مأزق الحجاب في تونس.. بين عداوة زين العابدين ووعوده
بعد فوز بن علي وحصوله على نحو 90% من الأصوات، طرح المراقبون كثيرا من التساؤلات حول جدوى هذا الفوز للشعب التونسي الذي اختاره ، وهل سيفي بن علي بوعوده الانتخابية بتوسيع مساحة الحريات في بلاده؟ وهل سيكون الحجاب أول هذه الحريات وهل يلغي بن علي القانون رقم 108 الذي يمنع ارتداؤه؟. حيث بدت المخاوف تظهر
- 11 نوفمبر 2009
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
بعد فوز الرئيس التونسي زين العابدين بن علي رسميا بفترة رئاسية خامسة وحصوله على نحو 90% من الأصوات، طرح المراقبون كثيرا من التساؤلات حول جدوى هذا الفوز للشعب التونسي الذي اختاره ، وهل سيفي بن علي بوعوده الانتخابية بتوسيع مساحة الحريات في بلاده؟ وهل سيكون الحجاب أول هذه الحريات وهل يلغي بن علي القانون رقم 108 الذي يمنع ارتداؤه؟.
حيث بدت المخاوف تظهر من قبل الإسلاميين عقب الإعلان عن الفوز الذي كان متوقعا، خوفا من استمرار الرئيس في سياسته المؤيدة للغرب واتجاهه للعلمانية خاصة فيما يتعلق بموضوع "منع الحجاب" والعداء الشديد له.
في المقابل ، يدفع مؤيدو "بن علي" بأن البلاد شهدت في عهده نمو اقتصادي كبير انعكس علي المواطنين، وهو ما يفتقد إليه الكثير من المواطنين في الدول العربية، حيث يعانون في آن واحد من الفقر والقهر، وذلك وفقا لأحدث الإحصائيات الرسمية التي نشرت عام 2009.
حيث تضاعف دخل الفرد في تونس 4 مرات خلال فترة حكم بن علي ليبلغ الآن 5 آلاف دينار سنويا، في حين تقارب نسبة التعليم 99%، كما أن 80% من التونسيين يمتلكون مساكن خاصة بهم، فضلا عن النزول بنسبة الفقر إلى ما يقرب من 4%.
أول الغيث
واعترف وزير العدل وحقوق الإنسان التونسي بشير التكاري بحجب أجهزة الرقابة في بلده لموقع الجزيرة نت وأكد أن حجبه "مؤقت".
وقال وزير العدل إن "أي موقع يدعو إلى الإرهاب أو إلى الجرائم أو يثلب الناس دون بيان المصدر يقع تحديد المسؤوليات من واجب الدولة أن تحجبه مؤقتا إلى أن يتناسب مع مقتضيات القانون والآداب العامة في هذه الدولة".
وكانت "الجزيرة نت" قد أعلنت أن موقعها الإلكتروني حجب في تونس منذ يوم 25 أكتوبر أي في نفس اليوم الذي أجريت فيه الانتخابات الرئاسية والتشريعية التونسية.
وقد أرجع أحد المعلقين في الجزيرة نت سبب حجب الموقع في تونس إلى نشره تقرير عن كتاب حاكمة قرطاج الذي يفضح نفوذ عائلتي الطرابلسي والماطري والذي أصدره صحفيان فرنسيان في باريس أواخر أكتوبر الماضي.
فوز ساحق
كانت وزارة الداخلية قد أعلنت فوز الرئيس التونسي زين العابدين بن علي بنحو 89,62 % من الأصوات في الانتخابات الرئاسية ، وتشمل هذه النتائج 10 من الدوائر الانتخابية الـ 26 في البلاد حصل فيها بن علي على نتائج تراوحت بين 93,88% في المنستير على الساحل الشرقي و84,16 % في اريانة شمال العاصمة ، وحقق أفضل نتائجه بين الناخبين في الخارج 94,85% .
وجاء بعده محمد بوشيحة مرشح حزب الوحدة الشعبية على 5,01 % ومرشح الاتحاد الديمقراطي الوحدوي على 3,80 % ومرشح حركة التجديد على 1,57 %.
وفي الانتخابات التشريعية التي نظمت بالتوازي مع الرئاسية، فاز التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم ب161 مقعدا من مقاعد مجلس النواب الـ 214، وسيتوزع باقي المقاعد "53" على أحزاب المعارضة التي شاركت في الانتخابات وفق نظام النسبية.
المعارضة : لا نزاهة
وشككت المعارضة في نزاهة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية ، حيث قال أحمد نجيب الشابي مؤسس الحزب التقدمي الذي قاطع الانتخابات :" إن تونس لن تشهد أي تقدم"، معربا عن شكوكه في نزاهة الانتخابات.
وأضاف الشابي إن ما قامت به السلطات خلال الحملة الانتخابية يتنافى مع الشفافية، معتبرا أن أوضاع حقوق الإنسان في البلاد لن تتغير.
كما شكا بعض المعارضين والمستقلين من "تضييقات" عرقلت حملتهم الانتخابية في حين نددت السلطات التونسية بشدة بـ"المشككين" في نزاهة العملية الانتخابية.
كما أعلن المجلس الدستوري التونسي استبعاد المعارض البارز مصطفى بن جعفر الذي يرأس المنتدى الديمقراطي للعمل والحريات من خوض الانتخابات بزعم انه لم يستوف شروط الترشح، وهو ما نفاه بن جعفر الذي أكد أنَّه يرأس حزبه منذ أكثر من عامَيْن، وهو شرط ضروري لدخوله الانتخابات بموجب التعديلات الدستورية الأخيرة التي تمت في تونس.
منافسة صورية
ودخل المنافسة علي الانتخابات والتي وصفها مراقبون بأنها "منافسة صورية" ثلاثة منافسين اثنان منهما وهما محمد بوشيحة من الوحدة الشعبية واحمد الاينوبلي من الاتحاد الديمقراطي الوحدوي ، والثالث وهو احمد إبراهيم زعيم حركة التجديد العلمانية الذي قال انه لم يحصل على إذن للقيام بحملة بشكل فعال إلا قبل أسبوع من الانتخابات.
وجرت الانتخابات في ظل غياب أربع قوى معارضة رئيسية -أغلبها من اليسار والتيار الإسلامي- عن العملية الانتخابية التي يرونها "ديكورية" لا تهدف إلا لإضفاء شرعية على النظام التونسي" الذي يهيمن عليه الحزب الدستوري الديمقراطي الحاكم برئاسة زين العابدين بن علي.
وتأتي حركة النهضة الإسلامية "محظورة" على رأس قائمة الغائبين، يليها حزبا المؤتمر من أجل الجمهورية، وحزب العمال الشيوعي التونسي "غير معترف بهما"، وأخيرا الحزب الديمقراطي التقدمي.
التقرب للإسلاميين والشباب
وحرص زين العابدين قبيل الانتخابات علي التقرب إلي الشعب والي الإسلاميين ومحو تأثير الحملة التي قادها ضد الحجاب بالإعلان عن قبول الاعتراف بأحزاب يقودها إسلاميون إذا التزمت بالقانون وبالدستور، و الإعلان عن إنشاء أول مصرف إسلامي في تونس.
وهو ما فسره الخبراء علي انه مجرد حيلة لإلهاء الشعب عن علمانيته وشغل التيار الإسلامي بقضية الاعتراف بدلا من إعطائه فرصة الانخراط الجدي في العملية السياسية ، ووجده الإسلاميين محاولة لشق التيار الإسلامي من خلال التلويح بإمكانية الاعتراف بحزب ذي خلفية دينية يخضع لإشراف وزارة الداخلية مما يجعلها مجرد أحزاب صورية تخضع للسلطة.
كما أعاد فتح موقع التواصل الاجتماعي "الفيس بوك" أمام التونسيين وذلك بعدما حجبته إدارته في وسيلة للتقرب إلي الشباب .
سجل أسود
وقد أصدرت منظمة العفو الدولية بيانا قبل الانتخابات بيومين ، قالت فيه ان السلطات التونسية لم تف بما سبق ان وعدت به في شأن تحسين مستوى حقوق الإنسان في هذا البلد، وخصت بالذكر من يتم استعمال هذا القمع ضدهم:وهم التيار الإسلامي، والنقابات والحركات الاحتجاجية، والأحزاب السياسية التي قالت المنظمة إنَّها "إمَّا ممنوعة أو معرقلة بشكل أساسي.
وأكدت المنظمة ان المعارضة التونسية تتعرض إما ا لأعمال "رقابة خانقة" أو "عنف جسديّ مباشر"؛ بحسب بيان المنظمة.
ولم تقتصر هذه الانتهاكات على المعارضة التونسية، بل طالت وسائل الإعلام بما في ذلك وسائل الإعلام الأجنبية ، حيث ذكرت منظمة "مراسلون بلا حدود" عددا من الوقائع التي تؤكد عدم نزاهة الانتخابات منها ، عدم عدالة توزيع المساحات الإعلانية في الصحف بين المرشحين وبين الرئيس بن علي ، زيادة مساحات مواد الرأي التي تجامل الرئيس التونسي.
وانتقدت منظمة "هيومان رايتس ووتش" الأعمال القمعية والضوابط الصارمة التي تفرضها الحكومة التونسية على الانتخابات التونسية وقالت إن هذه الإجراءات ستؤدي إلى افتقار الانتخابات للحرية والنزاهة.
وقالت المنظمة في بيان لها انه رغم إعلان الرئيس التونسي زين العابدين بن علي في مستهل حملته الانتخابية أن حكومته ستعمل على تقديم جميع الضمانات لشفافية ونزاهة الانتخابات إلا أنَّ القوانين التي تمَّ تفصيلها خصيصًا لمنع شخصيات من أحزاب المعارضة خوض الانتخابات ستحول دون انتخابات نزيهة.
وذكر بيان المنظمة أيضا أن السلطات التونسية "لا تتقبل أي نقد خلال فترة الانتخابات، بشكل مختلف عما كان قبلها"، وقالت: "حتى لو كان التصويت نزيها يوم الانتخابات؛ فإن الانتخابات الرئاسية التونسية لن تكون حرة وشفافة ونزيهة، حتى تتوقف السلطات عن تكميم أفواه المعارضة والصحفيين.
كسب ود الغرب
ويري مراقبون أن الرئيس التونسي يحرص بكل الطرق التقرب إلي الغرب ويريد أن يعيد تونس إلي علمانيتها أيام الاحتلال الفرنسي ، ويقوم في سبيل ذلك بإزالة بعض الرموز الإسلامية منها أن تونس البلد العربي والمسلم الوحيد، في العالم الذي أعلن عن إلغاء موسم الحج هذا العام ، بزعم التحوط من وباء أنفلونزا الخنازير ، ومحاربة الحجاب الشرعي حيث تتعرَّض المحجبات إلى مضايقات من رجال الأمن، لدرجة أنَّ هناك حالات إكراه على خلع الحجاب في الشارع ، تغيير الإجازة الرسمية في البلاد إلى يوم الأحد بدلاً من الجمعة ، تحجيم شعائر صلاة الجمعة.
ويواجه الحجاب في تونس الكثير من المشكلات بدأها الرئيس السابق الحبيب بورقيبة وسار علي نهجه زين العابدين تحت دعاوى مختلفة، لتأخذ الحرب علي الحجاب في تونس شكلا موازيا للحرب المعلنة عليه في الغرب والذي بدأت بقانونٍ فرنسي يحظر ارتداؤه في المدارس والمؤسسات الحكومية.
ويعتبر ارتداء الحجاب محظور في تونس بحكم القانون رقم 108 الذي صدر في عام 1981 في عهد الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة، الذي اعتبر الحجاب "زيا طائفيا" وليس فريضة دينية، ودعا لمنعه خاصة في الجامعات ومعاهد التعليم الثانوي .
وبدأ التشديد فعليا بعد الانقلاب الذي قام به الرئيس زين العابدين بن علي ووصوله إلى الحكم، فتم التشديد على منع المحجبات من دخول الجامعات والإدارات الحكومية مع بداية تسعينيات القرن العشرين الميلادي الماضي.
واحتدم الجدل في تونس خلال عام 2006 م بشكل لا يسبقه مثيل حول ظاهرة عودة الحجاب بقوة إلى الشارع التونسي بعد تأكيدات حكومية على رفض هذا اللباس "لأنه ينال من المكاسب التي تحققت للمرأة التونسية".
حيث دعا الرئيس التونسي الحالي زين العابدين بن علي إلى تكريس قيمة الاحتشام وفضيلة "الحياء" في اللباس رافضا "الزى الطائفي الدخيل" كما أطلق عليه.
منافسة احادية
ويفسر لنا الدكتور رفعت حسين الباحث المتخصص في الشأن البرلماني العربي أسباب هذا الفوز فيرجعه إلي أن المنافسة كانت شبه معدومة في ظل غياب المعارضة وعلي رأسها حركة النهضة الإسلامية فلا يعقل أن تكون هناك انتخابات لا تشارك فيها القوي الثانية في البلد فيمكننا القول أن الانتخابات كانت أحادية.
ويضيف أن التعديلات الدستورية التي تمت في يوليو من العام الماضي كانت تمهد لهذا الفوز حيث تشترط أن يكون المترشح للانتخابات الرئاسية رئيس حزب منتخبا وألا تقل المدة التي قضاها في المنصب عن سنتين متتاليتين منذ انتخابه، حيث إن هذه الشروط تبدو وقد تمت صياغتها لتناسب الرئيس التونسي وحده وتقلل المنافسة التي سيواجهها أو بمعني أدق تحدد من سيترشح.
ويشير إلي أن المفارقة تأتي حينما عارض خمس نواب فقط من أصل أعضاء البرلمان، البالغ عددهم 189 نائبا، وهو ما وجه بالاعتراض الشديد من قبل المعارضة التي وجدت في هذا التعديل تحجيم لقدرتها علي المشاركة وأنها تفتح الباب لان يبقي بن علي في السلطة إلى ما لا نهاية.
ويوضح انه رغم ذلك فالرئيس التونسي نجح تنمويا ، فبالمعايير الاقتصادية يعتبر الاقتصاد التونسي الآن من أكثر اقتصاد تنافسي في أفريقيا ورقم 36 على العالم ، أما إذا تحدثت عن الحريات السياسية، فإن تونس تأتي في ذيل قائمة الدول العربية والإفريقية، حيث الرقابة علي المواقع والصحف حتى وصلت إلي منع الفيس بوك.
وعن قضية الحجاب ، فيري الدكتور رفعت انه لن يكون هناك أي جديد فيها فقد فاز والكل يعلم موقفه منه ، بل قد يزداد الأمر سوءا ، مشيرا الي ان قضية الحجاب ليست جديدة في عهد الرئيس زين العابدين بل هي منذ الرئيس بورقيبة