مصر ... الجزائر ... اثنان لصفر .. الملهاة العربية
لم يكن لينين هو الأول ولم يكن الأخير الذي آمن بان بأن النخبة الراديكالية المثقفة ?الحزب- هي من يجب أن تقود الجماهير الغوغائية لتحقيق مصيرها. كان ذلك هو ديدن السلطة، وقرار نخب دائما، الدولة ذات النظام البطركي الأبوي الوصي الذي يقود "الجهلة" ويضبطهم لما فيه المصلحة العليا ? للنخبة أولا وبالتالي للدولة. وعت الدول والنخب والطبقات الحاكمة على مر الزمن للحاجة لما
- 15 نوفمبر 2009
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
لم يكن لينين هو الأول ولم يكن الأخير الذي آمن بان بأن النخبة الراديكالية المثقفة –الحزب- هي من يجب أن تقود الجماهير الغوغائية لتحقيق مصيرها.
كان ذلك هو ديدن السلطة، وقرار نخب دائما، الدولة ذات النظام البطركي الأبوي الوصي الذي يقود "الجهلة" ويضبطهم لما فيه المصلحة العليا – للنخبة أولا وبالتالي للدولة.
وعت الدول والنخب والطبقات الحاكمة على مر الزمن للحاجة لما يضبط الجماهير، بعيدا عن قوة الضغط العنفية عليها، التي آجلا أم عاجلا كانت ستنقلب عليها، ما لم تكن مضبوطة ضمن مقادير من الشد، بأساليب فنية تخدر الجمهور، وتقوده بطريقة ممنهجة.
ابتكرت روما الإمبراطورية فكرة حلبات المصارعة بعد أن طورت حلبات القتال الإغريقية القديمة، من ملاكمة بالأيادي العارية بين الرجال في الأسواق والساحات العامة، إلى ملاعب ضخمة تنحشر فيها الجماهير الغوغائية المتعطشة لتفجير غرائز الكبت لديها بمشاهدات عنيفة تارة وجنسية تارة أخرى، بعيدا عن مؤسسة الحكم ، فتفنن سياسيوها وتجارها في أنواع المصارعات بين البشر والحيوانات بين العبيد والأحرار، بمختلف الأسلحة وأحيانا، بين جيوش صغيرة لا تنتهي فيها اللعبة إلا بموت أحد الطرفين او قرار مفاجئ من الإمبراطور ليؤجج فيه المزيد من المشاعر المختلقة، لتستمر هي تطبيق سياساتها، وإخفاء هزائمها على الجبهات،وتبرير ممارسات نخبة الحكم على حساب الشعب، وإذا كان هذا على الشعب الروماني فإن تقنية حلبات المصارعة تقف شاهدة في كل بقعة احتلتها روما من العالم القديم حتى الآن
وأن كان الأمر بدرجات أقل فقد اختلفت أساليب النخب في إلهاء الشعوب ومنهجة مشاعرهم وتوجيه غرائزهم، كل وفق ما بلائمه من أساليب التسلية، صراع الديوك في ممالك اسيا، مصارعة الثيران، قتال الوحوش في اوروبا القديمة، نوادي البغاء، ودوواين الشعر، ولاحقا المسارح والملاهي والتلفزيون وأنواع الرياضات الجماهيرية في كل أرجاء العالم ..
أفيون
قال كارل ماركس أن "الدين أفيون الشعوب إذا ما استغل في غير مصلحة الطبقة الكادحة" ربما لم يأت الرجل بجديد، ليس بالنسبة للدين وحسب، بل لكل ما له علاقة بالحياة اليومية للناس، هذا الأفيون الذي باتت خميرته تدخل في معظم الصناعات التي نراها اليوم، وكل أساليب التسلية والإلهاء التي مررنا على ذكرها أعلاه.
كم كان مثيرا للاهتمام أن تكتشف مدى اندهاش العالم لحجم الخدر الذي أصاب ما لا يقل عن نصف الأمة العربية بعد تعاطيها لجرعات مفرطة من هذا الأفيون قبيل مباراة الأمس القريب بين مصر والجزائر في كرة القدم.
هذا الأفيون الذي لم ينج منه حتى أشد نخبها تنديدا بهذا الكسل الروحي والفراغ النفسي ليتم حشوه بمثل هذا الشحن السلبي البعيد عن أي قيمة إنسانية أو حضارية، ليدخلنا جميعا في بوتقة الحيوانات الغرائزية، لا نختلف كثيرا عن القطط المتناحرة على أسوار الأزقة ليلا، او الكلاب على حاويات القمامة
لقد بدا واضحا لمن لم يملك نظرية مسبقة عن هذا الوضع الذي يعيشه الإنسان العربي المقهور، أن مفاجئات قد طفت على السطح، أثارت من الاندهاش أكثر مما يفعل الفضول نحو النتيجة النهائية للمباراة.
فمنذ الحرب على غزة لم تتفق وسائل المعرفة العربية على خبر بقدر ما فعلت المباراة الملحمية بين البلدين الشقيقين، أغان تم وضعها على عجل، كشفت عن شعراء وملحنين سريعي البديهة، مقاطع فيديو نافست في موهبتها أكثر المشاهد إثارة للإعجاب على الانترنت، أفكار وسيناريوهات تصورها المحللون الرياضيون وغير الرياضيين عن ظروف المباراة، أشك لو أن عسكريا عربيا عاش ظروفها بجدية لأمكن له تحرير هذه الأمة من نير الاستعمار في ظرف سنوات قليلة.. قراءات نفسية ، تحاليل مناخية، ومعرفة تاريخية وجغرافية، وتجييش وطني وشعبي لم يعشه أي من البلدين كما تسعفني الذاكرة منذ حرب تشرين أو دوي النشيد الجزائري في الجزائر العاصمة لأول مرة بعد التحرير.. تسارعت لتدخل في طبخة الأفيون على قدر ستاد القاهرة الدولي..
لا صوت يعلو صوت المعركة
انتهت المعركة ولم تنتهي الحرب بهدفين مقابل لا شيء..
البقية تأتي غدا، وبعد غد..
لكن هدفين قد سجلا، هدفين كسني حربتين، أو كرأسي إبرتين جديدتين تضمن هدوءا جديدا في اثنين من أهم الدول العربية المركزية
هدفان رقص لهما قبل أي من الجمهورين نخب رسمت خطتها لاستغلال الفرص ببراعة، باتقان أقل ما يقال عنه انه يثير الإعجاب، في تحويل العدو من كل مسمياته.. الاحتلال، الجوع، الفساد، القهر اليومي، الأمية، التسلط، الكبت، السعار النفسي، القلق، المستقبل المعتم..
العدو واضح، هو خصم يركل الكرة، لا خصم يركل العقول نحو الملهى الجديد لأمة الملهاة الكبرى..