نصوص

مجّدوا ثورتكم : عتاب من بلد الأرز إلى بلد الزيتون

Normal 0 21 false false false MicrosoftInternetExplorer4 /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Normale Tabelle"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} تمام محمد قطيش كنت

0
15 فبراير 2013
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة




تمام محمد قطيش
كنت أسال نفسي لِمَ كل هذا الانتباه إلى تونس الشقيقة ونجمة القصائد القديمة، وكيف أثرّت درّة المغرب في كل المشرق ولم يطول بي السؤال لأكتشف أنّ العديد من العناصر تداخلت فشدّت اهتمامي، أطياف فينيقيا، صور، أليسار، قرطاجة، مجد ما بين الشواطئ وروابط أقوى وأمتن من كل هذا لغة الضادّ واللسان العربي المبين وفوق كل ذلك عقيدة ربّ العالمين.

عندما فاح عبق التمرّد على الذّل والخنوع يوم أحرق الشاب البوعزيزي نفسه في أواخر العام 2010، اهتزت الخضراء بقوة لتزيح ستارا كان يُخفي وراءه معاناة شعب أراد الحياة فكسّر القيود ولم يتهيّب صعود الجبال فأشعلها وكانت غضبته..
توالت الأحداث في تونس ممّا سمح لنا في الشرق أن نحفظ أسماء المدن وحتى بعض الشوارع لدرجة شعر البعض منّا بأنّه ينتمي لهذا البلد الجميل.

مساء الجمعة 14كانون الثاني 2011 كان الخبر الجلّل الذي شنّف الآذان طربا عندما أعلنت الفضائيّات هروب بن علي من تونس تاركا وراءه كل شيء، لن ننس أبدا صورة وصوت ذلك الرجل الذي خرج للشارع في العتمة والبرد وهو يصيح كمجنون لا يصدّق ما حدث "بن علي هرب... "، ولن نستطيع أيضا أن ننسى دموع الشيخ الوقور عندما شاهد الفيديو أثناء لقاء أجري معه على الهواء مباشرة، وكلمته حول بن علي التي بقت ترن في آذاننا "مجرم".

مساء 14 عمّت الفرحة واستبشرت الشعوب بالثورة التونسيّة ورأت فيها الربيع العربي الذي سيشرح الصدور، شعب ثائر يموج بكافة محافظاته وطبقاته ومشاربه، يزلزل الأرض تحت أقدام جلاده، يخطو خطواته بنجاح، ثورة نقيّة خرجت من صلب شعب مقهور وأنجبتها رحم أمّة مسلوبة عاشت عقودا تحت القهر.

الأيام تتوالى والعالم يتطلّع إلى أرض الزيتونة التي تحتل أخبار الشاشات وعناوين الصحف تأتينا بالمثير، نشاهد أملاكا مصادرة وصفقات خياليّة، فساد لا حدود له.. ودلّتنا الثورة التونسيّة على حقيقة مرّة أنّ في كثير من الأحيان يكمن خلف البدلات الشيك والسيّارات الفخمة والكراسي والقصور فساد يتجاوز الخيال..

الشعب ما زال ينشد قصيدة الشابي الشهيرة، ما زال يريد الحياة ...

أجريت الانتخابات... وانتخب الشعب التونسي مجلسه التأسيسي وتشكّلت الحكومة وقلنا ها هي تونس تخطو نحو الريادة بانتظام ودون تقهقر رغم بعض الأصوات النشاز هنا وهناك التي أفزعتها التجربة وأرادت الإجهاز عليها.

اليوم وجرّاء ما يحدث في تونس تغيّرت المعادلة وبهتنا جميعا لأنّ الأمور سارت بغير ما توقعنا لها، فقد كنّا نخشى على الثورة التونسيّة من الخارج من قوى الاستكبار وأصحاب المصالح، وكنّا نقول أمريكا ستفسد على العرب ثورتهم ثم قلنا فرنسا ثم قلنا أوروبا، لكن المشاكل والقلاقل لم تأتِ من بلد تمثال الحريّة ولا من عاصمة برج إيفل وإنّما أتت من الداخل من أبناء تونس أنفسهم، للأسف لم يعد بوسعنا التعاطف مع الشعب الذي قاد الربيع العربي بتلك الكيفيّة المذهلة التي كنّا عليها.

أرجو من أبناء تونس الخضراء أن يمهلوا الشعوب العربيّة المزيد من الوقت فإذا كانوا قد غيّروا رأيهم في ثورتهم فليتحلّوا بالكرم الذي عرفوا به وليتوقفوا عن تشويه سمعة الثورة حتى تنزاح الغمّة عن أطفال وحرائر سوريا وحتى يتبنّى المشرق العربي هذه الثورة العظيمة التي يبدو أن إخواننا في المغرب العربي سرعان ما زهدوا فيها، وليتني أفهم كيف تزهد الشعوب في ثورة أجبرت قوى عظمى على تغيير سياساتها الدوليّة.

في صباح ذكرى الثورة فتحت الفضائيّة التونسيّة على أمل التمتّع بسماع خبر مفرح بعدما أنهكتنا صور ومشاهد أوجاع الشعب السوري وقلت عسى شعب ثورة الياسمين يعيش ذكرى أفراح الثورة والأشعار والأهازيج والتواشيح الوطنيّة، عساني أسمع الزغاريد تخليدا لليوم التاريخي فإذا بي رغم برودة الأجواء أصطدم بمشاهد أكثر برودة.. لا أثر للثورة وذكراها هناك، أغلقت التلفاز وتمتمت "حسبنا الله ونعم الوكيل، يبدو أنّ تونس غيّرت رأيّها".

 

 

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©