لــيــبــيــا: كـيـف تـهـزم شـعـبـك مـرتـيـن؟بقلم عـلـي الـصـراف
يبذل سيف الإسلام القذافي، نجل الزعيم الليبي، منذ عدة سنوات، جهدا حثيثا للتخلص من إرث الماضي وأعبائه، وخاصة بالنسبة للقضايا التي تشكل سببا لملاحقات قضائية، دولية او محلية. ويحسن القول ان سيف الإسلام أتمّ قطع الشوط المتعلق بملف لوكربي بـ"نجاح"، الأمر الذي سمح بإعادة تأسيس العلاقات الليبية مع العالم الغربي. وهو يحاول أن يطوي ملف الانتهاكات والجرائم التي ارتكبت في ليبيا نفسها، ولكنه ما يزال يواجه الفشل. الأيام ستثبت، على أي حال، ان ليبيا لم تكن مسؤولة عن جريمة لوكربي. وهي تعرضت لعقوبات ظالمة ودفعت ث
- 5 أبريل 2010
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
يبذل سيف الإسلام القذافي، نجل الزعيم الليبي، منذ عدة سنوات، جهدا حثيثا للتخلص من إرث الماضي وأعبائه، وخاصة بالنسبة للقضايا التي تشكل سببا لملاحقات قضائية، دولية او محلية.
ويحسن القول ان سيف الإسلام أتمّ قطع الشوط المتعلق بملف لوكربي بـ"نجاح"، الأمر الذي سمح بإعادة تأسيس العلاقات الليبية مع العالم الغربي. وهو يحاول أن يطوي ملف الانتهاكات والجرائم التي ارتكبت في ليبيا نفسها، ولكنه ما يزال يواجه الفشل.
الأيام ستثبت، على أي حال، ان ليبيا لم تكن مسؤولة عن جريمة لوكربي. وهي تعرضت لعقوبات ظالمة ودفعت ثمنا باهظا لرغبة الولايات المتحدة وبريطانيا باخفاء المذنب الحقيقي: إيران.
رغم كل الدلائل والقرائن الموضوعية المتاحة، فقد تعمدت واشنطن ولندن أن تغطيا على إيران، لأنهما كانتا تريدان أن تكسبا من ليبيا كل ما تريدان كسبه منها، بينما كانتا تنتظران ان تتكفل الحرب العراقية الإيرانية بإعادة ترتيب علاقاتهما مع طهران.
وهذا ما حصل بالفعل: ليبيا تحولت الى مستعمرة جديدة للشركات الغربية. وإيران أصبحت شريكا في غزو واحتلال العراق.
فلكي يتم إغلاق ملف لوكربي (على كل الظلم والتزوير الذي انطوى عليه ضد بلد لا ذنب له فيه) تحولت ليبيا الى بقرة حلوب لخدمة المصالح الغربية. عشرات، وربما المئات من المليارات تم تحويلها الى ما يُزعم انه "استثمارات" في الخارج، قبل ان يتبدد الكثير منها في الانهيار الذي شهدته الأسواق المالية الغربية خلال السنتين الماضيتين. ثم، تم فتح الأبواب للشركات الأميركية والبريطانية والفرنسية والإيطالية لكي تحصل على إمتيازات جعلت منها شريكا للشعب الليبي في ثرواته.
طبعا، لم يخل الأمر من تعويضات رمزية، وأخرى شكلية، سمحت بظهور ليبيا وكأنها خرجت "منتصرة" من المأزق. إلا ان الحقيقة التي ما تزال تخفيها العواصم المعنية هي ان دفاتر الحسابات حددت من هو المنتصر الحقيقي. فليبيا انتهت الى خسارة مئات المليارات من الدولارات، مقابل ان ينفش طاووس الأزمة بعضا من ريشه في انتصار مزيف.
بعض الأموال ضاع في شراء أسهم في شركات وقفت على حافة الإفلاس، وهي ما تزال تقف على حافة الانهيار، وبعضها ضاع كليا بسقوط العديد من الشركات والمصارف الاميركية في هاوية الإفلاس بالفعل. وهناك قسط كبير من الاموال يبدو في وضع مجمد، من الناحية الواقعية، بالنظر الى ان ليبيا لم تعد قادرة على سحبها او التصرف بها بحرية.
لقد حقق سيف الاسلام "نجاحا". بل وتحاول أبواق الدعاية الغربية أن تعطي إنطباعا مفاده انه "النجاح" السياسي الأهم الذي سجلته ليبيا في علاقاتها مع العالم منذ 40 عاما.
ولكن عدا عن كونه نجاحا مزيفا، فالحقيقة هي ان ثمنه كان باهظا بدرجة تجعله أسوأ من هزيمة منكرة.
وهذا هو السبب الذي يجعل "الحرس القديم" يشك بأهلية الاتجاه الذي سلكه سيف الإسلام للتخلص من عبء الملاحقات الخارجية.
وعندما يتعلق الأمر، بالوجه الداخلي للعبء، فان الشكوك تزداد، والعوائق تعلو. ولهذا السبب لم يتمكن سيف الإسلام من التقدم كثيرا في تسوية ملف الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت ضد ليبيين. ولهذا السبب أيضا، ما تزال أعمال القمع تجري على أشدها، وسط مشاعر طمأنينة بانه تم شراء صمت الخارج حيالها.
من السهل على الحصيف أن يلاحظ طبيعة التخبط المشترك، لكلا الطرفين. فسيف الاسلام سلّم الاقتصاد من رقبته، مقابل أن تنجو ليبيا من تهمة زائفة. و"الحرس القديم" يرفض النزول عن صهوة جرائم وحشية (غير مزيفة)، لان الثمن الذي دفعه سيف الإسلام للخارج كان كافيا لكي يضمن صمته.
هكذا، كان الليبيون هم الخاسرون في الحالتين معا. فمن ناحية، خسروا قسطا كبيرا من ثروات بلادهم. ومن ناحية أخرى، ظلوا تحت سطوة ثقافة القمع والوحشية.
كلا طرفي اللعبة، لعب لعبته بالمقلوب. وبقي الليبيون ضحية لهما معا: الأول، باع حياتهم وحاضرهم. والثاني باع مستقبلهم. ولكن، مع شعور يقول: "انتصرنا"! بينما الحال، هو ليس هزيمة واحدة، بل اثنين! حتى انتهينا الى هذا الشيء الذي تراه: بلدٌ تعمه الفوضى ويغمره الفشل. لا خدمات أساسية فيه، ولا طرقاته طرق، ولا مؤسساته مؤسسات، ولا حتى مدارسه مدارس.
في العلاقة مع الخارج، لقد كان المنطق يقتضي التمسك برواية البراءة، وعمل كل شيء من أجل إثباتها، وذلك بدلا من دفع المال من أجل الحصول على "عفو" عنها. وفي العلاقة مع الداخل، فقد كان المنطق يقتضي تقديم تنازل أخلاقي وقانوني لضحايا الانتهاكات من الليبيين (وهو أمر يكاد لا يكلف شيئا من الناحية المادية).
لو كان "الحرس القديم" (ذو الموقف الأيديولوجي الصلب) هو الذي يقود الملف مع الخارج، بينما يقود سيف الإسلام (بليبراليته نفسها) مساعي التسوية مع ملف الداخل، لكانت ليبيا حرة وقوية ومستقلة، وتسيطر على ثرواتها، اكثر بكثير مما هي الآن.
ولكن، سبق السيف العذل. التصلب الأيديولوجي سحق من لا يستحق. والليبرالية أعطيت لمن لا يستحق.
هكذا، باعت ليبيا نفسها للتخلص من تهمة زائفة، وهي ما تزال تبيع شعبها، بمواصلة ارتكاب التهمة الحقيقية (إقامة نظام قمع وتصفيات وحشية وخوف).
عندما تواجه أزمة مع الخارج وأخرى مع الداخل، أولى بك أن تحل أزمتك مع الداخل. فمهما كان الثمن الذي تدفعه لشعبك باهظا فانه ربحٌ لا خسارة. ومهما كان الثمن الذي تدفعه الى الخارج ضئيلا، فانه خسارةٌ لا ربحا.
وعندما تكسب شعبك، بالحرية والعدالة والحق بتوجيه النقد والإصلاح، لا يعود بوسع الخارج أن يشكل ضدك تهديدا حقيقيا، مهما بلغت قوته. هذا هو المنطق.
ما فعلناه هو العكس. فكسبنا ذلك الشيء الذي يقال عنه انه: "نصر أسوأ من هزيمة". وبدلا من واحدة، كسبنا هزيمتين!
"نجح" سيف الإسلام، ويا ليته ما نجح. وفشل "الحرس القديم" في التخلص من عبء الانتهاكات ويا ليتهم ما فشلوا.
المتوسط أونلاين