نصوص

مطلوب قليل من التواضع أمام هذا الشعب

مرة أخرى تكشف الاحداث المتواترة أن في تونس شعبا يمتلك من الارادة وصحوة الضمير والقدرة على استباق الاحداث ما يجعله يبدو في كل مرة أكثر نضجا ووعيا من قيادته ومن كل الاحزاب السياسية والنخب والقوى والنقابات التي تتهافت على قيادته نقول هذا الكلام ونحن نتأمل التحولات المتسارعة في المشهد التونسي قبل اسبوع على موعد الانتخابات المصيرية...

0
16 أكتوبر 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

مرة أخرى تكشف الاحداث المتواترة أن في تونس شعبا يمتلك من الارادة وصحوة الضمير والقدرة على استباق الاحداث ما يجعله يبدو في كل مرة أكثر نضجا ووعيا من قيادته ومن كل الاحزاب السياسية والنخب والقوى والنقابات التي تتهافت على قيادته نقول هذا الكلام ونحن نتأمل التحولات المتسارعة في المشهد التونسي قبل اسبوع على موعد الانتخابات المصيرية...
بدءا بالقرار المتعلق باغلاق دهاليز التعذيب الواقعة بمقر وزارة الداخلية مقرأغلب الخروقات والجرائم المرتكبة في حق أبناء هذا الشعب ورمز اخماد وقمع كل صوت مخالف،  وصولا الى الازمة التي أثارها شريط "بريسيبوليس" الفرنسي الايراني ومنه الى مختلف ردود الفعل التي أفرزها والتي بلغت حد مهاجمة "بيت صاحب القناة" وصدور بعض الفتاوى الداعية الى قتل العلمانيين وغير ذلك من الاحداث التي تسابقت في نقلها الفضائيات الاجنبية وهي تتحدث عن الاصوات المطالبة بتطبيق الشريعة في تونس الى فعاليات الحملة الانتخابية بكل ألوانها الباهتة والتي اتفقت على تصغيرالتونسي والتعامل معه بطريقة تقتقر للكثيرمن النضج والوعي السياسي المطلوب.
كم كان صبورا هذا الشعب وكم تحمل من الاذى والتهميش وهو الذي كان وقود كل المعارك من أجل دحر الاحتلال أو من أجل استعادة كرامته وهو الذي يقود اليوم المعركة مجددا ضد كل القوى المعادية التي لا تريد لثورته أن تحقق أهدافها في الحرية والعدالة الاجتماعية.
ولا شك أن التونسيين قد أدركوا الحقيقة يوم وقفوا يرددون بصوت واحد أنه لا خوف بعد اليوم وأنه على نظام بن علي أن يرحل معتبرين أن البداية تنطلق من خلف الاسوار العالية لوزارة الداخلية رمزالقمع والظلم حيث اختاروا عن وعي أن يتجمعوا في الرابع عشر من جانفي الماضي لتحقيق تلك الامنية التي دفع الشعب التونسي من أجلها ثمنا باهضا من دماء وأرواح أبنائه وشبابه وكل الذين امنوا بارادة الشعب في تقريرالمصير بمنأى عن الظلم والاستبداد...
واذا كان الواقع يدعو للاعتراف بأن قرار اغلاق زنزانات وأقبية التعذيب بمقر وزارة الداخلية في قلب العاصمة جاء ليعلن طي مرحلة من مراحل حقوق الانسان السوداء في تونس ويعلن فتح أخرى ستكون بالتاكيد تحت مجهر مختلف المنظمات الحقوقية لا سيما تلك التي كانت في طليعة المدافعين عن الحريات عندما كانت الاصوات والمنابرالتي يمكن أن تتجرأ على ذلك تعد على الاصابع فان القرار لا يمكن بأي حال من الاحوال أن يبلسم كل الجروح كما أنه لا أحد يتوقع لكل التعويضات التي يمكن اقرارها مستقبلا لفائدة أهالي الضحايا كما لفائدة أولئك الذين كتب لهم النجاة من الجحيم أن تعيد لهؤلاء ما سلب من انسانيتهم وكرامتهم.
من هذا المنطلق فان الجدل المستمرالذي أثارته ولا تزال تثيره قناة "نسمة" بعد عرض الشريط الايراني الفرنسي "في بلاد فارس" وما أثارته من قبل قضية الطالبة المنقبة في احدى الجامعات بسوسة أو كذلك ما حدث قبل أسابيع من مظاهرالعنف نتيجة خلافات أو صراعات بين القبائل أوالعشائر أوغير ذلك أيضامن الاحداث الدخيلة على مجتمعنا على مدى الاشهر التسعة الماضية ما يؤكد أن مقابل كل محاولة معلنة أو خفية لدفع البلاد الى الفتنة كان هناك دوما رغبة أقوى في سحب البساط أمام تلك الفئة التي اختارت أن تقف على الخط المعاكس للارادة الشعبية في المضي قدما نحو الافضل... طبعا لسنا في موضع محاكمة النوايا أو مصادرة حق مشروع في التعبير عن الرأي والتظاهر ولكننا في اطارالتساؤل ان كان التعرض لبيت مدير"القناة"وترهيب عائلته موجه الى شخصه أم هورسالة لكل من يمكن مستقبلا ان يخرج عن المالوف في مواجهة قضايا دينية أو اجتماعية أو ثقافية او سياسية؟ وهل أن الاسلام الذي يدين به اكثر من مليار مسلم في العالم على هذه الدرجة من الهشاشة حتى يرتبط مصيره بشريط سينمائي سبق عرضه بدل المرة مرات؟ نتذكرقبل بضع سنوات وعندما اندلعت قضية الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للاسلام في الدانمارك فان كل المظاهرات الاحتجاجية الدموية لم تغير شيئا من المشهد قبل أن يدرك المسلمون في العالم بما في ذلك الجاليات المسلمة في الدانمارك وفي بقية أنحاء أوروبا أن الحوار مع الاطراف المعادية واللجوء الى القضاء في درجة لاحقة كان كفيلا بوقف المهزلة والحد من ظاهرة الاسلاموفوبيا أو الحقد على الاسلام والمسلمين مع أنه هناك قناعة بأن ما حصل في تونس لا يمكن أن يكون له علاقة من قريب أو بعيد بأية مشاعر معادية للاسلام خاصة عندما يتعلق الامر بشعب غالبيته من المسلمين وهم ليسوا أقل غيرة على الاسلام ممن يدعون أنهم وحدهم المعنيون بالدفاع عن الدين.
من المؤسف أن يتجاهل الكثيرون في خضم ما تشهده بلادنا من تناقضات في خضم حملة انتخابية جامدة تفتقر لابسط شروط الحيوية والابداع الذي بدونه لا يمكن للناخبين الانسياق أوالاشتراك في هذا الحلم بين أحزاب تبشر بالاوهام وأخرى تبيع الوعود الخاوية وثالثة معزولة عن محيطها... ان الخيار النهائي سيؤول الى صاحب السيادة الذي سيقرربكل حرية ومسؤولية عبر صناديق الاقتراع المستقبل الذي يتطلع اليه دون وصاية...
لذلك نقول مرة أخرى للذين يستبلهون هذا الشعب ويعتقدون أنه سيظل قاصرا في انتظار من يأخذ بيده للثأر للاسلام تواضعوا أمام هذا الشعب وتطلعوا الى صوته وتابعوا نبضه فقد يساعدكم ذلك في تحديد الطريق الذي يتطلع اليه السواد الاعظم من أبناء هذا الشعب من أجل مستقبل أفضل يوحد ولايفرق ويقرب ولا ينفر...

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©