لماذا استقال الرائد " وليد السهيلي " من الأمن الرئاسي لقصر قرطاج؟
حاوره في مدينة نيس / الطاهر العبيدي taharlabidi13@gmail.com ما تزال العديد من الحقائق الخفية تحيط بما وقع في قصر قرطاج يوم 14 جانفي 2011، أثناء فرار الرئيس بن علي المخلوع من طرف الجماهير. وما تزال الكثير من الأسئلة تحوم حول ما جرى في هذا القصر، المرتبط في الذهنية الشعبية بإنتاج الخوف والرعب سنوات القهر، والمثير للجدل بحكم تواريه عن الأنظار، والذي يعتبر الصندوق الأسود الذي لم يبح بعد بكل أسراره حول كيفية فرار بن علي، وحالة الفراغ والاضطراب، التي سادت المكان في ذاك اليوم التاريخي، والدور الإداري و
- 23 مارس 2014
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
حاوره في مدينة نيس / الطاهر العبيدي
ما تزال العديد من الحقائق الخفية تحيط بما وقع في قصر قرطاج يوم 14 جانفي 2011، أثناء فرار الرئيس بن علي المخلوع من طرف الجماهير. وما تزال الكثير من الأسئلة تحوم حول ما جرى في هذا القصر، المرتبط في الذهنية الشعبية بإنتاج الخوف والرعب سنوات القهر، والمثير للجدل بحكم تواريه عن الأنظار، والذي يعتبر الصندوق الأسود الذي لم يبح بعد بكل أسراره حول كيفية فرار بن علي، وحالة الفراغ والاضطراب، التي سادت المكان في ذاك اليوم التاريخي، والدور الإداري والتقني للأمن الرئاسي.. لكل هذه الايضاحات وغيرها، استضفنا هنا الرائد السابق للأمن الرئاسي
"وليد السهيلي "، الذي لم يبخل علينا مشكورا جدا في إجابتنا لاستجلاء
بعض مناطق الظل، وإزالة القليل من الغموض، حول ما كانت عليه أوضاع قصر قرطاج يوم 14 جانفي 2011، لتكون هذه الاعترافات وجهة نظر محاورنا ضمن المعطيات المهنية المعاشة، ووفق ارتباطه الأدبي والأخلاقي بالمحافظة على قدسية أسرار المؤسسة، التي ارتبط بها مهنيا، ولا يزال منتميا لها وجدانيا.. ويبقى التثبت والتدقيق والتمحيص في مثل هذه الوقائع من مهمات المؤرخين المحايدين.
كنت ضابطا ساميا برتبة رائد في الأمن الرئاسي بقصر قرطاج، وقد عايشت فترة هروب بن على سنة 2011 على إثر الثورة الشعبية التونسية، فلو تطلعنا على الأجواء التي سادت القصر في ذلك اليوم، وما هي المواقف التي شدّت انتباهك قبل غيرها، وهل كنتم واعون بحجم الغضب الجماهيري ضد السلطة المنهارة؟
في البداية اسمحوا لي بأن أهنأك وأهنأ نفسي وأهنأ الشعب التونسي على نجاح ثورته ونترحّم على شهداء تونس وأشدّ على أيادي جرحى هذه الثورة المباركة المجيدة. لقد ساهم أفراد الأمن الرئاسي، أعوانا وإطارات في تتويج هذه الثورة بالضغط على السلطة في تلك الفترة من خلال تهويل المعلومات الاستخباراتية المقدمة حول خطورة الوضع وما يشكله من تهديد على حياة الرئيس السابق وعائلته (الوضع بشارع الحبيب بورقيبة، تجمعات بسيدي بوسعيد والكرم يخططون لاقتحام القصر الرئاسي بقرطاج ومقر سيدي الظريف). كما ساهم الأمن الرئاسي في إجبار الرئيس السابق على الفرار ودفعه للسفر إلى جانب عائلته (إجباره على الصعود الى الطائرة الرئاسية) وأخيرا من خلال المساهمة في سدّ الشغور الذي كان سيحصل والذي لولاه لما انساقت البلاد في موجة من الاضطرابات كانت ستؤدي حتما الى حمام دم. لقد كان شعار أعوان وإطارات الإدارة العامة لأمن رئيس الدولة والشخصيات الرسمية "تحيا تونس" وتبلور ذلك من خلال بثه عبر الأجهزة اللاسلكية والحمد لله أن حملة التخوين التي تعمّد البعض بثّها لم تؤثر على معنوياتنا وتبين لاحقا أن الأمن الرئاسي هو أمن جمهوري لا يخدم أشخاصا وإنما يسهر على حماية مؤسسات الدولة وضمان استمراريتها باعتبار أن الأشخاص تزول أما المؤسسات فهي ثابتة. لقد كنا واعون بحجم الغضب الجماهيري ضدّ السلطة المنهارة لأننا وقبل كل شيء مواطنون أبناء هذا الوطن العزيز من الشعب وإلى الشعب على عكس التصور السائد قبل 14 جانفي وكل المؤشرات كانت تدلّ على أن أيام الرئيس السابق على رأس السلطة أصبحت معدودة.
هل كنتم تتوقعون انهيار النظام السياسي في ذلك اليوم، لتجدوا أنفسكم تؤمّنون قصرا فارغا اختفى منه صاحبه بطريقة غامضة، وهل أدّى ذلك إلى حالة من الفوضى والاضطراب، وكيف كانت طبيعة الأخبار التي تتلقونها حول المشهد في الشارع ؟
اسمحوا لي سيدي أن أبين لكم أن مهام الإدارة العامة لأمن رئيس الدولة والشخصيات الرسمية لا تقتصر على حماية القصر الرئاسي بقرطاج فحسب وإنما تشمل العديد من المؤسسات على غرار مقر رئاسة الحكومة ومجلس النواب في تلك الفترة. ثم إن القصر الرئاسي هو قصر رئيس الجمهورية وليس قصر شخص الرئيس السابق والدليل على ذلك أن الرئيس الحالي يقطنه ويعمل فيه. وبالتالي فإن حمايته هي حماية مؤسسات الدولة بقطع النظر عن الأشخاص. لقد ساد القصر الرئاسي جوّا من الغموض يوم 14 جانفي سرعان ما تلاشى بعد الأخذ بزمام الأمور من طرف الإطارات العليا للإدارة العامة حيث تمّ تجميع الأعوان والإطارات للرفع من معنوياتهم وإبراز دورهم في هذه الفترة الحساسة وتقسيم المهام لضمان تأمين المقرات الرئاسية من جهة وسدّ الشغور الدستوري من جهة أخرى. إنها لحظات مؤثرة جدا نظرا لتجاوب الجميع للعمل من أجل تونس. كنا متأكدين أنه بمجرد هروب الرئيس السابق وسدّ الشغور سيتحوّل المشهد في الشارع من حالة غضب وغليان إلى حالة من الفرح.
ما طبيعة الأوامر التي كنتم تتلقونها ومن أي جهة وإلى من آل القرار بعد حالة الفراغ وما صحّة ما روي عن واقع الهلع الذي ساد القصر الرئاسي والذعر الذي أصاب عائلة بن على قبل فراره؟
بالنسبة لطبيعة الأوامر المتلقاة فقد اتسمت كعادتها بالهرمية تحت قيادة المدير العام السابق، ولكن بعد فرار الرئيس بن علي أصبحت الأوامر مسداة من القيادات العليا المنضوية مباشرة تحت المدير العام المذكور، بع أن استحال التواصل معه باعتباره في حالة إيقاف. وقد ساد جوّ من الهلع نتيجة الغموض لكن سرعان ما تلاشى بعد الأخذ بزمام الأمور من طرف الإطارات العليا. مع الاشارة ورفعا لكل التباس أن مؤسسة الأمن الرئاسي هي مؤسسة تقنية بحته، ليست لها أي علاقة سواء ادارية او فنية بوزارة الداخلة، وأؤكد أنها تحض باستقلالية تامة عن الجهاز الأمني لوزارة الداخلية.
بالنسبة لحالة الذعر التي انتابت عائلة الرئيس السابق، فقد تناهى إلى مسامعي أنه كان في حالة نفسية متوترة جدّا، علاوة على اضطراب زوجته لخطورة الموقف.
مَنْ مِنَ الوحدات التي أمّنت رحلة الهارب إلى مطار العوينة، وهل كنت ضمن المرافقين وما حقيقة ما روي عن عملية المطار التي تمّ فيها إيقاف بعض اقرباء بن علي من طرف فرقة يقودها زميلك " سمير الطرهوني " وقد أثارت هذه الحادثة الكثير من الجدل؟
بالنسبة للركب الذي رافق الرئيس السابق وعائلته إلى مطار العوينة فقد كان تحت قيادة المدير العام السابق " علي السرياطي " رفقة عدد من الأعوان شأنه شأن أي تنقل رسمي وشخصيا لم أكن ضمن المرافقين، حيث كنت إلى جانب الإطارات العليا التي أمّنت سلامة القصر الرئاسي، وساهمت في سدّ الشغور الدستوري بالبلاد.
وأعتبر شخصيا أن ما أقدم عليه العقيد " سمير الطرهوني " وفرقته بمطار تونس قرطاج عملا بطوليا وشجاعا يحسب له نظرا لاتسامه بالجرأة .حيث قام فعلا بإيقاف عدد من أفراد عائلة الطرابلسي، بينما لم يزل الرئيس السابق على التراب التونسي، وبالتالي فقد تضامن مع إرادة الشعب.
كنت ضمن فريق الأمن الرئاسي للمخلوع، وبعد الثورة واصلت نفس المهمة لتأمين سلامة الرئيس المرزوقي، فما الذي تغيّر بين العهدين، وما هو الفرق من حيث شكل التعامل وظروف الشغل؟
أعتبر شخصيا أن مهام وأدوار الأمن الرئاسي في مبادئها الأساسية بقيت كسالف عهدها ثابتة لم تتغير، باعتبارها تتجاوز الأشخاص لتشمل صفة رئيس الدولة والشخصيات الرسمية، إلا أنها تتأقلم حسب خصوصيات المرحلة, وأعني بذلك أن هذه المرحلة تتسم بالخطورة نظرا لتنامي ظاهرة الإرهاب والعنف، الذي تنامى بعد الثورة علاوة على تقلص حجم وصورة رئيس الجمهورية. إضافة إلى ذلك فإن الزيارات الرسمية التي يقوم بها الرئيس الحالي تكاثرت وتنوعت واتسمت بالفجئية لا سيما خلال الفترة الأولى من توليه الرئاسة. كل ذلك أثر على التحضير الميداني لتنقلات الرئيس المرزوقي، ولكن حقيقة تقال وهي أننا نعمل في ظروف تتسم بأريحية نسبية مقارنة بالماضي، هذا الى جانب التفاعل الإيجابي بين المحيطين بالرئيس المرزوقي و أفراد الأمن الرئاسي.
ما حقيقة سبب استقالتك سنة 2013 رغم أنك كنت في موقع مهني متقدم، ومرشح للحصول على رتبة مقدم في الأمن الرئاسي وهل ما زلت على تواصل بعد الاستقالة مع زملائك والإدارة ؟
هي في الحقيقة ليست استقالة بالمعنى المتعارف عليه ،وإنما طلبت من المدير العام السابق تمكيني من إحالة على عدم المباشرة للالتحاق بعائلتي المقيمة بالخارج، وخاصة لزيارة ابنتي المريضة، إلا أنني فوجئت بنقلتي إلى وزارة الداخلية من قبله، الأمر الذي رفضته رفضا باتا حيث غادرت تراب الجمهورية ووقع بعدها عزلي عن العمل. علاقتي بزملائي في العمل بقيت جيدة ولازلت أتواصل معهم لأنه تربطني وإياهم علاقات إنسانية جيدة، كما أحظى باحترام الجميع أعوانا وإطارات، ولا تفوتني هذه المناسبة لأتقدم لهم بجزيل الشكر والتقدير.
هل هناك حادثة جلبت انتباهك وما زلت تحتفظ بها في الذاكرة إبان تأمينك للمخلوع، وكيف كانت تصرفات زوجته التي يقال عنها أنها سليطة اللسان وعصبية المزاج؟
تبقى أحداث 14 جانفي وما سبقها من تطورات من أبرز اللحظات التي عايشتها طيلة فترة عملي بالإدارة العامة لأمن رئيس الدولة والشخصيات الرسمية. أما عن زوجة الرئيس السابق فلم أتعامل معها، ولكن يقال أنها متجبّرة ولا تكنّ احتراما للأمن بصفة عامة وللأمن الرئاسي بصفة خاصة.