نصوص

مطبخ قرار أوروبي يحث على الحوار مع الحركات الإسلامية المغاربية (1 من2)

أطلق باحث فرنسي بارز دعوة لمراجعة الموقف الأوروبي المتوجس من الحركات الإسلامية في المغرب العربي، وحث على التحاور معها انطلاقا من أن تشجيع الإعتدال هو أفضل ضمانة للإستقرار وأقوى حاجز أمام التطرف والعنف. تحتاج هذه الدعوة غير المألوفة إلى تسليط الضوء على مضامينها وفهم أبعادها، خصوصا أنها تُعزز مواقف مماثلة صاغها خبراء ألمان، فضلا عن كونها تتقاطع مع رؤية الإدارة الأميركية الجديدة. صدرت الدراسة التي تقع في 71 صفحة وتحمل عنوان "المغرب العربي: كيف نقضي على الخوف من الديموقراطية؟" عن معهد الدراسات الأمن

0
22 يناير 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

 

 أطلق باحث فرنسي بارز دعوة لمراجعة الموقف الأوروبي المتوجس من الحركات الإسلامية في المغرب العربي، وحث على التحاور معها انطلاقا من أن تشجيع الإعتدال هو أفضل ضمانة للإستقرار وأقوى حاجز أمام التطرف والعنف. تحتاج هذه الدعوة غير المألوفة إلى تسليط الضوء على مضامينها وفهم أبعادها، خصوصا أنها تُعزز مواقف مماثلة صاغها خبراء ألمان، فضلا عن كونها تتقاطع مع رؤية الإدارة الأميركية الجديدة.

صدرت الدراسة التي تقع في 71 صفحة وتحمل عنوان "المغرب العربي: كيف نقضي على الخوف من الديموقراطية؟" عن معهد الدراسات الأمنية التابع للإتحاد الأوروبي، وحررها الباحث الفرنسي لوي مارتيناز، وهو مدير دراسات في مركز "سيري" CERI وباحث مشارك في معهد الدراسات الأوروبية. ومارتيناز معروف بمنهجه النقدي المتمرد على القوالب المألوفة وباطلاعه الواسع على الشؤون المغاربية، إذ كتب عدة مؤلفات عن المنطقة منها "الحرب الأهلية في الجزائر" 1998 (بالفرنسية) و"المفارقة الليبية" 2007 (بالإنكليزية)، بالإضافة لمشاركته في كتاب جماعي بالأنكليزية عن ظاهرة العنف الإسلاموي.

لكن ما مغزى أن معهد الدراسات الأمنية الأوروبي هو الذي طلب هذه الدراسة؟ مهمة المعهد الأساسية هي إعداد دراسات ووضع توصيات للإتحاد الأوروبي من أجل بلورة السياسات الأمنية والدفاعية الأوروبية، فهو يقوم بدور همزة الوصل بين الخبراء وصناع القرار الأوروبيين في كافة المستويات. واللافت أن الأفكار التي تُطرح من خلاله ليست رؤى ذاتية أو تهويمات شخصية وإنما تناقش الأوراق عادة في سيمنار أو من قبل مجموعة من الباحثين الذين يجيزونها ويعتبرون نشرها عنصرا مساهما في النقاش، ما يعني أن المعهد هو أحد مطابخ القرار الأوروبي. وأطلق على سلسلة الأوراق اسم "كراسات شايو"، وهي أوراق منفصلة تتناول كل واحدة منها قضية بعينها ويُحررها عادة باحث من العاملين في المعهد أو باحثون آخرون يتم اختيارهم لمهمة محددة.

واللافت أيضا أن مدير معهد الدراسات الأمنية ألفارو دي فاسكنسيلوس تساءل في المقدمة الجسورة التي وضعها للدراسة "هل تخاف أوروبا من الديموقراطية في المغرب العربي، فبعد 15 سنة من ندوة برشلونة مازال الفعل الأوروبي من أجل الديموقراطية غير بارز بما فيه الكفاية إذا ما وُضع في إطار مجمل حصاد العمل الأوروبي. وهذا ما أثبته مارتيناز في دراسته، فهو يُبرز كيف أن الهدف الذي حظي بالأولوية لدى الأوروبيين ليس الديمقراطية وإنما الإستقرار.

مزالق الإنفتاح

لكنه يؤكد في رد على المُحذرين من مزالق الإنفتاح على التيارات الأصولية، أن الديموقراطية لا تتناقض مع الإستقرار بل على العكس هي مفتاحه، "فالإستقرار يحتاج إلى تنفيذ إصلاحات ديمقراطية عميقة لإسناده" على ما قال في الدراسة. وحتى الإصلاحات الإقتصادية لا يمكن السير فيها إن لم يكن وراءها قادة شرعيون "يحظون بالمصداقية لأنهم منتخبون ديموقراطيا". وأكد الأكاديمي التونسي عمر بوبكري أن أوروبا تنحو فعلا هذا المنحى في سياستها المغاربية والمتوسطية عموما. وقال لـإن الإتحاد الأوروبي تبنى في البداية مواقف الحكومات العربية تجاه الحركات الإسلامية من دون تحفظ، وهو ما أدى إلى إقصائها من مشاورات الشراكة و التعاون بناء على نظرة ترى في تلك الحركات تهديدا للمصالح الأوروبية الاستراتيجية في مناطق النفوذ التقليدية. لكن أحداث ما بعد 11 أيلول - سبتمبر 2001، أظهرت الحاجة بالنسبة للأوروبيين إلى التمييز بين الحركات الإسلامية الجهادية والحركات السياسية. وتابع بوبكري مُستخلصا أنه "كان لابد من التعامل مع التيارات الأصولية كحركات سياسية بغض النظر عن الأيديولوجيا الإسلامية التي تقوم عليها، واتجهت بالتالي إلى تمييزها عن الحركات الجهادية التي تستعمل العنف وسيلة لتحقيق أهدافها. وتدعم هذا الأمر استنادا لما أثبتته الأحزاب الإسلامية من قدرة كبيرة على تعبئة الرأي العام، خاصة أثناء بعض المحطات الانتخابية التي ساهمت فيها بشكل ناجع. كما أكدت الاستطلاعات التي أصبحت تهتم بالرأي العام العربي منذ بضع سنوات أن تلك الأحزاب تحظى بمساندة حقيقية وواسعة من شرائح عريضة في المجتمعات العربية.

واعتبر بوبكري وهو أستاذ القانون في جامعة سوسة التونسية أن تلك التطورات مهدت لقبول الإتحاد الأوروبي بفكرة التعامل مع الحركات الإسلامية المعتدلة. لكن الإشكال المطروح، على رأي الباحث، يتمثل في تحديد الحركات المعتدلة من عدمها. وهنا فضل الإتحاد الأوروبي ثانية الاحتكام إلى الحكومات العربية التي أصبحت المرجع في تعريف الاعتدال، لتصبح الحركات التي تقبل بها هذه الحكومات هي المعتدلة و بالتالي فهي التي يمكن للإتحاد الأوروبي التعامل معها، و أقصت بذلك الحركات التي تستبعدها تلك الحكومات بغض النظر عن كون الدوافع الحقيقية للإقصاء غالبا ما تعود إلى رفض هذه الأخيرة (أي الحكومات) لكل مزاحم حقيقي لها على السلطة، "وهو ما يؤدي في آخر المطاف إلى مساهمة الإتحاد في تأبيد الوضع السياسي الحالي عوضا عن مساهمته في دفع التنمية السياسية في جنوب المتوسط" مثلما أوضح بوبكري.

الجمود يُولد القلاقل

يرى مارتيناز في دراسته أن المغرب العربي يواجه تحديات ضخمة ولا يمكن التصدي لها من دون تعاون بين الحكام والمجتمعات الأهلية، فالديمقراطية هي السبيل للتغلب على التحديات. ويُظهر الباحث كيف أن القضاء على الخوف من الديمقراطية هو أساس بناء العلاقة الجديدة التي تمر طبعا عبر تجاوز الخوف من الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية.

ويتساءل في هذا المضمار: ألا تُولد المحافظة على الوضع الراهن عدم الإستقرار في المستقبل نتيجة القضاء على النقد الصريح والحر والعلني؟ كذلك ألا يؤدي رفض التعاطي مع تلك الحركات إلى حملها على مزيد من التشدد، "فالدفاع عن الوضع القائم سيدفعها إلى الغلو بسبب إخراج القوى المنتقدة والإحتجاجية من المجال السياسي (الشرعي)".

ويُرجح مارتيناز الخيار الديموقراطي انطلاقا من المرتكزات الأربعة الآتية:

- نجاعة الديموقراطية باعتبارها الإطار السياسي الأقدر على مجابهة خطر الإرهاب.

- ضرورة الديمقراطية بوصفها ممرا إجباريا للتنمية الإقتصادية والإجتماعية في المغرب العربي من أجل مجابهة البطالة، وخاصة في صفوف الشباب والإستفادة من التغييرات السكانية.

- تفوق الديموقراطية بصفتها اللازمة للخيارين السابقين وخاصة في مجال مكافحة الجريمة العادية.

- دورها في تحقيق التكامل الإقتصادي الذي تتطلع إليه شعوب المنطقة

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©