نصوص

مثقفو الظلمة الدائمة

إذا أردت إيهام الآخرين بتقدميتك واستنارتك وعقلانيتك فعليك الإكثار من هذه المفردات حتى وإن لم تمتلك ما يؤكد كونك كذلك! يقال إن الحرص على تزيين المظهر هو بدافع عقدة قبح الجوهر. بعض «المستكتبين» من القاعدين دائما يصحون من حين لآخر كما النائم في محطة قطار يُجهدون أنفسهم في استجماع مفردات مغرية يغلفون بها أنفسهم وأخرى منفرة يلقون بها على غيرهم ثم يعودون إلى مراقدهم منتشين كما لو أنهم خاضوا معركة تاريخية وانتهوا منتصرين! ذاك ضربٌ من الكسل الذهني ومن العجز عن قراءة الواقع المتجدد قراءة هادئة واعية مُجه

0
20 مارس 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة


إذا أردت إيهام الآخرين بتقدميتك واستنارتك وعقلانيتك فعليك الإكثار من هذه المفردات حتى وإن لم تمتلك ما يؤكد كونك كذلك! يقال إن الحرص على تزيين المظهر هو بدافع عقدة قبح الجوهر.

بعض «المستكتبين» من القاعدين دائما يصحون من حين لآخر كما النائم في محطة قطار يُجهدون أنفسهم في استجماع مفردات مغرية يغلفون بها أنفسهم وأخرى منفرة يلقون بها على غيرهم ثم يعودون إلى مراقدهم منتشين كما لو أنهم خاضوا معركة تاريخية وانتهوا منتصرين!

ذاك ضربٌ من الكسل الذهني ومن العجز عن قراءة الواقع المتجدد قراءة هادئة واعية مُجهزة بآليات تحليل ومناهج نقد ورؤية عملية في الإصلاح والتغيير الدائم.

هل تحتاج المجتمعات العربية عبقرية استثنائية تكشف لها حقيقة كونها غير متقدمة؟ هل تنتظر كاتبا « فحلا « يجرأ على القول بأن تاريخ العرب لا يتقدم بالسرعة الممكنة؟!.

بعض الكتاب يشتغلون في «المناحات» الدائمة وفي عويل ثقافي مزعج وكئيب!

لا يشيرون إلى حيث تجب الإشارة ولا يقوون على تحمل المسؤولية ولا على تحميلها لمن يجب أن يتحملها إنما يتكلمون كما «الجبرية» خارج الأسباب وخارج قانون التاريخ! هم معطوبون وعاجزون وخائفون ولكنهم يجرأون على تحميل غيرهم ممن لا يعرفون مسؤولية عيوبهم تلك! مازالوا يلطمون ملامحهم القديمة في ظلمة يتمنون لو أن فيها مقيمين حتى يجدوا من يشتمون! يبحثون كما الصاديين عن ضحايا في الهامش المدني من محدودي الدخل النظري ومن فاقدي السند المعرفي ومن القاصرين عن النشاط الذهني ينكلون بهم في نصوص تصنف كتابة وتدرج ضمن مشاغل العقل الفعال! أولائك المستثمرون في «المُبيدات المعرفية» يُعيقون العقول عن التجاوز يعقلونها إلى أوتاد قديمة ويصرفونها عن قضايا الناس العملية إلى تهويمات وخيالات وإلى فضاءات يُجيدون فيها ممارسة النكايات الإيديولوجية.

مستكتبون كلما دُعوا لوجهة نظرـ ضمن مشروعِ إخصاب الحقل المعرفي ـ عاودتهم الأضغاث ومشوا نائمين إلى غير وجهة يقذفون ويهتفون ويرشفون مُدمنين سوائلَ من عصير الإيديولوجيات الصلبة... هم أشبه ما يكونون بأهل الكهف إذ ناموا والزمن لا يكف عن السيلان تتجدد فيه ملامحٌ وتتبدل فيه علاماتٌ وتتغير صورٌ وأشكالٌ وأحجامٌ... خرجوا على الناس بعد موتتهم الحضارية بعملةٍ قديمة يُريدون بها نصيبا من متطلبات الحياة ! يُريدُ المستكتبون أولائك أن يعتاشوا من لطم الظلمة حاضرة في عقولهم وأنفسهم يحسبون أن بها أجيالا من شركائهم في التراب وفي الكتب المدرسية وفي الأحرف والأناشيد.

من اليسير جدا ممارسة جلد الذات ورجم الآخرين... ومن المُتاح جدا تصريفُ النرجسية والعقد النفسية في الكتابة، غير إنه من المكابدة تحميلُ الذات مسؤولية تجاه الوطن وتجاه أبنائه كلهم ـ باعتبار المواطنة ـ وتجاه الإنسانية.

مجتمعاتنا ليست بحاجة لمن يلعنها ويتبرأ منها، ذاك عقوق بالمعنى الأخلاقي وذاك عطب بالمعنى النفسي والمعرفي، إنما تحتاج فوانيس وأدفاق ماء.

أي مثقف ذاك الذي يستمد «مكانته» من التعالى على أبناء شعبه من محدودي الدخل المعرفي يصفهم بما لا يليق بمثقف قوله وبما لا أثر لهُ أحيانا ! أي معنى لثقافة ليست مثقِفة ولا فاعلة وأيّ استنارة لا تنيرُ وأيّ تقدمية لا تمارس غير مناحات على أطلال الإيديولوجيات الكسيحة؟ أي بطولة ينال شرفها من ينقضّ بغِلٍّ غير مدني ولا ثقافي على ملامح مجتمع يراها بشعة ولا يرى نفسه فيها؟

الثقافة مبدعة ومُحيية ومُنقذة ومُتفائلة وإنسانية ومُكابدة لا يدّعيها مُحتربون من عساكر اللطم المستمر... هل من فرق بين ثقافة لا تصنع سعادة وبين جهل يجلب شقاءً؟.

 بحري العرفاوي

كاتب وشاعر تونسي

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©