نصوص

مشهد فرجوي وسلوك سيّئ

لمّا التفتّ مستفسرا الحدث، كانت سيّارة الشرطة الدنماركيّة تطلق زفراتها عالية متسارعة، تخفي بها غضبا لا يوصف، على هذا الذي تطارده، وقد ركب درّاجة ناريّة وتفنّن - بحركات يطلقها بيده اليسرى محاكيا زفرات السيارة - في إثارتها، وتحريضها على المزيد من الانفعال، مطمئنّا إلى عدم الوقوع بين أيادي مطارديه، لحذقه استعمال درّاجته واستعمال الشوارع الضيّقة!... كانت السيارة تكاد تلامس عجلة درّاجته لمّا دخل يمينا في ممرّ ضيّق... حتّى إذا ارادت السيارة ملاحقته فاجأها بجرأة استثنائية بالمرور أمامها في الاتّجاه الم

0
16 سبتمبر 2015
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة


لمّا التفتّ مستفسرا الحدث، كانت سيّارة الشرطة الدنماركيّة تطلق زفراتها عالية متسارعة، تخفي بها غضبا لا يوصف، على هذا الذي تطارده، وقد ركب درّاجة ناريّة وتفنّن - بحركات يطلقها بيده اليسرى محاكيا زفرات السيارة - في إثارتها، وتحريضها على المزيد من الانفعال، مطمئنّا إلى عدم الوقوع بين أيادي مطارديه، لحذقه استعمال درّاجته واستعمال الشوارع الضيّقة!... كانت السيارة تكاد تلامس عجلة درّاجته لمّا دخل يمينا في ممرّ ضيّق... حتّى إذا ارادت السيارة ملاحقته فاجأها بجرأة استثنائية بالمرور أمامها في الاتّجاه المقاطع!...

خارت قوى السيّارة وامتنعت عن عويل لا يجدي!...

لا بدّ أنّ لهذا الفارس مَن يؤيّده من أهل بلده وممّن ناصروا أهل بلده، بل ربّما حتّى من الشباب الدّانماركي ذي العلاقات السيّئة مع الشرطة أو ذي الرّغبة في الفرجة!... فقد كان المشهد فرجويّا بامتياز لا يُرى مثلُه إلّا على الشاشات العارضة للأفلام الهوليووديّة التي يعود نجاحها إلى براعة البطل فيها!... ولقد كان البطل هنا في المشهد المباشر بارعا قد دوّخ الشرطة وأقعدها!...

ولكنّ المشهد بالمقابل يستفزّ بعض النّاس - حتّى ممّن يميلون إلى الفرجة - فيوقظ فيهم شعورا غريبا قد ينتهي برفض المشهد ورفض البطل فيه ورفض طائفته جميعا، بل ورفض كلّ من له علاقة بطائفته!... فيسِمونه بالتخلّف ويصفونه بالاعتداء على المضيف وعلى السلم الاجتماعيّة!... قد يصفوا المشهد بالمثل التونسي القائل: "الشبع يبعبع"!... وقد يستدعوا بالمشهد مقالات ردّدها العرب أصحاب الأخلاق والمكارم التي جاء الإسلام متمّما لها، كقولهم: إن أنت أكرمت الكريم ملكته... وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدا!... أو قولهم: اتّق شرّ من أحسنت إليه!... بل ربّما يذهب مَن به هوى عنصريّة إلى استعمال ما قيل في بعض المسيئين للإيتيكيت: لا تشتري العبد إلّا والعصا معه... إنّ العبيد لأنجاس مناكيد!... أو يستدعون ذلك وأكثر من ذلك من المقولات والشعر والحكم!...

 

وأمّا الساسة فقد يتأثّرون هم أيضا بالمشهد وله، فيرونه قد تناول كرامتهم وأمنهم (وهو عندي كذلك)، فيلجؤون إلى التشريع ينصفون شرطتهم به... يبيحون لهم استعمال القوّة "النّاعمة المعقولة"!... يمكّنونهم قانونا من الضرب على رجل الهارب مثلا!... حتّى إذا أصابت الإطلاقة الرأس كان ذلك على وجه الخطأ!... والأخطاء في الغرب كثيرة تقع في استعمال القنابل الذكيّة الملقاة بالطائرات وفي استعمال البندقية أثناء العمليّة وفي استعمال المشرط بقاعات العمليّة، بل وتقع حتّى في البروتوكول!... ولكنّ الاعتذار للأخطاء سنة حميدة قد درج عليها الغرب، بما لا يترك مجالا للتأويلات الخاطئة أو التداعيات غير السارّة!...

ومن هنا فالمشهد كان سيّئا بامتياز!... قد عكس تخلّف بطله وخفّته وانعدام حيائه وتربيته... ولو كان له أثر قيمة ما أجبر الشرطة على مطاردته في واضحة النّهار، في بلد نعترف أنّ العاقل (من العقل وليس من العقولية التونسية) فيه لا يعيش إلّا محترما رغم ما في بعض الزوايا من أناس ميّالين إلى العنصريّة البغيضة!...

كنت أفخر بهذا البطل لو كان في مؤسّسته يقود فريق العمل أو كان في الجامعة يقود فريق البحث التخصّصي في علم اختاره موائما لحاجة بلده أو كان في أيّ مجال يتبنّى المبادرة ويؤلّف النّاس حولها!... وأمّا أن يكون مجرّد قائد درّاجة ناريّة سهت عن احترام علامات المرور كما سها هو عن كلّ ما يترتّب عن فعلته هذه من آثار قد تصنّفه عند النّاس وعند ربّ النّاس مجرما في حقّ النّاس!... ونسأل الله صلاح الذرّية وصلاح الحال...

 

عبدالحميد العدّاسي، الدنمارك في 16 سبتمبر 2015

 

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©