لماذا اختار الإلحاد والتطرف خوض معاركهم على أرض تونس؟
لماذا اختار الإلحاد والتطرف خوض معاركهم على أرض تونس؟ إذا تحدثنا عن التفسخ والاستهتار بالثوابت والتقاليد والأخلاق فإننا نفعل ذلك باستغراب كبير لأن هذه البلاد عرفت من الرقي والسمو ما افتقده غيرها وتتابعت عليها مدارس الإصلاح والفكر وأشبعت بالتدين السمح البناء المستقر المتواصل والغير متأرجح الذي يتعامل مع هذا الدين العظيم كباقة خلابة تجلب الأمم والشعوب وتشد الناس إليها شدا . مرت أجيال من على هذه الأرض الطيبة التي احتضنت المسلم واليهودي واللاديني ، ولم نسمع ولا عثرنا في صفحات التاريخ على من يصعد الم
- 17 فبراير 2014
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
لماذا اختار الإلحاد والتطرف خوض معاركهم على أرض تونس؟
إذا تحدثنا عن التفسخ والاستهتار بالثوابت والتقاليد والأخلاق فإننا نفعل ذلك باستغراب كبير لأن هذه البلاد عرفت من الرقي والسمو ما افتقده غيرها وتتابعت عليها مدارس الإصلاح والفكر وأشبعت بالتدين السمح البناء المستقر المتواصل والغير متأرجح الذي يتعامل مع هذا الدين العظيم كباقة خلابة تجلب الأمم والشعوب وتشد الناس إليها شدا .
مرت أجيال من على هذه الأرض الطيبة التي احتضنت المسلم واليهودي واللاديني ، ولم نسمع ولا عثرنا في صفحات التاريخ على من يصعد المنابر ومن يعتلي وسائل الاتصال البدائية والتقليدية والحديثة ويهجو دين الأغلبية ويسفه تاريخ وجذور وهوية تونس ، كما لم نعثر على محاكم تفتيش أو أثرها لمن ذهب يتلصص على الناس في بيوتهم ويرقب ذلك إن كان يخمر أو يسجد وهذا إن يزنى أو يتبتل ، في العديد من البيوت والأحياء والمقاهي في الكثير من أرجاء هذا الوطن عاش أناس لا دين لهم وذهبوا إلى ربهم هو الحكم والخصم ، ربما كانت سلوكهم أفضل من سلوك العديد من المسلمين وأرقى وربما كانوا أكثر غزارة في فضائل المؤازرة وأسمح في المعاملة ، عاشوا ورحلوا مارسوا قناعاتهم الشخصية دون الحاجة إلى الشذوذ الفكري والخروج للأحياء والأسر والأقارب في حفلات الأعراس والختان والخطوبات يسفهون دين الأغلبية ويعلنون أنها ليست إلا “أرحام تدفع وارض تبلع” ، عاشوا مع الناس وماتوا بينهم ودُفنوا في مقابرهم ، كانوا يحضرون ليالي السمر والمناسبات العامة ويعتذرون برفق ودون تبجح حين تقام ختمة للقرآن في بيوت احد الأموات ، بل رأيناهم يلبون الدعوة وينشغلون بإبعاد الاطفال عن غرفة القراء وبجلب القهوة والعشاء ويقومون على خدمة “المدبية” .
لماذا خرج اليوم هؤلاء في اكبر عملية تبشير باللحاد وتسفيه للثوابت في تاريخ تونس ، لماذا استغل الشعب ثورته في بناء حياة سياسية واجتماعية واقتصادية نقية ومتينة واستغلوها هم في الترويج للشذوذ الفكري والاخلاقي ، لماذا يصرون على انتهاك وسطية هذا الشعب السمحاء ويجتهدون في تغيير نمط عيشه مرة بالدعوة الى اقرار زواج الشواذ وكتابة عقودهم في المساجد ومرة يحضون الداخلية على الترخيص لمجموعة فيمن باقامة حفلات العراء بشارع الحبيب بورقيبة ، لماذا أصابتهم فجأة فوبيا الهوية فأصبحوا يحرضون على ترك شعائر الأضاحي ولفحتهم فوبيا الأخلاق فتنادوا الى حفلات القبلات في اكبر شوارع العاصمة ودعوا العشاق والأزواج الى ما أطلقوا عليه “يوم البوس” ، لماذا تدحرجوا الى مستوى العبث بفتاة مريضة نفسيا وعمدوا الى تجريدها من ثيابها وارساله تتتبع رموز الدولة أينما حلوا ، ثم ولماذا لم يحدث في تل ابيب وفي موسكو ونيوورك وباريس وحدث في تونس ان قاموا بدعوة المصلين للإضراب يوم الجمعة عن الصلاة ! الا يعلم هؤلاء انه ومنذ وصول العبادلة السبع وابن ابي السرح لم تنقطع الجمعة عن تونس وطالبوا هم جهارا بوقفها ، تصوروا ان الاستعمار الفرنسي بجبروته لم يقم بتعطيل الجمعة خلال كامل مرحلة هيمنته على بلادنا ، ثم اتى بعد الثورة من يحمل الجنسية التونسية ويدعي الوطنية وطالب الناس بالإضراب عن شعيرة صلاة الجمعة ! ، لم يحترموها كعقيدة ولا حتى كثقافة .
من اين تسربت هذه الهوام وزاحمت بإلحادها الشعب في مساجده ، من اي جحر برزت هذه الزواحف التي تصر على استعمال الإعلام والمنابر الثقافية لتغيير نمط عيش التوانسة وإرباك المجتمع بالتشكيك في ثوابته وهويته ، كيف تناسلت هذه الفطريات وفقصت في بلادنا وافرزت روائح مفزعة جعلت التطرف يتقاطر على تونس ليستعمل جهله الضخم الكثير “الياسر” في حرب بائسة مفلسة .
لماذا قامت كتائب كارل ماركس باستدعاء كتاب عبد الرحمن ابن ملجم للقتال الدامي فوق ارض صغيرة يطفح منها الحب والبشر، يرغب سكانها في بناء مستقبل مشرق لأبنائهم يحمل لهم الخير والأمل والحب ، ثم لماذا استجابت صخور الموت الصماء لدعوة الخمير الحمر للنزال الدامي على أرض شعب يرغب في الحياة والعمران ، وبعد كل ذلك أولم يتنائى لعلم هذه الصخور الآدمية الصماء التي تنثر الجثث بدعوة نشر الإسلام ان نماذج الدول الإسلامية المشرقة في جنوب شرق آسيا دخلها الاسلام عن طريق زمرة من التجار قادمة من الساحل اليمني ، رجال قوائم سيقانهم ارق من اعواد الأشجار أسلحتهم القماش والعطر وزادهم كلمات رقيقة تغازل الأفئدة وحرابهم “بشروا ولا تنفروا” ، من أي صورة ومن أي آية استخرجتم الأحزمة الناسفة ، واين عثرتم على فقه الذبح ، وكيف استوعبت صدوركم الصغيرة كل هذه الأطنان من القسوة .
ما ذنب الحيزي والشارني وبوسعيد وعبد الحميد والمشرقي والمرزوقي والصالحي ..ما ذنب هؤلاء في معركة تسعرها ثيران هائجة تمخر الشوارع والأنهج وتؤججها خفافيش مرشخة في المقرات والفضاءات وخلف الشاشات كلما خفت خوار هذه الثيران الهائجة لوحت الخفافيش بالأحمر لتزيد الثيران في جرعة الدم وتوسع مساحة الموت.
نصرالدين السويلمي