نصوص

مغالطات من زمن الاستبداد

Normal 0 21 false false false FR X-NONE AR-SA /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Normale Tabelle"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin-top:0cm; mso-para-margin-right:0cm; mso-para-margin-bottom:10.0pt; mso-para-margin-left:0cm; line-height:115%; mso-pagination:widow-orphan; font-size:11.0pt; font-family:"Calibri","sans-serif"; mso-asc

0
20 أكتوبر 2015
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

"التوافق ولا شيء غير التوافق"  هو الشّعار الذي طالما تغنّى به الرباعي الرّاعي للحوار الوطني وهو البضاعة التي لطالما روّج لها على مدى أشهر أيام حكم الترويكا. اعتمادا على هذا الشعار الجذّاب فقد وقعت معارضة كلّ القرارات والتعيينات والتسميات :  فقد عارضوا تسمية  كل من  السادة الولاة والمعتمدين والموظّفين السامين والرؤساء المدراء العامين بحجّة أنّ البلاد تمرّ بفترة انتقالية مؤقتة و حسّاسة، وبالتالي فلا بدّ أن تكون القرارات والتسميات خاضعة لمنطق التوافق والتوافقية بما يعني تشارك كلّ القوى السياسية أو بالحدّ الأدنى القوى الأكثر فاعلية. وفي صورة خلاف ذلك، فلن تنعم البلاد حتما  بأي استقرار. وفي مرحلة لاحقة، فرضوا على الترويكا  ضرورة الخروج من السلطة بالتوافق حتّى لا يكون مصير البلاد الخراب والدّمار ومصير العباد الموت والفناء على الطريقة المصرية في ساحة رابعة العدوية.  فكانت النتيجة  أن غادرت الترويكا الحكم وتخلّت عن السلطة لفائدة حكومة توافقية خرجت من عنق الزجاجة بالتوافق. وهاهو الرباعي الحريص بالأمس على التوافق يحصل اليوم على جائزة نوبل للسّلام ببركة التوافق وبفضل دوره البارز والأساسي في فرض الحوار الوطني وفي فرض منطق التوافق عند اتخاذ كلّ القرارات السياسية  المهمّة.

لكنّ المفارقة العجيبة، أنّ هذا المنطق، لم نعد نسمع به هذه الأيام وتحديدا منذ أن فاز النّداء في الانتخابات التشريعية والرئاسية. ما عدنا نسمع بالحوار وبالتوافق في اتخاذ القرارات والتسميات والتعيينات. حيث استبدل هذا المنطق بمنطق الأغلبية ومنطق الحزب الفائز في الانتخابات الذي  أصبح من حقّه- خلافا لما كان عليه الأمر زمن الترويكا- تعيين من يريد من الولاّة والمعتمدين والموظّفين السّامين من دون الأخذ في الاعتبار بمنطق التوافق. كلّ ذلك يحصل تحت أنظار وصمت الرباعي الرّاعي للحوار الوطني الحائز على جائزة نوبل للسّلام. ولعلّ آخر ما جدّ في هذا المضمار هو ظهور وزير الشؤون الدينية والعديد من مسؤولي وزارته في عديد المنابر والفضاءات الإعلامية لإعلامنا بأنّ كلّ إمام في حالة مباشرة إنّما هو معين بقرار مباشر من طرف الوزير. هذا علاوة  على أنّه من حقّ الوزير بصفته أعلى سلطة ترعى وتدير الشأن الديني أن يعزل أيمّة ويعيّن بدلا منهم أيمّة آخرين. لأنّ هذه المسائل من صلاحياته وأنّه أدرى بأمور الشأن الديني. مشدّدين على أنّه ليس من حقّ النّاس،عموم النّاس، الذين ربّما لا يفقه أغلبهم شيئا في شؤون الدين، أن يعترضوا على قرارات الوزير، أو أن يعيّنوا أو يقترحوا بدلا منه !!!

أليس هذا السّلوك هو نوع من أنواع احتكار الدين واستغلاله لأغراض سياسية ؟ أليس هذا ما كان يروّج له الحزب الحاكم ويتهم به خصومه السياسيين زمن الاستبداد ؟ فهل الوزير ومعاونيه وإعلامهم أوصياء على الدين الإسلامي حتّى يقرّروا لنا ما يريدون؟ بحيث يعزلون ما يشاؤون من أيمّة الاعتدال ويعينون لنا ما يشاؤون من أيمّة قد تحوم حولهم الشبهات من كلّ جانب ؟  صحيح أنّ الوزير هو المخوّل له إمضاء قرار التعيين لأنّ قرار التعيين لا يؤشّر إلاّ بإمضاء الوزير (بصفته أعلى سلطة - فيما يتعلّق بالشأن الديني- تمثّل دولة القانون والمؤسّسات). ولكن المتعارف عليه أنّ عمليّة الانتقاء والفرز والاختيار تتمّ في مرحلة أولى من قبل لجان المناظرات قبل أن يعرض الأمر على الوزير. ففي كلّ الاختصاصات يتمّ في مرحلة أولى إجراء مناظرة (كتابية وربما شفاهية) يشرف عليها أهل الاختصاص لتحديد قائمة النّاجحين. وفي مرحلة ثانية يقع عرض قائمة النّاجحين على الوزير ليمضي عليها. بمعنى أنّ الوزير، من المفترض، أن لا يعيّن بأمره وبعلمه وبمعرفته في شؤون الدين وبسلطته المطلقة وسلطة الحاكم بأمره. بل إنّه يمضي على قرار التعيين باقتراح صادر عن اللّجان التي أشرفت على تنظيم المناظرات أو الإختبارات. علما أنّ هذه الاختبارات هي التي تفرز لنا  من هو الأكثر أهلية لتولّي هذه الخطّة التي هي خطّة الإمام .وفي موضوع الحال يضاف إلى كل ذلك شرط أساسي ألا وهو وجوب الحصول على ثقة المصلّين. لأنّ الإمامة تعنى بالشأن العام ومن حق عموم الناس ومن حق المصلّين أن يختاروا إمامهم وأن لا  يجبروا على الصلاة خلفه مكرهين كما هو مبيّن ومفصّل في كتب الفقه.

فالرجاء كلّ الرجاء من السيد وزير الشؤون الدينية وكلّ السّاهرين على إدارة الشأن الديني أن يراجعوا أنفسهم  ويلتزموا بالحد الأدنى من احترام القانون واحترام إرادة النّاس ووعيهم وذكائهم وأن لا يسعوا من جديد لإعادة فرض وتكريس سياسة سنوات الجمر وسياسة تجفيف المنابع بحجة وبغطاء ممارسة الحرية والديمقراطية. فالبعض من المسؤولين  انحازوا  إلى الاستبداد وسقطوا في امتحان الحرية والديمقراطية لعشرات السنين. وبعدما أن أسعفتهم الثورة بالنجاح باعتماد الإسعاف أحيانا وبالتخفّي أحيانا أخرى، أو ربّما بالجملة على طريقة وزير التربية ناجي جلّول إذ بهم  أصبحوا يتصدّرون المشهد من جديد لا كجماعة فاشلة ومستبدّة بل  كجماعة  ناجحة ومن الأوائل ليتسنّى لها أن تعطينا دروسا في الحرّية والديمقراطية وفي كيفية التعيين والعزل بالأساليب "الديمقراطية". وليتذكّر السيد الوزير ومستشاروه أنّ سياسة معاداة الدين ومحاربته وتهميشه هي التي أطاحت ببورقيبة. وهي التي خلعت المخلوع زين العابدين بن علي. وهي التي ستطيح بكلّ من يسلك هذه السياسة الرّعناء. ليس هذا فحسب بل وستطارده كذلك دعوات المظلومين ولعنات اللّاعنين إلى يوم الدّين. وإنّ غدا لناظره قريب.

منجي المازني

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©