نصوص

مـعـانـاة الـديمقراطية التركية..التونسية

الان و الان فقط آن للدولة و المعارضة العلمانية و غيرها ان تحترم ارادة الشعب التركي و تقول بانها تقبل خياراته و تحترم منافسها الفائز و بجدارة.. ثلاث دورات انتخابية متتالية و عدد من الاستفتاءات و سيطرة واضحة و اغلبية ساحقة... هي اكثر من عشر سنوات كاملة من النجاحات حتى تسلم المعارضة العلمانية و غيرها للحزب الصاعد بجدارته و استحقاقه الشعبي.. سنوات من الغطرسة و الاستعلاء و كثير من الوصاية الخادعة و الماكرة التي كانت تستأثر فيها باحتكار الحكمة و تسفيه راي الاغلبية الساحقة (نصف الشعب) من الشعب التركي.

0
14 يونيو 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

الان و الان فقط آن للدولة و المعارضة العلمانية و غيرها ان تحترم ارادة الشعب التركي و تقول بانها تقبل خياراته و تحترم منافسها الفائز و بجدارة.. ثلاث دورات انتخابية متتالية و عدد من الاستفتاءات و سيطرة واضحة و اغلبية ساحقة... هي اكثر من عشر سنوات كاملة من النجاحات حتى تسلم المعارضة العلمانية و غيرها للحزب الصاعد بجدارته و استحقاقه الشعبي.. سنوات من الغطرسة و الاستعلاء و كثير من الوصاية الخادعة و الماكرة التي كانت تستأثر فيها باحتكار الحكمة و تسفيه راي الاغلبية الساحقة (نصف الشعب) من الشعب التركي.
لم يكن هذا التواضع المصطنع من القوى العلمانية التركية مبدئيا نابعا من احترامها للديمقراطية و حصيلة الصناديق, ولكنه "صغار" (بفتح الصاد و الغين) فرضه عليها صوت الشعب الذي أصر على اعطائها حجمها و قدرها الحقيقي.. و اراد ان يذكرها في كل انتخابات انها ليست الوصي ولا الوكيل عليه و انها لم تكن يوما في الماضي القريب أهلا لتصدر المجتمع و الدولة الا بدكتاتورية عسكرية و صلافة و تسلط فكري قوامه تسفيه الآخر و لو كان الشعب كله.
هذه حقائق  و هذا التاريخ لا يخفى على احد.. لكنه ذو وجه شبه صارخ مع ما تعيشه و ما ستعيشه تونس باذن الله.. هذا ليس دعوة كما يقال الى "استنساخ تجربة تركيا" بقدر ما هو مقاربة ذاتية و موضوعية بين الحالتين لا نجد محيدا من سردها و ابراز وجه الشبه هذا:
1. طوال سنين كانت "النخبة" القليلة المتنفذة ثقافيا و فكريا ونفوذا هي من الطبقة العلمانية-اليسارية-الليبرالية التي تحكم باسم الاغلبية مع ان تمثيلها الشعبي ضعيف داخل شعب مسلم محافظته و تدينه لا تتناقض مع الانفتاح الفكري و الانساني الذي يعيشه.
2. كان حضور الدين و الهوية داخل السجال الفكري و السياسي غير طبيعي لما كان يمارس فيه من تشوويه و ازدراء و حتى محاربة لهما باسم الحداثة و التطور ومحاربة الرجعية و التشدد و الاصولية. كانت درجة الوصاية تمنح هذه النخب حق الاختيار لها و لباقي الشعب مع مصادرة حقه و صوته و حتى وجوده و تتصرف بتجاهل و صفاقة و استعلاء يقل وجودها لما فيه من امتهان لفكر وقدرات و وعي ونبوغ شعب باكمله.
3. تمادت هذه النخب القليلة في غيٌها حتى بعد ان اسمعها الشعب صوته و أحالها الى مكانها الذي تستحقه.. صرخت و عوت و استنجدت بكل ما لديها من وسائل سليمة و قذرة (الغاية تبرر الوسيلة) في محاولة لايقاف هذا المد الشعبي الذي يسحب منها و يستعيد الشرعية التي اغتصبتها منه طويلا. هي دسائس و مؤامرات ومحاكمات و انقلابات, حملات تخوين و تخويف وتشويه تتبنى الكذب و النفاق و اللؤم, طابور من مرتزقة المثقفين و اهل الفكر و الاكادميين و اعلام موجه وعميل يعمل دون عقد شرف تحتمه المهنية و الحيادية والصدق في التوجه الى القارئ والمستمع و المشاهد. سفهت و احتقرت وعي المواطن و خيارته, فاحتقرها هو بعد ان احس انها وصمة عار انه انجبها كانها الابن او البنت العاق التي لا يدري هل ينفع معها التبرؤ ام الطرد ام التقويم ام العفو؟!
هذا باختصار شديد تشخيص الحالة النفسية التي تعيشها هذه النخب التي لا تستمد شرعيتها و نفوذها من شعبية او انتخابات. فهي تعيش فوبيا الانقراض و الاضمحلال لعلمها اليقيني انها لا تساوي شيئا جماهيريا.. هذا يخلف عندها ذعرا من خصومها الاكثر قوة و تمثيلا..
بدايات الديمقراطية التونسية ليست واعدة ابدا. فالمشهد التركي ابان بداية القرن مع صعود اردوقان و حزبه يعيد نفسه ليس من ناحية صعود الاسلاميين -على الاقل جماهيريا-  فقط بل كذلك الحالة المرضية التي ستمر بها الطبقة العلمانية-اليسارية-الليبرالية المسيطرة في - تلك الحقبة التركية-هذه الفترة التي تبني فيها تونس ديمقراطيتها.. اكاد اجزم انطلاقا من الواقع المحسوس و المستقبل المنظور انها سوف تسلك نفس المسار(هي فعلا تسلكه في الواقع السياسي الحالي) في "قلة" احترام الخصوم و اللعبة الديمقراطية و شرف المنازلة السياسية. ابدا هي لن تحترم قدرها و لن تقتنع بمكانها و حجمها الحقيقي. ابدا هي لن تتنازل عن احتكارها للخيارات و لن تتعالى عن الوصاية اللااخلاقية التي تفرضها على شعبها. ابدا هي لن تتنازل طوعا و مبدئيا وبكل تواضع ...
لا بد لها من ان يرغمها الشعب على ذلك لانها جبلت على هذه الفوقية و النرجسية الزائفة.. تلك سنة من سنن الكون.. لا بد ان هذه الحالة المرضية سنعاني منها في تونسنا طويلا كما عانى منها الاتراك طويلا.. لا جدوى من انتظار ظاهرة خارقة تاتي بها هذه النخبة لتختصر علينا الطريق و الزمن و الجهد.. نكاد نيأس من هذه المنى كما يئسنا قبل من انصلاح امر بن علي و كل الحكام العرب.. كما يأسنا من عودة اصحاب القبور.
عز الثابتي

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©