للشّاعر تشوفاته : الخريف العربي
"للشّاعر تشوّفاته" كلمة سمعتها من الصديق الشاعر البحري العرفاوي ذكرها أكثر من مرّة وهو يقدم لبعض قصائده ويقصد أن "تنبؤاته" قد صدقت. هذه الكلمة تستحضرها ذاكرتي هذه الأيام كثيرا كلما سمعت خبرا مؤلما أو كارثة حلت في أحد البلدان التي اندلعت فيها ثورات ما "سمّي بالربيع العربي" كما تستحضر ذاكرتي حوارا دار بيني وبين الأستاذ البحري في تونس العاصمة ربيع سنة 2012 على هامش جلسة مع السياسي الفلسطيني مشير المصري وقد جاء ضمن وفد لزيارة تونس من أجل التهنئة "بنجاح ثورتها" وفوز أنصار القضية الفلسطينة في أول انتخ
- 30 سبتمبر 2015
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
"للشّاعر تشوّفاته" كلمة سمعتها من الصديق الشاعر البحري العرفاوي ذكرها أكثر من مرّة وهو يقدم لبعض قصائده ويقصد أن "تنبؤاته" قد صدقت.
هذه الكلمة تستحضرها ذاكرتي هذه الأيام كثيرا كلما سمعت خبرا مؤلما أو كارثة حلت في أحد البلدان التي اندلعت فيها ثورات ما "سمّي بالربيع العربي" كما تستحضر ذاكرتي حوارا دار بيني وبين الأستاذ البحري في تونس العاصمة ربيع سنة 2012 على هامش جلسة مع السياسي الفلسطيني مشير المصري وقد جاء ضمن وفد لزيارة تونس من أجل التهنئة "بنجاح ثورتها" وفوز أنصار القضية الفلسطينة في أول انتخابات بعد "الثورة".
بعد أن انفضّت الجلسة المذكورة خرجت معه ونحن نناقش الوضع السياسي والموقف الرسمي التونسي من الثورة السورية وردود أفعال المعارضة التونسية على قطع العلاقات مع نظام الأسد، فقال لي: "أنا أرى أن هذا الربيع العربي سيتحوّل إلى خريف قاحل مدمّر"!
ورغم أنني كنت حذرا في تفاؤلي "بالثورة" وكنت حتى في كتاباتي أضعها بين معقّفين إلا أن قوله ذلك لم يعجبني وحاولت أن أدفعه أو أردّه مستبطنا أن الأستاذ البحري يعتقد أن نظام الأسد وإيران من خلفه داعمان أساسيان للمقاومة الفلسطينية واللبنانية وعنده ديكتاتورية مقاومة خير من ديمقراطية مطبّعة أو مدجّنة. كما أنه أصبح يرى أن الربيع العربي " مؤامرة تُحاك ضد الحركات الإسلامية بتوريطهم في الحكم وإفراغ أوروبا والغرب من قياداتهم ومثقفيهم حيث أصبحوا يمثلون عبئا عليه ـ سياسيا وأخلاقيا ـ وخاصة في دعم القضية الفلسطينية"*.
آلمني "تشوّفه" يومها وأنا القادم من غربة قهرية طويلة طالما كانت محلّ حوار ونقاش بيننا، وبذلك كان هو يومها يقف على أرضية صلبة فقهها أكثر وتعوّدت عيناه على رؤيتها من خلف الدخان أو في وهج الشمس، في حين كنت يومها منبهرا بكمية الضوء ولا أقدر أن أنظر بعين "مشرعة"، كنت أحاول أن أتفائل "بالربيع" وبه أقنع نفسي وأحبابي رغم نذر الغيوم والعواصف والرعود، كنت أحاول أن أقنع نفسي بأن كل تلك النذر إنما هي مجرد "فقاقيع" تزيدنا ابصارا للربيع وتحرضنا على مزيد الاستمتاع به. كنت يومها لا أزال مقتنعا بأن سقوط أذيال الاستبداد سيكون أهون من سقوط "أسياده"!
مضت الأيام والشهور وذبلت كل الزهور وكشّر خريف العرب عن أنيابه متصديا لربيعهم ومطاردا له في كل زاوية ومنعطف، وألقى كثير من "جند الربيع" سلاحهم بعد أن أعمل فيهم "جند الخريف" قتلا وتشريدا ومكرا ودسائس!
أعترف أنني وقفت اليوم عند "تشوف" صديقي الشاعر وأيقنت أنه كان أبعد مني نظرا وإن اختلفت بعض المنطلقات أو التقييمات، والحق عندي أن بوادر الخريف بدأت في تونس التي انطلق منها الربيع قبل أن يحترق الربيع بأكمله في أماكن أخرى!
بدأت نذر الخريف عندما انقلب "الديمقراطيون" على الديمقراطية التي لم تخترهم ولم تجعلهم في الصدارة، وانقلب "الثوريون" على الثورة التي لم توكّلهم أمرها ولم توافقهم على النطق باسمها!
حلّ خريفنا بحلول التآمر على اقتصاد البلاد وتدمير مصادر رزق أهلها!
حلّ خريفنا بتآمر من يسمون أنفسهم نخبة على من اختارهم الشعب وقدمهم!
حلّ خريفنا بالمكر والدهاء والإرهاب والإستثمار في الدماء وأرواح الأبرياء!
حلّ خريفنا حين لم تراع كثرة المطالب محدودية الموارد!!
حلّ خريفنا حين دُعي الديكتاتور بورقيبة ليحكمنا من قبره خلفا لخليفته وصنيعته!
حلّ الخريف العربي بالتقاتل بين ثوار ليبيا وانتشار السلاح في ربوع ليبيا وخارجها!
حلّ الخريف العربي بالإنقلاب في مصر وبمجازر رابعة والنهضة وغيرها!
حلّ الخريف العربي بالدعم الدولي للانقلاب على الشرعية في مصر!
حلّ الخريف العربي حين اتهم من انتخبهم الشعب المصري "بالتخابر مع حماس"!
حلّ الخريف العربي حين قرّر حاكم سوريا التخلص من شعبه بالبراميل المتفجّرة!
حلّ الخريف العربي حين تحوّلت بنادق "حزب الله" من بنادق مقاومة إلى بنادق طائفية لوأد الثورة السورية وقتل السوريين!
حلّ الخريف العربي حين كشرت إيران عن أهدافها التوسعية الإمبراطورية القديمة فدعمت سفاح سوريا بالعتاد والرجال، وتآمرت على ثورة اليمن!
حلّ الخريف العربي حين تمكن أعداء الإسلام من صناعة "دولة" تزعم أن حاكمها "خليفة" وأن جندها هم جند الله باسمه يقتلون ويستحلّون الدماء!
حلّ الخريف العربي حين انتشرت جثث النساء والأطفال والشيوخ والشباب في البحار وعلى قوارع الطرقات! ... وحلّ الخريف عندما زحفت جموع اللاجئين في كل اتجاه!
ومهما استرسلنا في تعداد مظاهر حلول الخريف فلن نحصيها عددا، وإن غلب علينا اليأس وسلمنا بصدق تشوف شاعرنا وأقررنا بأن الفصل خريف، وأنه خريف قاحل ومجدب، وإن سلمنا كذلك بأن الخريف يعقبه الشتاء وهو أشدّ قسوة، فسنظل نمني النفس بأن الربيع يعقب الشتاء وأن سنن الله ماضية أحبّ من أحبّ وكره من كره، بنا أو بغيرنا!
وحين يحل الربيع مجددا وينهض من كبوته لا شك أنه سيستفيد من أخطائه وسيعامل أعداءه بالمثل! الوأد بالوأد والهدم بالهدم!!
وإن غدا لناظره قريب!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*من مقال الربيع العربي وخريف فلسطين للشاعر البحري العرفاوي
طه البعزاوي
30 سبتمبر 2015