشرة بدون مناظرات، لأنّها كانت تشكو نقصا في الكفاءات في أغلب الاختصاصات. وكان الوزير الأوّل الهادي نويرة هو من ارسى نظام المناظرات بعد أن أصبحت الإدارة غير قادرة على إستيعاب كل المتخرّجين الجدد. ومع المناظرات بدأت المتاعب والمصاعب وبدأت المعاناة الحقيقية. وبدأت رحلة البحث عن الوظيفة المفقودة أو رحلة البحث عن الاستقرار في عالم غير مستقر. فما يعيشه شباب اليوم هو في حقيقة الأمر ما تمّ زرعه من نمط حياة جديد وما تمّ اعتماده من سياسات وتوجهات اجتماعية واقتصادية وتنموية عقيمة. وقد تمثّلت أساسا في إخراج أو انتزاع الشّباب من محيطه أو حاضنته النفسية والاجتماعية وتجريده من لباسه الذي كان يؤمّن له الدفء والحنان ويحميه من البرد القارص في انتظار مرور العاصفة. ولإصلاح ذلك لابدّ من العمل وبسرعة على إعادة تنزيل العمل في محيطه الطبيعي الذي يرتكز على أبعاد نفسية وأخلاقية واجتماعية وحضارية شاملة.

من هذه الزاوية تكون الرؤية ويكون المنطلق بتحديد مفهوم وإطار العمل. وبالعودة إلى التاريخ، فقد بدأ مفهوم العمل في البروز والتشكّل بخروج آدم وزوجته عليهما السلام من الجنّة ونزولهما إلى الأرض والضرب فيها من أجل تأمين حاجياتهما المعيشية. قال الله تعالى "فقلنا يا آدم إن هذا عدوّ لك ولزوجك فلا يخرجنّكما من الجنة فتشقى إنّ لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى" (طه117-119). والملاحظ أنّ العمل لم يأت لإيجاد حلّ لفرد واحد وإنّما جاء لتأمين حياة عائلة (زوج وزوجة) التي انبثقت من نفس واحدة. قال الله تعالى : " هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها " (الأعراف 189). وعليه فالحلول لابدّ وأن تصاغ بدرجة أساسية للعائلة وليس للفرد. ومن الأخطاء الجسيمة والمرتكبة طيلة الفترة الماضية إخراج البلاد من محيطها الحضاري والإسلامي حيث تمّ التركيز بدرجة أولى أو بصفة خاصّة على بلورة حلول فردية ولكلّ فرد على حده ودون التركيز على الأسرة ككل. ولم نشهد اهتماما بالأسرة إلاّ في ما يتعلّق بتحديد النّسل. فكان من نتيجة هذا الخطأ الفادح أن وجدت أسر تعمل (الزوج والزوجة) وأسر (لم تتكوّن بعد ) لا تعمل. وهذا الأمر يتنافى مع العدل ومع حقوق الإنسان ومع كل الشرائع والمواثيق الدولية التي تحضّ على تأمين مورد رزق قار على الأقل لكلّ عائلة في إطار من المساواة والعدالة الاجتماعية.

فلا بدّ إذا من استنباط حلول جذرية ذات صبغة تكافلية وتضامنية يكون هدفها الأساسي تأمين موطن شغل (على الأقل) لكل شاب وشابة مقدمين على الزواج و لكلّ أسرة حديثة التكوين. وأظنّ أن البلاد قادرة على لذلك. ومن الحلول المقترحة في هذا الباب: العمل على توفير مواطن شغل لأكبر عدد ممكن من الأسر في قطاع الوظيفة العمومية. وذلك بتخفيض عدد ساعات العمل لأحد الزوجين (الذين يعملان ويشتغل أحدهما أوكلاهما بقطاع الوظيفة العمومية ) إلى الثلثين وتخفيض الراتب إلى الثلثين. والنتيجة أنّ الزوجين سيحصلان في نهاية الأمر على راتب وثلثين عوضا عن راتبين(ويمكن التدرّج في ذلك وتخفيض ساعات العمل والراتب بنسبة 20 أو 10 بالمئة ). وبديهي أنّ ثلث الراتب المتوفّر سيمكّننا من إيجاد مواطن شغل إضافية  للأسر التي هي في طور التشكّل أو للشباب الذي لم يتحصّل بعد على شغل. فإذا افترضنا مثلا أنّ 600 ألف موظّف( من أصل 800 ألف) متزوجون (300 ألف أسرة) فإنّ ذلك سيمكّننا من إيجاد 100 ألف موطن شغل جديد وفق هذه المعادلة : ((600000/2)*(1/3)= 100000).  على أن تسند الوظائف الجديدة على قاعدة الأولويّة للذين مضت سنوات عديدة على تخرّجهم وعلى مدى تقدّمهم في السن. هذا الحل يمكن أن يستوعب كل الذين مضى على تخرّجهم 8 سنوات أو أكثر.

إنّه حلّ  منبثق من رحم الوظيفة العمومية. فهي أمّ لكلّ المواطنين وتمثّل بالتأكيد مركز إسناد اجتماعي لعديد المواطنين على اختلاف حالاتهم ودرجاتهم ويمكنها استيعاب عديد الحالات الخاصّة بعكس القطاع الخاص الذي لا يشغّل إلاّ لغاية الربح ولا شيء غير الربح الوفير. ولهذا السبب فلا بدّ من توخّي العدالة وتوزيع ثروة البلاد على أكبر عدد ممكن من المواطنين كتكريس للعدالة الاجتماعيّة. فليس من المعقول ومن العدل في شيء أن يعمل طرفا أسرة بالوظيفة العمومية في حين يظلّ شاب وشابّة مقدمان على زواج عاطلين عن العمل لسنوات طويلة. وليس من المعقول في شيء أن يستأثر زوجان بموارد الوظيفة العمومية لفائدتهما بينما يبقى شباب آخرون في الانتظار ،بدون زواج وبدون استقرار، لسنوات عديدة وقد يتسبّبون خلالها في بروز هزّات اجتماعيّة جديدة . وبلادنا اليوم في مفترق طرق وتعيش وضعا صعبا لا يحتمل هزّات أخرى. وفي مثل هذه الوضعيات لا تكفي الوصفات العادية بل يجب المرور إلى العمليات الجراحية التي تؤلمنا في البداية ولكنها تريحنا بعد ذلك من آلام عديدة. ولا تكفي الحلول الكلاسيكية بل يجب دعمها وإسنادها بحلول اجتماعية تكافلية تضامنية. وما من دولة أو جماعة مرّت عبر التاريخ بظروف حرجة إلا واعتمدت على الحلول التضامنية التكافلية. ويكفي أن نشير إلى دور الأنصار التاريخي في احتضان المهاجرين واحتضان الدعوة واحتضان قيم المساواة والعدالة الإنسانية والذي سجله وخلّده الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم. قال الله تعالى :  "والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم" ( سورة الأنفال)

منجي المازني

 

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©