نصوص

للمتشددين عصر الحجر وللمعتدلين جغرافيا العطش :مالك التريكي

حال النظام الرسمي العربي ليست حال شخص أصم، بل هي حال شخص لا يريد أن يسمع. وليس هناك، مثلما يقول المثل الفرنسي، أشد صمما ممن لا يريد أن يسمع. نظام عربي لا شأن له بمجريات هذا العصر العاصف بالتحولات الكبرى، ولا علاقة له بما يحدث في جواره. بل لا دراية له بما يهدد وجوده من الأساس. لا دراية له. فهو في غفلة مؤسسية. يسأل 'ما الخطب؟'، وبراءة الأطفال في عينيه. نظام عربي سادر في غفلة مؤسسية وخدر قيادي أتى دليلهما قبل أيام بمناسبة توقيع اتفاقية دول حوض النيل. اتفاقية تمزيقية لما استقرت عليه الجغرافيا السياس

0
22 مايو 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

حال النظام الرسمي العربي ليست حال شخص أصم، بل هي حال شخص لا يريد أن يسمع. وليس هناك، مثلما يقول المثل الفرنسي، أشد صمما ممن لا يريد أن يسمع. نظام عربي لا شأن له بمجريات هذا العصر العاصف بالتحولات الكبرى، ولا علاقة له بما يحدث في جواره. بل لا دراية له بما يهدد وجوده من الأساس. لا دراية له. فهو في غفلة مؤسسية. يسأل 'ما الخطب؟'، وبراءة الأطفال في عينيه. نظام عربي سادر في غفلة مؤسسية وخدر قيادي أتى دليلهما قبل أيام بمناسبة توقيع اتفاقية دول حوض النيل.
اتفاقية تمزيقية لما استقرت عليه الجغرافيا السياسية في التاريخ المعاصر في شرق إفريقيا وشمالها الشرقي. اتفاقية تنسف أساسا من أسس الأمن القومي لهذا النظام العربي، هذا النظام الذي لا مهنة رسمية له إلا الأمن، ولا هواية له في أوقات الفراغ (الفراغ الكثير الناجم عن وجوده الغزير) سوى الأمن. ولم يبلغ إلى علم البشرية أن هنالك شيئا يعنيه ويستهويه ويحرك شيئا فيه إلا الأمن... حتى صحت فيه تسمية الدولة 'الأمنوقراطية'. ومع ذلك فإنه يلدغ لدغا ساما في أمنه الأساسي، أمن البقاء، فلا يبدو عليه ما يشير إلى أنه وجد الوقت الكافي، من كثرة المشاغل، لاتخاذ موقف ما من القضية. بل إنه يظهر بمظهر الطرف 'النزيه والمحايد'، ربما بحكم عادة اكتسبها من طول لعب هذا الدور بين إسرائيل ومن يسمّون (بحكم نفاد أسماء البلاد) 'الفلسطينيين'. يصاب في مقتل وهو لا يدري. ليس لديه معلومات. ما زال في طور الاستفهام والاستفسار. يصاب في مقتل، فيرسل من يستطلع جليّة الأمر: حاولوا إن استطعتم أن تتأكدوا لي من الخبر. لعلهم لا ينوون شرا! أليس بعض الظن بالسدود إثم؟
نظام رسمي عربي لا تكلّ الأصوات الوطنية الصادقة في كل أنحاء الوطن العربي ولا تملّ من محاولة استنهاضه. تقول له، همسا وصراخا، باللين وبالشدة: يا فلان بالله عليك قم، أفلا ترى أن قد تداعت عليك الأمم. يا فلان إنهم قد تآمروا عليك. إنهم أخذوا يقضمون من أصابع يديك. أفلا تألم؟ وها إنهم سوف يقطعون الماء عنك. أفيرضيك أن يحاصرك هؤلاء ويحاربوك بسلاح لم يخطر لك على بال، أنت الطاعن في الحكمة: حكمة السلام وعملياته ومحادثاته ومواصفاته وما تيسر، بين عدوان وآخر، من 'خطوات بناء الثقة'؟ أفيرضيك أن يحاربوك بسلاح العطش؟ أفلا تدرك أن من يريد أي يعيدك إلى جغرافيا الظمأ وعصر ما قبل الكهرباء (جزاء غلوّك في 'الاعتدال') هو مهندس السدود الذي سبق أن هدد، ذات تصريح عسكري، بأن يعيد أخاك إلى العصر الحجري؟ نعم تدرك، لكنك لا تطيق هذا الأخ الذي اتخذته عدوا (رغم اعتداله في 'التشدد)'! إلا أنه، والحق يقال، ان هذا النظام لا ينام على الدوام. والدليل أنه أفاق أخيرا. أفاق. فماذا فعل؟ نقل الملف من وزارتي الخارجية والري إلى هيئة الأمن القومي برئاسة مدير جهاز الاستخبارات! ذلك أن المسألة، يا من تهولون الأمور، هي مسألة خطأ إداري في توزيع المهمات. أما الآن وقد نزلت الاستخبارات إلى ساحة الوغى، فستندم حكومات المنبع، ولات مندم، على أنها استفزت حكومة المصب فحملتها على استخدام سلاحها النووي!
وكأنه لا يكفي النظام الذي لا ينام على الدوام أنه مواظب على التخلف عن حاضر أمته ممعن في الغياب عن مصيرها، فإذا بـ'البشرى' تأتي، من صلبه وليس من خارجه، بأن العروبة ليس لها مستقبل (مع أن هذه التكهنات الجوية لم تمنع المبشرين من السفر للمشاركة في المؤتمرات التي تتباحث في هذا الذي لا مستقبل له). والحال أن وجود نظام من هذا القبيل هو أول سبب يجعل نداء العروبة بالتحديد هو نداء... المستقبل. ذلك أن الأصوات التي لا تكلّ ولا تملّ من محاولة استنهاض هذا النظام الرسمي، الحائل بين أمته وبين تلبية داعي الحياة، لا تفعل ذلك باسم شيء آخر سوى العروبة. ليس عروبة الإيديولوجيا والنظريات، بل عروبة احترام الذات. لكن يبدو أن لنظام الغفلة المؤسسية والخدر القيادي فلسفة أحكم وأجلّ من احترام الذات. ولهذا فقد وصل به الأمر إلى حد أن يتوعده شريكه في فولكلور السلام بقصف السد العالي... ولهذا يبرق هو مهنئا بـ'الاستقلال'، فيأتيه الإخطار يوم 14 أيار/مايو (دون سائر الأيام) بقرب قطع الماء والكهرباء.

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©