ليلتان من الأرق والسهاد
صـابر التونسي ليلتان اشتد فيهما أرقي وطال فيهما سهادى ، فما أقسى ليل الآرقين وأطوله! ... وكيف لا يأرق ويصاب بالرعب من علم أن "خيار بلده للحاضر والمستقبل"* معرض بقاءه لنزوات الناخبين! ... الذين قد يذهب بهم الطيش والإقتداء المذموم بالغرب إلى تغليب الهوى على المصلحة! ... ليلتان لم تذق فيهما عيناي طعم نوم، ليلة سبقت الانتخابت وليلتة لحقتها قبل التصريح بالنتائج! لم يُعجبنا أن يضع زعيمنا المحبوب قلوبنا على أكفّ العفاريت وقرون الثيران، ويَقبل المغامرة والمجازفة ويُعَرِّض إمكانية بقائه "في خدمتنا والقيا
- 28 أكتوبر 2009
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
صـابر التونسي
ليلتان اشتد فيهما أرقي وطال فيهما سهادى ، فما أقسى ليل الآرقين وأطوله! ... وكيف لا يأرق ويصاب بالرعب من علم أن "خيار بلده للحاضر والمستقبل"* معرض بقاءه لنزوات الناخبين!
... الذين قد يذهب بهم الطيش والإقتداء المذموم بالغرب إلى تغليب الهوى على المصلحة! ...
ليلتان لم تذق فيهما عيناي طعم نوم، ليلة سبقت الانتخابت وليلتة لحقتها قبل التصريح بالنتائج!
لم يُعجبنا أن يضع زعيمنا المحبوب قلوبنا على أكفّ العفاريت وقرون الثيران، ويَقبل المغامرة والمجازفة ويُعَرِّض إمكانية بقائه "في خدمتنا والقيام على شؤوننا" إلى نزوات الطائشين والحاقدين! ..
ولكن الله سلّم ، لما علم صدق نيته في إرساء الديمقراطية التى أصبح يطالب بها من هبّ أو دبّ، ويَدّعي كثيرون بها وصلا وهي لا تقر لهم بذاك! ...
فأنّى لها أن تقرَّ؟ وجلهم أو كلهم قد ولدته الدكتاتورية! ...
وربته في حضن الحزب الواحد! ...
وألقمته ثدي المؤسسة العسكرية وغذته "بالتعليمات" وعلمته في مدرسة "نموت نموت ويحيا الزعيم"! ...
وصقلت مواهبه على مبادئ الزعيم الملهم والقائد المفدى! ...
وثقفته بثقافة "ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد"!
خشينا أن تُقلب الطاوِلَةُ على من حولها، فنجد أنفسنا أمام "جديد" مجهول! ...
وقد ألِفْنَا "جديدنا" القديم وأِلفَنَا! ...
وعرفناه وعرفنا! ...
عرفنا أن لا مجد لنا ولا رقي ولا تقدم من غيره، فعضضنا عليه بالنواجذ وتعلقنا بأهدابه!
وناشدناه مناشدة الصغير للكبير، ألا يتركنا كالأيتام على مآدب اللئام! ...
وأن لا يترك بلدنا كالقارب بدون ربان تتقاذفه الأمواج وترطمه على الصخور فتحطمه!
ما الديمقراطية؟ ... ما الدستور؟ ... ما القوانين؟ إن لم تكن جميعها طيعة لينة في خدمة الشعوب والزعماء؟ ...
هل وُجدت هذه النظم والقوانين لتحررنا أم لتكبلنا؟!ّ ... مصلحتنا ومصلحة بلدنا في بقائه واستمراره! ... حتى الممات، بعد عمر طويل!
ذلك الحب الشعبي والإلتفاف حول الزعيم وبرامجه وخياراته، هو ما دفعه للإصرارعلى البقاء في خدمته والتفاني في إسعاده والبذل من وقته وصحته ومواعيد نقاهته وعلاجه، دون أن يبالي! ..
مع ذلك قد أصر أن يقول الشعب كلمته ويجدد تمسكه به عبر صناديق الإقتراع، بكل حرية ونزاهة وشفافية! ... وبشهادات دولية!
إذا كانت نفوس الزعماء عظام غيرت الدساتير والقوانين وأتعبت الشعوب في فهم مرادها! ...
ذلك عين ما حصل معي من التعب، فقد بت ليلتين أتقلب من جنب إلى جنب خوفا من المفاجآت غير السارة! ... أو الإحتمالات غير الواردة!
ورغم حمدي لله على أن الكابوس قد مر بسلام وأن "تونس" قد فازت بزعيمها من جديد وأنني مقبل على نوم طويل بعد فراغي من التعبير عما انتابني في الليلتين المنصرمتين! ..
ولكن حالة اكتئاب مستمر بدأت تجد طريقها إلى قلبي، لأن نسبة الفوز هذه المرة قد نزلت عن التسعين بالمائة! وهو مؤشر مخيف! ...
كما أنني كلما ذكرت أن السنوات الخمسة المقبلة ستمر كالحلم وكما مرت قبلها إثنان وعشرون سنة! ...
لنجد أنفسنا من جديد أمام عقبة دستورية تمنع ترشح الزعيم بعد أن زاد سنه عن الخمسة والسبعين! وهو السن الأقصى للسماح بالترشح! ...
فما أرذلها من حالة وما أسوأها من دوامة!!
يحيا الزعيم إلى أبد الآبدين ويسقط الدستور إلى أسفل السافلين!
* شعار التجديد لبن علي