نصوص

لماذا ينهار اقتصاد العالم.. هل الأرض فقيرة..؟ (جزء 3)

عنوان حلقة اليوم: من أين أتى الخراب الشّامل؟ بسم الله الرّحمان الرّحيم.. ما أعجب أمرها، الرّأسمالية..! لقد أصبحت كثعلب انكشف يجري مذعورا في مفازة، وقد تهالت عليه طلقات النّار من كلّ جانب.. و لكن لا الثّعلب سقط و لا البنادق صمتت..! في الحلقة الفارطة من هذا البحث قلت لكم إنّ الخبير الاقتصادي الدّكتور (إيلي يشوعي) تطرّق إلى موضوع الأخلاق في المشكلة الإقتصادية، حتّى قلت لكم إنّني ارتميت على الخيط الّذي أبحث عنه لتبليغ ما عندي ولأكشف لكم عمّا يساورني في هذه المعضلة.. و لن أغرق في التّفسيرات التّقنية

0
27 أبريل 2014
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

 

 عنوان حلقة اليوم: من أين أتى الخراب الشّامل؟

 

بسم الله الرّحمان الرّحيم..
ما أعجب أمرها، الرّأسمالية..! لقد أصبحت كثعلب انكشف يجري مذعورا في مفازة، وقد تهالت عليه طلقات النّار من كلّ جانب.. و لكن لا الثّعلب سقط و لا البنادق صمتت..!

في الحلقة الفارطة من هذا البحث قلت لكم إنّ الخبير الاقتصادي الدّكتور (إيلي يشوعي) تطرّق إلى موضوع الأخلاق في المشكلة الإقتصادية، حتّى قلت لكم إنّني ارتميت على الخيط الّذي أبحث عنه لتبليغ ما عندي ولأكشف لكم عمّا يساورني في هذه المعضلة.. و لن أغرق في التّفسيرات التّقنية والمشكلات الفنّية وتعثّر التّطبيقات المختلفة لساسة الاقتصاد الكوني، فهذا يناقشه خبراء الإقتصاد و المال.. لكنّني سأبقى مركّزا كما قلت على تحذيرات وتنبيهات بعض الخبراء الّذين يدقّون نواقيس الخطر على الجانب الأخلاقي في دورة اقتصاد النّاس..

قلت لكم إنّ الخبير الاقتصادي (إيلي يشوعي) يقول: "الذي يزعجني، باعتباري اقتصادياً، أن كل رجل اقتصاد ينبغي أن يتمتّع بالحصانة الأخلاقية، وأن يكون ملماً بالمواضيع الاقتصادية المالية.." إلى آخر كلامه...

ولكن ليس هو فقط تأسّف على غياب الأخلاق من الرّأسمالية.. فـ"آدم سميث" أستاذ علم الأخلاق وصاحب أبرز النّظريات الاقتصادية الرأسمالية يقول في كتابه ”نظرية الوجدان الأخلاقي“: ”ينبغي على الرّجل أن ينظر إلى نفسه على أنه مواطن في هذا العالم وعضو في جمهورية الطبيعة وليس فردا مستقلا ومنفصلا عن العالم، ومن أجل مصلحة هذا العالم الكبير ينبغي عليه طوعا أن يضحي بمصلحته الشّخصية الصّغيرة في كل الأوقات“... إنتهى كلام آدم سميث وأنا أقول له: رغم صحّة كلامك إلاّ أنّك تهذي في أدغال غابة الرّأسمالية يا سي آدم..!

ويقول "أندريه كونت سبونفيل" وهو يقيّم تمييزا بين الاقتصاد و الأخلاق، ثمّ يربطهما ببعضهما: يقول: ”فقط لأن الاقتصاد ليس شخصا حتّى تكون له أخلاق نحن الّذين يتعين علينا أن نكون أخلاقيين..“

بل سمعنا أيضا "ساركوزي" الرئيس السّابق لفرنسا أحد الأقطاب الخمسة في الإقتصاد العالمي يدعو إلى أخْلقة الإقتصاد العالمي و إضفاء القِيَم عليه... حيث يقول: لقد حان الوقت لجعل الرأسمالية أخلاقية بتوجيهها إلى وظيفتها الصّحيحة، و هي خدمة قوى التّنمية الاقتصادية و قوى الإنتاج، و الابتعاد تماما عن القوى المضاربة...

وغير هؤلاء كثير، يردّون الأزمة إلى غياب الأخلاق في تدوير عجلة الاقتصاد.. وينعتون بأصابع الإدانة الرّأسمالية النفعيّة (utilitarianism ) الّتي هي نفسها لم تستقرّ على حال بين المدارس المختلفة وحدث لها ما حدث لـ "سروال عبد الرّحمان" في القصّة المعروفة شعبيا عندنا، وذلك من الإقتصادي "كينز" و من تبعه إلى "فريدمان" ومن اقتفى أثره إلى أيّامنا هذه..

وأنا يتبادر على ذهني شيء، وهو أنّ الدّاعين إلى ربط الأخلاق بالإقتصاد، أنّهم يتطلّعون إلى رؤية نخبة اقتصادية متخلّقة في حدّ ذواتها وفي سيرها تنفّذ اقتصادا ذي تطبيقات أخلاقية تقود العالم إلى نظام آمن..

فلو تأمّلنا إلى معظم الاقتصاديين وأصحاب رؤوس المال الّذين يقودون العالم اليوم لوجدناهم هم أسوأ النّاس خُلُقا وسِيَرًا.. وأكثر النّاس تعدّ على القوانين.. كلّ القوانين حتّى البسيطة منها، مثل قوانين المرور.. فالميلياردير الفرنسي "جيرارد ديبارديو" الّذي فرّ بثروته إلى روسيا منذ شهور كان لا يملك رخصة سياقة حيث ضيعها إلى الأبد بسبب تهوّره في الطّرقات وتعدّيه على قوانين السّير.. وكم من مرّة يبول على كرسيه داخل الطّائرة بعد إقلاعها، من كثرة شربه الكحول، فيجبرها على العودة والنّزول لتنظيفها، ويتسبّب في تأخيرها..

والمستثمرون الّذين يصنعون السّجائر في العالم، قطعا لا يؤمنون بشيء إسمه أخلاق، فهم يقتلون كلّ سنة حوالي (ستّة ملايين) بشر وسيبلغ ضحاياهم سنة 2030 (ثمانية ملايين).. ويقبضون مقابل ذلك المليارات يضعونها في جيوبهم.. وآخرين يصنعون فيروسات تفتك بالبشرية ويطلقونها على النّاس بعد أن يصنعوا لها لقاحات كما فعل الإقتصادي الوزير "رامسفيلد" في فضيحته المشهورة... وصنّاع الأسلحة الفتّاكة بالبشرية وتجّارها هم أيضا إقتصاديون لا يعرفون أخلاقا... وغيرهم كثير..

إنّنا أمام عصابة عالمية ممسكة بالمال وما تبعه، لا أخلاق لها بتاتا، تعبث بالأرض ومن عليها..

من هنا نفهم أنّ الدّاعين إلى استدعاء الأخلاق والقيَم العليا في الدّورة الإقتصادية لأهل الأرض هم لا شكّ على حقّ، ودعوتهم جادّة، وأكيدة وخصوصا هم خبراء ومفكّرين وأكثر إطّلاع على ما يدور في الكواليس العالية.. بل وهناك من ذهبوا في التّفاصيل أبعد وأعمق، ودعَوْا مديري إقتصاد العالم إلى تطبيقات إقتصادية أخرى غير الّتي تعتمد عليها الرأسمالية اليوم، دعوا إلى تطبيقات لا توجد إلاّ في دين الإسلام وقالوا إنّها هي الأكفل لنزع فتيل الكوارث من العالم الّذي يغلي ويهوي..

وكم من مرّة استشهدتّ بمقولات لخبراء تحدّثوا بصراحة ووضوح عن حاجة العالم للأخذ بالتّطبيقات الإقتصادية الإسلامية من ذلك الخبير "بوفيس فانسون" رئيس تحرير المجلّة الإقتصادية "تشالنجر " الّذي كتب في السّنوات القليلة الماضية موضوعا في افتتاحيتها بعنوان "البابا أو القرآن" أثار موجة عارمة من الجدل وردود الأفعال في الأوساط الاقتصادية، و أدان في مقاله لا أخلاقية الرأسمالية..!

وأدان أيضا سكوت الكنيسة و تكريس منزع اقتصاد الغاب والتساهل في تبرير الفائدة، مشيرا إلى أن هذا السلوك الاقتصادي السيئ أودى بالبشرية إلى الهاوية.. وقال موجّها خطابه لبابا الفاتيكان: "أظن أننا بحاجة أكثر في هذه الأزمة إلى قراءة القرآن بدلا من الإنجيل لفهم ما يحدث بنا وبمصارفنا لأنه لو حاول القائمون على مصارفنا احترام ما ورد في القرآن من تعاليم وأحكام وطبّقوها ما حلّ بنا ما حلّ من كوارث وأزمات وما وصل بنا الحال إلى هذا الوضع المزري؛ لأن النقود لا تلد نقودا، وإنّما تحدث مشاريع حقيقية والمشاريع تأتي بالنّقود وتحدث تنمية ".

وبوضوح وجرأة مماثلة طالب خبير اقتصادي آخر إسمه "رولاند لاسكين" بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في المجال المالي والاقتصادي لوضع حد للأزمات التي تهز أسواق العالم من جراء التلاعب بقواعد التعامل والإفراط في المضاربات الوهمية غير المشروعة. وأشار "لاسكين" في مقال بعنوان: "هل تأهلت وول ستريت لاعتناق مبادئ الشّريعة الإسلامية؟"، إلى المخاطر التي تحدق بالرأسمالية الّتي لا أخلاق لها، وضرورة الإسراع بالبحث عن خيارات بديلة لإنقاذ الوضع، وقدم سلسلة من المقترحات في مقدمتها تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية الأخلاقية برغم تعارضها مع تقاليد الغرب وعلمنته..

أمّا الباحثة الإيطالية "لووريتا نابليوني" فقد أصدرت كتابا عنوانه "اقتصاد ابن آوى" أشارت فيه إلى أهمية التمويل الإسلامي ودوره في إنقاذ الاقتصاد الغربي، واعتبرت أن "مسئولية تهرّي الاقتصاد العالمي ناتج عن المضاربات التي تتحكم بالسوق و الفساد المستشري وغياب الأخلاق في اقتصاد العالم...

مقالتي انتهت وقد قسمتها إلى ثلاث حلقات محاولة منّي لإثارة الموضوع و لمزيد من فهم هذه المعضلة الاقتصادية الكارثية الّتي تعصف بالعالم يُنصح قراءة كتاب الإقتصاد والأخلاق للدكتور رفيق يونس المصري الصّادر عن مركز أبحاث الإقتصاد الإسلامي وكذلك كتاب "دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الاسلامي" للدّكتور العلاّمة يوسف القرضاوي أمدّ الله في أنفاسه.. والسّلام عليكم ورحمة الله... مخلوف بريكي

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©