نصوص
ما بين عباس ونتنيايهو...
بقلم / د. محمد عطية عبد الرحيم ألقى السيد محمود عباس كلمة مقتضبة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة طالب فيها بتحديد مرجعيات العملية السلمية وطالب الأمم المتحدة فيها بعدم التعامل بمعاير مزدوجة بالقضية الفلسطينية وأشار إلى عدم تطبيق الكثير من القرارات التي صدرت عن الأمم المتحدة بشأن القضية الفلسطينية وعرج على مبادرة السلام العربية وخارطة الطريق والانقسام الفلسطيني – الفلسطيني والدور المصري في رأب الصدع وإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في موعدها الدستوري. الناظر في خطاب عباس عند مقارنته بخطاب "نتنيا
- 26 سبتمبر 2009
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
0
بقلم / د. محمد عطية عبد الرحيم ألقى السيد محمود عباس كلمة مقتضبة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة طالب فيها بتحديد مرجعيات العملية السلمية وطالب الأمم المتحدة فيها بعدم التعامل بمعاير مزدوجة بالقضية الفلسطينية وأشار إلى عدم تطبيق الكثير من القرارات التي صدرت عن الأمم المتحدة بشأن القضية الفلسطينية وعرج على مبادرة السلام العربية وخارطة الطريق والانقسام الفلسطيني – الفلسطيني والدور المصري في رأب الصدع وإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في موعدها الدستوري. الناظر في خطاب عباس عند مقارنته بخطاب "نتنيايهو" يدرك بسرعة الفرق بين الرجلين, كان عباس يقرأ من ورقة مكتوبة أمامه باللغة العربية وبرغم ذلك تكرر خطأه أما "نتنيايهو" فقد ارتجل كلمته وباللغة الانجليزية .. اللغة الأولى في العالم التي يفهمها الجميع ولم يخطأ الرجل برغم الارتجال وباستخدام لغة أجنبية. كان أمام "نتنيايهو" فرصة أن يستخدم لغته الأم العبرية ولكنه آثر أن يستخدم الانجليزية ليظهر للغرب أن "إسرائيل" جزء من الحضارة الغربية وفكرها وثقافتها وكثيراً ما رجع إلى التاريخ الأوربي والأمريكي وأشاد بالزعماء الأوربيين والأمريكيين وحاول أيضا نسج علاقة فكرية وحضارية متينة بين "إسرائيل" والغرب وتمسح ببطولات القادة الأوربيين وتاريخهم|. فالرجل حاول ونجح في جعل "إسرائيل" جزء من أوروبا وحضارتها وأمريكا وحضارتها وتاريخها واللعب على مشاعرهم وعواطفهم فكسب ودهم وأنشأ تحالفا فكريا معهم لا ينفصم. وكثيرا ما ذكرهم بآلام اليهود وأحضر معه محضراً سريا لاجتماعات النازي وخرائط لمعسكرات إبادة اليهود وشن حربا قاسية على إيران لإنكارها المحرقة فاق هجومه على النازيين. أراد "نتنيايهو" أن يكرس في ضمير الغرب بأن إنكار المحرقة جريمة ضد الإنسانية وبربرية لا تغتفر. كان هجوما عنيفا وكأن المسئول عن المحرقة من ينكر وجودها وحاول إنشاء تحالف ضد إيران يكون هو جزء منه وذكر بانجازات "إسرائيل" في المجال الزراعة وفي المجالات العلمية والتكنولوجية وقدم منجزاتها على أنها مشاركة في الفكر الإنساني ومساهمة منها في حل مشكلات العالم وعندما ذكر الحرب على غزة وضعها في سياق الحرب على الإرهاب وقدم هذه الحرب على أنها حرب دفاعية لأن السكان المدنين "الإسرائيليين" تعرضوا لجرائم حرب من الفلسطينيين وعندما ذكر قرار مجلس حقوق الإنسان بإدانة "إسرائيل" بارتكاب جرائم حرب ضد الفلسطينيين وارتكاب جرائم ضد الإنسانية قال بأنه لو تم تطبيق نفس المعاير لتمت محاكمة قادة أمريكيين وبريطانيين عظام؛ كان كلاما مبهراً ومؤثراً ومقنعاً لكل من سمعه من الفئة المستهدفة التي كان يخاطبها وهذه الفئة هم الأوربيون والأمريكيون وكل من يجهل القضية الفلسطينية. أما خطاب عباس فقد جاء مقتضباً وجافاً وكأنه محاضرة في جامعة ولم يحسن الرجل مخاطبة جماهير المستمعين من غير العرب والفلسطينيين ولم يركز على إنسانية القضية الفلسطينية ولا عدالتها ولم يظهر الفلسطينيين بصورة الضحايا وأغفل هذا الجانب تماما رغم أهميته ولم يبرز وثائق بعدد الشهداء الفلسطينيين الذين قتلتهم "إسرائيل" عبر الحروب المتكررة ولم يذكر عددهم ومعاناة عائلاتهم وأبنائهم ولم يذكر عدد المصابين والمعاقين والسجناء وعدد الذين قضوا زهرة شبابهم ولازالوا في السجون "الإسرائيلية". لقد غاب أيضا عن الخطاب كارثة النكبة وإبراز الوثائق بأن فلسطين هي أرض فلسطينية للفلسطينيين وكان يمكنه أن يبرز طابوا بيته في عكا مسقط رأسه وطابوا بيوت ألاف الفلسطينيين, ليظهر للعالم إنسانية وعدالة القضية ولم يذكر اللاجئين ولا عدالة قضيتهم ولم يركز كما فعل "نتنيايهو" على ارتباط الفلسطيني بأرضه وكأن هذه الأمور غير مهمة ولا تستحق الذكر. خلاصة القول بأن عباس فشل فشلاً ذريعاً في إثارة عواطف مستمعيه وهو فن إعلامي رائع يثير التعاطف الدولي مع القضية الفلسطينية بالتركيز على بعدها الإنساني وهذا يدل على أن الرجل ليس ملما بثقافة الغرب وتاريخهم وحضارتهم وطريقة تفكيرهم ونظرتهم للأمور وحتى إن كان يعلم بذلك فهو لم يستغله وهذا يدل على قصور في حشد التأيد والتعاطف مع الفلسطينيين وقضيتهم, لقد خاطب عباس العرب والفلسطينيين من منبر الأمم المتحدة ولم يخاطب الجمهور المهم وهو الشعوب الأوربية صاحبة الأثر والتأثير على السياسية الدولية ولم يخاطب الشعب الأمريكي ولم يربط بين كفاح الفلسطينيين للتحرر من الاستعمار "الإسرائيلي" وبين كفاح الشعب الأمريكي للتحرر من الاستعمار البريطاني ولم يقم رابطة بين تضحيات وكفاح الفلسطينيين وتضحيات وكفاح الشعب الأمريكي. عباس لم ينجح في تصوير المعاناة الفلسطينية كما ينبغي ولم يداني "نتنيايهو" في ذلك ولعل هذا هو أحد أهم الأسباب في فشلنا في الحصول على تعاطف الآخرين معانا ومع قضيتنا.