نصوص

! ما هكذا يُقرأ النص وينجز النقد

تفضل الأستاذ ابراهيم بالكيلاني بنقد دراستي المعنونة "يومَ يتكلم العرب لغتهم" والمنشورة على موقع "الحوار نت". وقد فعل ذلك في دفعة أولى ضمن ثلاثة نصوص متفرقة. وتوليت أنا إرسال تعقيب على كل واحد من تلك النصوص النقدية الثلاثة. وبينما كنت بانتظار تعليقات أو شروح أو أجوبة تصدر عن الأستاذ بالكيلاني بخصوص تعقيبي إذا بالأستاذ يردف الثلاثية بدفعة ثانية من الانتقادات في شكل نص واحد هذه المرة لكنه نص يحتوي على الأجزاء الثلاثة المنشورة سابقا مع جزء تكميلي. في ضوء هذه الملابسات قررت أن لا أعقب على الدفعة الثا

0
3 أبريل 2014
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

 

تفضل الأستاذ ابراهيم بالكيلاني بنقد دراستي المعنونة "يومَ يتكلم العرب لغتهم" والمنشورة على موقع "الحوار نت". وقد فعل ذلك في دفعة أولى ضمن ثلاثة نصوص متفرقة. وتوليت أنا إرسال تعقيب على كل واحد من تلك النصوص النقدية الثلاثة.

وبينما كنت بانتظار تعليقات أو شروح أو أجوبة تصدر عن الأستاذ بالكيلاني بخصوص تعقيبي إذا بالأستاذ يردف الثلاثية بدفعة ثانية من الانتقادات في شكل نص واحد هذه المرة لكنه نص يحتوي على الأجزاء الثلاثة المنشورة سابقا مع جزء تكميلي.

في ضوء هذه الملابسات  قررت أن لا أعقب على الدفعة الثانية من كلام الأستاذ بالكيلاني بالتفصيل وذلك لأني مازلت أنتظر ردودا وردات فعل على ملاحظاتي الأولى من عنده ولأنّ عملية نشر نفس  المضمون مرتين أمرٌ رأيت فيه كثيرا من اللبس.

 مع هذا سأمدّ الأستاذ بالكيلاني ببضعة ملاحظات قد تصلح له. وإن لم تفده هو بالذات فقد تفيد القراء الأعزاء. وهي كالأتي:

أولا: أنا باحث أعمل من أجل تنوير الفئات التي تشكك في تقدمية دين الإسلام الحنيف ولست ممن يؤجَّرون لضرب الدين. لنكن واضحين لأنّ قد يكون الأستاذ بالكيلاني متعودا على الإطلاع على أدبيات ناقدة للإسلام السياسي صادرة فقط عن أقلام مغالية في العلمانية أو اليسارية وليس متعودا على الإطلاع على خطاب ينقد الإسلام السياسي منبثق عن فكرٍ مؤمن يهدف إلى تطوير الخطاب الديني.

ثانيا: إجمالا منذ أن استمالتني المسألة الدينية كموضوع خطير قبل زهاء الـ25 سنة واتخذتها مبحثا، كان تناولي لها بواسطة أدوات معرفية جديدة ومِن استحداثي أنا شخصيا. زد على ذلك فإنّ مقاربتي تتسم بالتجريب العلمي ولا توصد الأبواب أبدا أمام المراجعة الذاتية وأمام النقد البناء. لذا فلا يصح أن يُحكم على منهجي حكما قاطعا _ كما فعل الأستاذ بالكيلاني_ وعلى العكس من ذلك فهو منهج  يستدعي الفهم والمناقشة لا الترصد و الجدال والاتهام بالسياسوية وبالهدم كما ذهب إليه الأستاذ الناقد.

ثالثا: مع هذا، صحيح أني أتطرق إلى السياسة من خلال بحثي المتناول للمسألة الدينية. وصحيح أني أهدم أثناء البناء. وهذا أمر طبيعي طالما أنّ من يسعى إلى البناء لا مفر له من الهدم، لا سيما لمّا يتعلق الأمر بالإسهام في بناء فكر سياسي جديد وهو ما يتطلبه المجتمع التونسي والعربي الإسلامي عموما. و بالتالي فمن واجب الباحث أن يهدم الفكر. لكن أيّ فكر ولأيّ غرض؟ طبعا الفكر التجهيلي حتى يسهل تعويضه شيئا فشيئا بالفكر العقلاني.

رابعا: أعجب لكَون الأستاذ يعتقد أنّ لي موقفا مضادا من مسألة مزج الدين بالسياسة. فالذي فاته هو أني أصرّ على أنّ المزج أمر طبيعي لكن بشرط أن يقوم به أخصائيون مؤمنون متنوعون في الفكر، وأنّ ما أرفضه (لأنه خبط عشواء) هو المزج على الطريقة التي جربها الإسلام السياسي وذلك في الإطار الضيق للحزب السياسي وتبعا لمرجعيات بالية وغير علمية.

خامسا: لقد عنون الأستاذ ابراهيم بالكيلاني كل نصوصه النقدية التي تعاطت مع دراستي المذكورة  كالأتي: "عن المقاربة اللغوية في فهم ظاهرة الإسلام السياسي"، والحال أني لم أنجز الدراسة أبدا لغرض "فهم ظاهرة الإسلام السياسي". كيف أنكبّ على فهم ظاهرة أنا فاهم لها منذ عقود؟ بينما أنجزت الدراسة على خلفية إيماني الذي لا يتزحزح بأنّ الإسلام السياسي ظاهرة مرَضية وبالتالي زائلة.  وهذه مسلمة تفطن لها الأستاذ الناقد. لكن ما لم يتفطن له هو أني لم أختر المسلمة لدسّها على أنها فرضية مآلها معروف مسبقا كما ذهب إليه بالكيلاني. اخترت فرضية مختلفة عن المسلمة ولكنها مبنية على هذه الأخيرة . والفرق شاسع بين المنهجيتين.

لنرَ ما هي الفرضية لكي نتبيّن الخلط. فرضيتي هي " هل هناك صلة بين فساد العقيدة (المتمثل في الإسلام السياسي_ كمسَلمة_ ) وبين فساد اللغة (كمسلمة)؟" أعني من جهة وبخصوص الإسلام السياسي أني لم أفكر قط في تبيين مدى أحقية هذا الأخير في التنامي وربما في الاستمرار. فهذا ما أدحضه كنتيجة لبحوث عديدة سابقة. أما الهدف من الدراسة، من خلال إثبات الصلة بين صنفَي الفساد، فهو التوصل إلى إعادة الأمور المتعلقة بالفكر الإسلامي إلى نصابها أي إلى عقلانيتها. وهذا غير ممكن من دون التفكير في سبل ترويض الإسلام السياسي لكي يستعيد الإسلام وظائفه الطبيعية لدى الفرد وفي المجتمع.

 وأعني من جهة ثانية وموازية، وبخصوص الملف اللغوي _ وتبعا لنفس التصور ونفس المنهج_  أنه لم يكن لدي داعٍ للبحث عمّ إذا كانت اللغة فاسدة على غرار الظاهرة الإسلامية السياسية أم لا. ففساد اللغة هي المسلّمة الأخرى التي تقع على الطرف الآخر من المعادلة ولست مستعدا لتكرار نفسي بهذا الشأن. على العكس من ذلك كان الداعي هو رصد التفاعل الحاصل بين نوعَي الفساد حتى تبان الطريق إلى الحل.

سادسا: ماذا فعل الأستاذ بالكلاني إذن؟ لقد عاد بالقراء إلى مسَلمة الفساد اللغوي والعقدي موهما إياهم أنني اتخذتها كفرضية بحاجة إلى الإثبات. ثم بنى كل نصوصه النقدية على هذا الخطأ. فكان استنتاجه أني أخلط بين الفرضية والمسلمة بينما هو الذي يخلط بينهما. كان الناقد بالكيلاني لم يرصد الآليات التي توصلتُ بفضلها إلى تبيين وجود العلاقة بين الفسادين_ وهي المتجسدة في عامل التأثير والتأثر بين لغة (عربية) مستورِدة لعبارات أجنبية تقوم بترجمتها وبنقل دلالاتها الخطيرة إلى مجال الممارسة السياسية_  اعترى الأستاذ الناقد احتقان حرمه من المسك بناصية المنهج المستخدم. أما سبب هذا الانحراف عن القراءة الصحيحة فهو تشبث الناقد بمسلمته هو، التي لا أشك في أنها تتمثل في تبرئة الإسلام السياسي.

سابعا:  ذهب إلى ظن الأستاذ بالكيلاني أنّني في نهاية الدراسة لم أهتدِ إلى أية نتيجة. أليس المنهج وسيلة وغاية في ذات الوقت؟ أم أعلن عن ذلك من الوهلة الأولى؟ وحتى من حيث المضمون فقد ضربت مثالا على قابلية العرب للاستعمار عن طريق اللغة (وعلاقة الاستعمار اللغوي بالتعاطي الخاطئ مع الدين) وركزت على وقوع الثقافة العربية الإسلامية ضحية لقادة الرأي والسلوك في العالم وما ترتب عن ذلك من ضربات عدائية على بلدان عربية  إسلامية. ثم ذهت إلى تحسيس النخب العربية بضرورة أن تكون للأمة لغة سيدة نفسها وأنّ في سلامة اللغة سلامة التديّن ومنه سلامة الفكر الإسلامي وسلامة سياسة المسلمين. إن لم تكن هذه نتيجة، فما النتيجة؟

ثامنا: ربما يعود تورط الناقد بالكيلاني في الخلط بين مسلمة وفرضية ومن ثمة قذفي أنا بالخلط إلى كونه كان يتمنى لو بيّنت له كيف أنّ فكرة الإسلام السياسي فكرة فجة، و كيف فسدت اللغة، ومن ثمة ندخل في جدل عقيم كالذي كنا شاهدين عليه على امتداد عقود. فليس العيب عيبي إن لم أختر هذا الموضوع الذي قد يفضله الأستاذ. كان على السيد  بالكيلاني أن يكتفي بالإشارة إلى أنه لا يصح (حسب فكره) اتخاذ الفساد العقدي واللغوي مسلمة وإنما كان عليّ أن أطرح المسألة للنقاش من جديد. وهذا من حقه. لكن الذي خفي عن الأستاذ  هو أني تجاوزت مثل هذه الإثباتات الصبيانية والرتيبة. من هذا المنظور ليس من حق الأستاذ أن يستبدل موضوعا محسوما في أمره مكان موضوع أعتقد أنه يفتح آفاق جديدة للمسلمين لكي يخرجوا الإسلام من زنزانة التحزب الديني التي حبسه فيها بعض النخب التي راحت ضحية عوامل عديدة ليس هنا المجال للخوض فيها.

بالنهاية، لمّا فعل الأستاذ بالكيلاني ذلك الصنيع بدراسةٍ كان من المفترض أن ينقدها لا أن ينتقدها، كان الأثر أن حوّل الأستاذ وجهة البحث وطوّع فكرتي لميولاته الذاتية. وهذا ما حصل للأسف الشديد. فالأستاذ بالكيلاني لم ينجز نقدا بل قدّم عيّنة للقراء تجسّد كيف يحصل الركوب على دراسة لكاتب مستقل فكريا وسياسيا ابتغاء الدفاع عن موقف الشخص المنتقِد مع العلم أنه موقف لا أخاله يتسم بنفس الاسقلالية الضامنة للمصداقية العلمية.  

محمد الحمّار

 

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©