نصوص

مـنـزلـقـات الاسـتـعـارة الـسـياسـيـة بقلم د. جمال بوعجاجة

د. جمال بوعجاجة. جامعي وباحث في الحضارة العربية الاسلامية . تونس إن الاستعارة اسلوب بلاغي يروم صاحبه اختزال الكلام وتكثيفه بحيث يكون ذا محمول جمالي فيحقق البلاغة والإبلاغ والإبداع معا. غير أن انزلاق هذا الاسلوب إلى الخطاب السياسي يخرج به عن وظيفته الجمالية إلى وظيفة التورية والتقية والزئبقية إذا لم تكن الرسالة واضحة بما فيه الكفاية، ذلك ان المطلوب في السياق السياسي ليس تحقيق البلاغة مقصدا ولا الابداع هدفا بل إبلاغ الرسالة بالدرجة الأولى.ولما كان الخطاب محكوما بمقتضيات المقام الذي يتحكم فيه الباث

0
18 نوفمبر 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

د. جمال بوعجاجة. جامعي وباحث في الحضارة العربية الاسلامية . تونس

إن الاستعارة اسلوب بلاغي يروم صاحبه اختزال الكلام وتكثيفه بحيث يكون ذا محمول جمالي فيحقق البلاغة والإبلاغ والإبداع معا. غير أن انزلاق هذا الاسلوب إلى الخطاب السياسي يخرج به عن وظيفته الجمالية إلى وظيفة التورية والتقية والزئبقية إذا لم تكن الرسالة واضحة بما فيه الكفاية، ذلك ان المطلوب في السياق السياسي ليس تحقيق البلاغة مقصدا ولا الابداع هدفا بل إبلاغ الرسالة بالدرجة الأولى.ولما كان الخطاب محكوما بمقتضيات المقام الذي يتحكم فيه الباث والمتقبل وزمان القول ومكانه فإن السياسي مطالب بأن يقفز إلى المعاني قفزا ليخلصها من شبهة الاستعصاء على الفهم وسوء التأويل. وقد بدا واضحا من هذه المقدمة أن المقصود بها خطاب الاخ حمادي الجبالي الذي شرحه من لا يفقه من لغة الخطاب السياسي كثيرا ولا يتقن آليات تحليل الخطاب ومفرداته ولا التفكيك وأدواته ولا يدرك الخطاطة التواصلية التي ضبطها علماء الالسنية ولا اللغة واستعمالاتها فأضحى هذا المبحث نهبا لمن هب ودب من المبتدئين في السياسة فلا هم يحذقون مرجعيات الخطاب ولا طبقاته ومنعطفاته. فالمبدأ الأول إذن أن نقر بحرية التعبير مسلكا في الخطاب وعدم مشروعية مصادرة الحق في الاختلاف والانطلاق من أي مرجعية كانت, ثم إن المعول عليه في الخطاب هو الباث من جهة صفته أثناء إجراء عملية التواصل فحمادي الجبالي لم يكن سوى ناطق باسم قائمة سوسة التي تراسها خلال الحملة الانتخابية لذلك يتجه الى مخاطب يشترك وإياه في الارضية الاصطلاحية التي يسيران عليها فيبلغ الكلام مقصده دون غموض كما انه لم يكن حينها ناطقا باسم الحزب او الحكومة ومن هنا فالباث والمخاطب متفقان في مستوى منطلقات الرسالة ومقاصدها فكانت الرسالة على هذا النحو محملة بشحنة إبلاغية ذات محمول وجداني وعقائدي يستهدف في المقام الاول التعريف باخلاق الاسلام في الحكم تواضعا واعترافا بحق الاخرين في النقد وشفافية في المعاملة ، ويكفي ان نذكر بقولة ابي بكر الشهيرة يوم تولى الحكم "إني قد وليت عليكم ولست بخيركم أعينوني ما اطعت الله ورسوله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم" إن كلمة حمادي الجبالي عن الخلافة تستدعي في مخيال السامع هذا الإرث الحضاري العميق الذي يحتاجه كل مسؤول لحظة توليه خطة جديدة ليتواضع لله ويتواضع امام الجماهير التي رشحته، ولما كانت القاعدة المرجعية مشتركة بين طرفي الخطاب فلم يكن الخطيب محتاجا الى تفصيل هذه المقولة وغيرها فاحتاج إلى ان يستعير كلمة "الخلافة" بما تحمله من شحنة إيجابية وفعالة في الاستدلال على النموذج الاخلاقي في نظام الحكم الاسلامي إذ ليس في العبارة ما يحيل على سلطة قهرية او رمزية سلطوية إلا في أذهان من نهلوا من ثقافة استشراقية بشعة لاتنظر الى الخلافة الاسلامية الا إرثا دمويا ، ونسوا أن شعراء الخمرة والغزل والغلمانيات وفلاسفة الفكر الحر إنما عاشوا في ظل الخلافة الاسلامية الى جانب الفقهاء والعلماء، وينسى هؤلاء أن الخطاب الموجه الى جماهير سوسة لم يكن دستورا يصنع ولا كان في قصر الحكومة بل كان في ملعب مفتوح على لعبة الكلمات فهو أقرب الى الخواطر التي يسترسل فيها الكلام لشحن الهمم بروح الفعل والخلاص الروحي من ثقل المرحلة القادمة التي تبدو مجهولة المعالم في نظر الكثير ممن يخلو ذهنهم من أي نموذج سياسي يحتذى. فلا مجال لتحقيق ذلك الا عبر الاستعارة السياسية التي تدافع عنها ارصدة نضال مدني للاخ حمادي وبرنامج سياسي دقيق لحركة النهضة ورؤية مدنية لا غبار عليها وتمايز سياسي عن بقية الاطروحات الاسلامية لا خلاف فيها. فمن اين جاء اللبس وتوسعت الشبهة إذن؟ لا يخفى أن مأزق الهزيمة التي يتخبط فيها اليسار اليوم قد رشحته إلى الانزواء في مكمن يترصد أخطاء خصومه ويتحين فرص الانقضاض على مفردات الخطاب النهضوي ليلوي عنق الحقيقة فيؤول مايشاء على غير منهج ويفسر ما يريد على غير مراده ، فكان هذا التوظيف المغلوط لخطاب الاخ حمادي الذي حوله من سياق احتفالي الى سياق جنائزي فلم تفرح النهضة الى اليوم مع انصارها بظفرها بالاغلبية إذ ينغص عليها الحداثيون كل مرة بشبهة التدليس أو ديمقراطية الاقلية أو المجلس التاسيسي المدني أو رفض الضيف القطري أو الموقف من الامهات العزبوات وغير ذلك من التشويش الذي يترجم عقلية اقصائية لا تقبل بنتائج صندوق الاقتراع.إن الذي يستحق اللوم والمحاسبة هم الذين هتكوا المقدسات الدينية والوطنية فاستعانوا بالأجنبي ودعوه ليحل بديارنا حاميا لهم من الشعب الذي اتهموه بسوء الاختيار ومحدوية الوعي ، إن هذا الانزلاق نحو الخيانة ليترجم المشروع الاستعماري الذي يتستر به الاوصياء على الحداثة فأضحى الاسلام فزاعة يرعبون بها الشعب الذي اختار النهضة لأمانتها وصدقها ووفائها. فمتى نتفق على آليات في تحليل الخطاب السياسي دون انزلاق نحو التاويل المشوه والفهم المغرض ولي عنق النصوص والمفردات السياسية التراثية أو المعاصرة؟إننا ندعو الرفاق من سدنة الديمقراطية والحداثة ليتعرفوا على تراثنا العربي الاسلامي بعيون ابنائه لا بعيون المستشرقين وأن يفكروا في مستقبل تونس وانتظارات الشعب الذي رفضهم لانهم انشغلوا بالتفاهات دون القضايا الجوهرية وسيعاقبهم الشعب إن واصلوا على هذا النحو من العبث بأعصابهم والقفز على مشاغلهم الرئيسة ، والأكيد ان حركة النهضة ستخرج قوية من كل معركة لا تقسم الظهر لأنها قد خبرت المحن واستطاعت ان تتخلص منها بدم انقليزي بارد تسرب الى عروق ابنائها بعد 20 سنة من الغربة ومعاشرة الانقليز في ديارهم فحافظوا على أعصابكم أيها المتشنجون لان النهضة تعمل اليوم وغدا ولا تلتفت الى غبار العاصفة لأنها قد شقت طريقهابعد وتكاد تصل بحول الله الى هدفها وهو خدمة الشعب في ظل دولة مدنية جمهورية ديمقراطية


في الموسوعة

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©