نصوص

مرّ الكلام

Normal 0 21 false false false DE X-NONE AR-SA MicrosoftInternetExplorer4 /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Normale Tabelle"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-qformat:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin-top:0cm; mso-para-margin-right:0cm; mso-para-margin-bottom:10.0pt; mso-para-margin-left:0cm; line-height:115%; mso-pagination:widow-orphan; font-size:1

0
11 فبراير 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة


ليس صحيحاً أن الوعي الوطني بكل أبـعاده الإنسانية كان العامل المشترك وراء إقبال التونسيين للمشاركة في انتـفاضتهم المباركة، فهناك من شارك فيها بـعد اقتناعه بفكرة التـخلص من الطاغية بن علي " زين الـهاربين"، بينما كانت تعني لشخص آخر التخلص من فكرة سياسية معينة إلى فكرة أكثـر شـمولاً، وهناك من رأى فيها مناسبة لإيـجاد منصب سياسي له يرضيه، وهناك من ترك منفاه، وعاد ليشارك بالانتـفاضة بـهدف السعي لنهضة وطنـه كي يأخذ مكانه اللائق تـحت الشمس، أمثال الدكتور منـصف المرزوقي، وغيـره من المناضلين الشرفاء الذين أفنوا أعمارهم في خدمة تونس والتونسيين.

منذ أيام، ونـحن نقرأ بعض الكتابات المسمومة بـحق هذا المناضل الشريف، على أنّـه " علماني عدو للإسلام" وبأنّـه " أنـحرف، وشوّه المشروع الراقي لـحزب المؤتـمر من أجل الـجمهورية"، وبأنّـه "شـخصاني"، بالإضافة إلى تشويه صورته التنظيمية بوصفه " دكتاتوراً"، وإلصاق بعض الصفات السلبية التي يـمكن لـها أن تلعب دوراً سيئاً جداً بين حزبه العلماني ، وبين بعض الأحزاب الإسلامية في مستقبل الأيام.

أي متتبع لكتابات الدكتور منـصف المرزوقي، هذا المناضل المفكّر الفذ، يلاحظ قوة تأثيـرها على عقول أبناء تونس في مسيـرتـهم الوطنية،كما يلاحظ أيضاً، أنـها أصبحت بـمثابة منارة تنيـر طريق الإصلاح الـجذري لبعض الـجماعات المـخلصة، المؤمنة والملتزمة التي ترنو لتجديد نـهضة وطنها.

كما أن مـمارساته النضالية اليومية طيلة سنوات جهاده، في الوطن والمهجر، قد نـجحت في ترسيخ مبادئ التضحية والشجاعة والإقدام، وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الشخصية في عدد لا بأس به من المنتسبين إلى حزبه، هذا مع العلم أن التـجارب الميدانية أثبتت أن هذه القيّم لم تشـمل جميع المنتسبين، وهي توزعت بينهم بصور متـفاوتة جداً.

من المعلوم، أن أشد الـحروب التي تُشن على حزب ما، أو شـخصية سياسية ما، هي الـحروب التي يشنـها ذوو القربى الفكرية من أعضاء الـحزب، أو من رفاق المؤسس القائد.

من حق كل عضو حزبي أن يتراجع، أو يـنهار في مواقفه، أو أن يبدي رأياً سياسياً مغايراً لرأي القيادة الـحزبية، أو القائد، إنـما عليه دائـماً أن لا يضيق بأصحاب الآراء المتـخالفة لرأيه في ما يتـصل بشؤون الحزب الفكرية، السياسية والتنظيمية، كما عليه، أن يصحح، أو يسامـح المـخالفات والـهنات التي يتعرض لـها القائد، والأعضاء، كما يتـعرض لـها كل كائن بشري على الأرض، إنـما ليس من حقه أن يشن الـحروب على حزبه ورفاق الأمس لكي يتسنى له تبوأ المراكز القيادية في أحزاب أخرى تتناسب وطموحاته الشخصيّة.

لست هنا في وارد مناقشة مبادئ وأهداف حزب " المؤتـمر من أجل الـجمهورية", ولا دستوره، ولا نظامه الداخلي، ولكنـني أؤكد أن الدكتور المرزوقي لم يطلب من أعضاء حزبه يوماً كسر المـحرمات، ولا تـحقيق المستحيلات، إن كل ما كان يطلبه من العضو هو الوعي لشخصيتـه الوطنية بالدرجة الأولى، والعمل المنظم من أجل مصلحة الوطن بالدرجة الثانية.

وأستطيع أن أقول إن التجاوب الذي لقيه الدكتور المرزوقي كان كبيـراً بالمقياس العددي، خاصة وهو يصارع أعتى قوة ظالمة عرفتها تونس، لكن هذا التجاوب العددي لم ينسحب على العمل التنظيمي المطلوب من حزب "المؤتـمر من أجل الـجمهورية"، ذلك أن العدد لم يتـحول إلى قوة نظامية، خلاقة ومنتـجة.

ومع ذلك، هذا لم يـمنع الدكتور المرزوقي، بـما يـملك من فكر وسياسة وتنظيم، من العمل لـجعل حزبه قوة تقدم لتونس، قوة حداثة، قوة ديـمقراطية تسعى إلى أخذ حصتـها في خانة الـخدمة العامة في أجهزة الـحكومة.

فماذا يضر المـجتمع التونسي لو أن مؤسس حزب " المؤتـمر من أجل الـجمهورية"، العلماني، ترشـح لرئاسة الجمهورية؟ا...، وإذا أعضاء حزبـه تقدموا للوظائف الـحكومية، وهم الذين برهنوا بنضالـهم، وما أدوه للوطن من خدمات على أنـهم فئة لـها مزايا تـمكنها من القيام بأعباء السلطة؟ا....

أين الشخصانيّة في كل ذلك؟..... وأين الدكتاتورية ؟... ما داموا يعملون لدولة عصرية تساوي بين المواطنين التونسيين في الـحقوق والواجبات أمام القانون؟...

ويناضلون من أجل أن يتساوى المتدينون والعلمانيون، وأن يصبحوا جزءاً لا يتـجزأ من النظام المنوي إنشاءه في تونس الغد، ولتـتمثل كل فئة وفق النسبة التي تنالـها في صناديق الاقتراع، هل هذا النوع من النضال السياسي المدني مـمنوع ؟ا...

ليس على شيء من الأخلاق الإسلامية من يشهّر بـمؤسس حزب بـهره يوماً ما مشروعه الراقي، واستهواه النضال في صفوفه، لغيـر الدفاع عن الـحقيقة، فكيف بالذي يصوب مرّ الكلام على رفيق النـضال والـجهاد والمنـفى والمصيـر؟....

أما بـخصوص نعتـه بأنّـه " علماني وعدو للإسلام"، أستطيع أن أجزم بأن الدكتور منـصف المرزوقي كرجل علم، يؤمن بـحركة تطور العقل البشري وبالقوانين وبـحركة التطور الاجتماعي والعمراني، ويعتبـر أن ارتقاء علم الاقتصاد والسياسة، الاجتماع، الطب، الـهندسية والكيمياء، هي من اختصاص الـخبـراء بـهذه الشؤون، ويستحيل معالـجتها بنظرة دينية سالفة، وقد أكد في أكثر من مقال، وحديث، أن عمل رجال الدين هو في تثقيف النفوس في حفظ الإيـمان والشريعة فقط.

لم يرَ الدكتور المرزوقي حاجة لـهدم القناعات الدينية عند التونسيين، بل أجتهد بالمقارنة والتحليل لتقديم البراهين أن بعض هذه القناعات الدينية لا علاقة لـها بـحياتـهم المـجتمعية وتقدمها، وهو ليس عدواً للإسلام، إنـها تـهمة أخصامه السياسيين الذين يسوقون هذا النعت، ويفعلون ذلك خدمة لمصالـحهم السياسية وليس تدليلاً على حقيقة علمانيتـه الـحضارية.

وإذا كان أخصامه السياسيين والمفكرين، وبعض حساده، لا يقرأؤنـه في كل كتاباته، ولا يفهمونه الفهم الشـمولي، أو يقرأونه بشكل جزئي، أو يتعمدون إلغاء مفاهيمه الصحيحة، فهذا موقفاً يـخصّهم ولا ينطبق ما يقولونه عن الدكتور منـصف المرزوقي وكتاباته وأفكاره ومواقف السياسية، وكلامهم التحريضي ضدّ علمانيته لم يهدٍ الضالين، ولم يزد في هدى المهتدين.

قد نعيب على هؤلاء جهلهم التام للعلمانيّة المؤمنة التي ينادي بـها الدكتور المرزوقي، والتي تفهم الإسلام على أنّـه دعوة لحرية الاختيار تاركة الـحساب والعقاب والثواب لله في الآخرة، وبـما أنـهم متـعلقون بشؤون الماضي أكثر من شؤون الـحاضر، يفهمون العلمانيّة الملحدة على طريقة فئة من العلمانيين الاشتراكيين الملحدين الذين شاركوا بـحماية النظام البائد، وزنوا مع الطاغية بن علي " زين الـهاربين" بـحق الإسلاميين الشرفاء من أبناء تونس، وورّطوا أنفسهم في خصومات مع الشعب، وانشغلوا بتـحصيل المكاسب أكثر من انشغالـهم بقضية الشعب الوطنية، ولم يفلحوا في التقدم الاجتماعي خطوة باتـجاه متقدم نـحو إقامة العدل الاجتماعي والاقتصادي، من هذه الزاوية فهموا العلمانية، وأساؤا فهم علمانية الدكتور المرزوقي الحضارية، وهذا ليس دليلاً على فسادها، ولا يـحط من شأنـها عند التونسيين الذين فهموها وآمنوا بـها، وهي سائرة إلى الأمام بـخطوات ثابتة، إنـما ماذا نستطيع أن نقول إذا كان رأس الـجاهل مكمن الشرّ، وقلبه مغارة الـحقد والتـعصب؟ا...

في هذه الظروف الصعبة التي تـمر بـها تونس، لا تنفع تبادل الاتـهامات التي تزيد في التباعد والتباغض.

تونس اليوم، بعد الانتفاضة المباركة، بـحاجة إلى أقلام تعمل على تنمية الإرادة المشتركة في الـحياة الواحدة، والشعب يأمل أن يبني لنفسه مستقبلاً مشرقاً بعيد عن التهديد لـحياته ومنجزاته، وهو يـحاول أن يبني حياته الوطنية من ضمن المنظومة المشكلة من كافة الأطياف الفكرية والسياسية عن طريق وحدته وطريق الأخوة والمـحبة والمساواة.

باريس ـ تيسيـر العبيدي

 

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©