نصوص

معارضة ملغّمة.. قابلة للانفجار

بعد أن طُويت أشهر الربيع العربي الأولى ثم شرعنا في طيّ السنوات وبعد أن اتضح المشهد واستقرت الصورة وأصبحت في مرمى العين المجرّدة وتشكّلت حالة من الفرز الدرامي، بعد كل هذا لم يعد مسموحا لأصحاب الرأي والعقل والمشورة أن يواصلوا في استعمال الأدوات التقليديّة عند ممارسة السياسة ويمضوا في التعامل مع الحياة الحزبيّة بالأنماط الآليّة المتعارف عليها، اتضح المشهد وأفصحت تجربة الربيع

0
11 سبتمبر 2013
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

 

معارضة ملغّمة.. قابلة للانفجار
بعد أن طُويت أشهر الربيع العربي الأولى ثم شرعنا في طيّ السنوات وبعد أن اتضح المشهد واستقرت الصورة وأصبحت في مرمى العين المجرّدة وتشكّلت حالة من الفرز الدرامي، بعد كل هذا لم يعد مسموحا لأصحاب الرأي والعقل والمشورة أن يواصلوا في استعمال الأدوات التقليديّة عند ممارسة السياسة ويمضوا في التعامل مع الحياة الحزبيّة بالأنماط الآليّة المتعارف عليها، اتضح المشهد وأفصحت تجربة الربيع العربي عن نفسها وبات من اليقين الذي لا يتطرّق إليه الشكّ ولا يخالطه الاحتمال أنّنا لسنا بصدد ممارسة حياة سياسيّة سليمة مكتملة النمو يحكمها التداول والتدافع، تؤثثها الأحزاب وتسودها البرامج، تحسمها الصناديق والفيصل فيها للجماهير، لقد اتضح أنّنا في مرحلة ما قبل التداول والاحتكام والتنافس والفيصل والنتائج والتسليم والقبول..، نحن في مرحلة مازالت الصناديق فيها هشّة طريّة غير قادرة على إحالة هؤلاء على السلطة وأولئك إلى المعارضة، نحن أمام حالة عصيان وتمرّد متحفزة جاهزة للتململ كل ما أطلت المؤشرات الأولى للفرز وقبل وقت طويل من النتائج النهائيّة .

*حماية الإرادة
نعاني اليوم من عمليّات انتخاب منقوصة تتدافع فيها الجماهير على مكاتب الاقتراع وتضخّ خياراتها بهمّة حتى تنتفخ الصناديق وتغصّ ثم تقفل عائدة وقد أنهت مهمتها وذلك مبلغها من العلم، ولعمري أنّ هذه ثقافة انتخابيّة بتراء، لأنّ الشعوب وخاصّة في المراحل الأولى للديمقراطيّة وإن تكن قادرة على شحن الصناديق بأوراق قويّة ثقيلة مدويّة لكن هذه الأوراق وما إن تغادر الصندوق وتأخذ طريقها نحو مراكز الفرز حتى تشرع في فقدان زخمها وما تلبث أن تحدث لها حالة استنزاف تصل إلى ذروتها حين تتحوّل هذه الأوراق إلى نتائج وتشرع النتائج في التحوّل الى مؤسّسات، لقد انتقلنا من حالة اللاّاقتراع إلى حالة الاقتراع الحرّ واكتسبنا إرادة الاختيار عن جدارة لكنّنا لم نكتسب بعد حرفة المحافظة على خياراتنا وسلوك متابعة قراراتنا وحمايتها، مازلنا نرزخ بين يدي مرحلة ضبابيّة ونتشوف إلى الحكمة والتجربة وعامل الزمن، تلك الخصائص التي طالما نجحت في تسوية القضايا العالقة والمستشكلة ولعلّها تفعل مع ديمقراطيّتنا المعلولة .
لا شكّ أنّ ديمقراطيّات الربيع العربي الناشئة مازالت تعاني من تداخل في المهام وهي إلى ذلك عاجزة عن الإجابة على سؤال عويص ما فتئ يطرح نفسه بإلحاح ، يبحث عمن تتخلّد بذمّته حماية المرحلة الفاصلة بين خروج النتائج من مراكز الفرز ومن ثمّ ترجمتها إلى مؤسّسات وبين الانتصاب النهائي لهذه المؤسّسات وتثبيتها وتحصينها من حالات التأرجح، هل تستلم الأحزاب الفائزة المسؤوليّة انطلاقا من أبواب مراكز الفرز وينتهي هناك دور الجماهير، أم ترى الجماهير مطالبة بمرافقة إرادتها إلى أن تستقر في مضاربها، وتستوي المؤسّسات على عودها وتشرع في الإنتاج وتصبح عصيّة على العبث والابتزاز.

*الاقتراع وحده لا يكفي
كل المؤشرات وجميع مخلّفات وتداعيات المراحل الانتقاليّة التي مرّت بها دول الربيع العربي تؤكّد أن لا بديل على التمديد لمهام الجماهير وتلحّ على ضرورة التزوّد بثقافة استثنائيّة تعطي للناخبين أدوارا إضافيّة غير الاصطفاف والانتخاب ، وعلى خلاف الدول الديمقراطيّة العريقة في التداول على السلطة والتي ينتهي فيها دور الناخب حال مغادرته مكتب التصويت فإنّ الناخبين في دول الربيع العربي وفي سنوات الانتقال الديمقراطي الأولى عليهم أن يرافقوا بصبر وانتباه أصواتهم التي بذروها في الصناديق إلى أن تتماسك وتصبح عصيّة على العبث والاقتلاع ، يجب أن نكفّ عن ترديد العبارات التي ألّفتها عوالم السياسة السائدة في المجتمعات الغربيّة ولا نعول كثيرا على المفاهيم التقليديّة مثل الشراكة والحوار والاتفاق وما تقتضيه مصلحة البلاد، والقواسم المشتركة وموازين القوى والكتل والأخلاق والمبادئ والموروث والثوابت، والمنطق، ومن حقي، وليس من حقك، وما يكفله القانون، والأغلبيّة والأقليّة والديمقراطيّة.. علينا أن نخفض من نسق تفاؤلنا بمثل هذه العبارات لأنّ النخب والأحزاب التي أفرزتها الصناديق ومكنتها من الحكم في دول الربيع العربي وخاصّة في تونس لم تعثر على شركاء أو حتى على أثرهم ولم تجد أحزابا معارضة مستعدة لممارسة أدوراها الطبيعية ، تراقب وتراجع وتسدّد وتنتقد وتقّوم ثم تنهمك في ترتيب بيتها الداخلي والإعداد للمحطّات الانتخابيّة المقبلة، لقد اصطدمت الشرعيّة في تونس بأحزاب ناشزة متمرّدة تطوف بأعواد الكبريت تبحث عن القشّ والهشيم وترهف حواس شمّها نحو المحروقات وكل المواد التي تساعد في تغذية النار لتستعين بها في مشروع التحريق.

*مهمة استثنائية
ولأنّ الشريك المفترض لا يحمل في جرابه ثقافة الدولة ولا حتى ثقافة القبيلة ومدار الأمر عنده ورصيده المعرفي ينحصر في الفوضى والابتزاز وقد استجمع إيمانه في عقيدة "الزلاميط" ، لأنّ الشريك المنشود يملك هذه المواصفات المبطلة للشراكة على الترويكا أن لا تدير المرحلة بعقليّة التجاذبات الحزبيّة المألوفة لدى الدول الديمقراطيّة ولا تعول كثيرا على تغذية حججها وتمتينها لتفحم المعارضة وتضطرها إلى النزول على الحق، بل عليها مشفوعة بالنخب الوطنيّة الواعية أن تتحرّك في السّاحة لا بعقليّة المساجلة والمغالبة وإنّما بعقليّة فِرَق نزع الألغام وأن تتعامل مع المعارضة بما فيها قيادات الاتحاد بعقليّة خبراء المتفجّرات متسلحين بعلم النفس الجنائي لأنّهم أمام مجموعات مدجّجة بالأزرار تهدّد كل حين بتفجير الألغام المزروعة بخبث ودهاء في مفاصل الدولة وزوايا الوطن، وأنّه من العبث أن يعتقد البعض أنّ الحق والمنطق والحجج الدامغة ومصلحة الوطن العليا كفيلة بإقناع انتحاري مهووس مجنون بشبق السلطة، كي يجنح إلى العقل، هذا الذي تحيط الأحزمة الناسفة بخصره وبطنه، أفرانه جاهزة للهولوكست وهو على أهبّة حرق الوطن وتكويم رماده من أجل إطلالة على باحة القصبة وقرطاج، من العبث إثنائه عن غريزة النسف بٍوَجْبَة منطق وعقل. 
هذه القنابل الموقوتة لا تحتاج إلى من يساجلها بعلوم السياسة والمنطق ولا إلى رشّها بثقافة المواطنة لإبطال مفعولها، بل تحتاج إلى عمليّة دقيقة ومعقّدة لتفكيكها، وإعادة تأهيلها بعد إقناعها أنّنا في بلد المحبة والتسامح والتعايش، فلا تونس كمبوديا ولا أنتم خميرها الحمر. 

*الانتخاب خير من الانقلاب
علينا إقناع هؤلاء أنّ تثبيت السيادة للشعب تعدّ مكرمة وأنّ التصويت والأحزاب والبرامج والأقليّة والأغلبيّة كلها أشياء جميلة تحيل على التحضّر والمدنيّة وأنّ المشاركة في الانتخاب خير ألف مرّة من اشتراء انقلاب، وأنّه لمن صنوف الإذلال أن تلجأ بعض القوى "السياسيّة" إلى الشركات المتعدّدة الجنسيّات ، تلك التي لديها انقلابات "ستندار" للبيع وأخرى تحت الطلب، يتمّ تفصيلها وفق المواصفات المطلوبة، يجهز الانقلاب في هيكله العام ثم يعرض على أصحابه للإضافة والتعديل وإدخال بعض التحسينات حتى يتلاءم مع خصوصيّات الجهة التي سيشحن إليها وبالتعديل والترقية تتحسن فاعليّته ويصبح أكثر نجاعة وقابليّة للتنزيل والتطبيق ، حينها يتنحى الشعب جانبا ويتخلى الوطن عن خصائصه، وينهمك القراصنة والسماسرة والصبايحيّة في تأثيث مؤسّسات "الدولة" وتحقيق أهداف الثورة.

نصرالدين السويلمي
 
جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©