لعنة الزعيم الأوحد
عملت الدول الإستعمارية على صناعة شخصيات بطولية ونظالية في معظم الدول التي مرت بهذه الحقبة وقبل منح هذه الشعوب وثيقة الاستقلال الشكلي نسقت هذه الدول الإستعمارية مع هاته الشخصيات لتسلم السلطة بشرط المحافظة على المصالح الإقتصادية والإستراتيجية لهذه الدول . ولم تشذ تونس عن هذه القاعدة فسلمت فرنسا "الزعيم" الحبيب بورقيبة مقاليد الحكم وبدأ هذا "القائد" المتشبع بالمبادئ الغربية والعلمانية والمنبهر بالفرنكوفونية في بناء أسس الدولة الحديثة. بعد اقصاء كل خصومه السياسيين أرسى بورقيبة نظاما كليانيا شموليا ل
- 5 أكتوبر 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
عملت الدول الإستعمارية على صناعة شخصيات بطولية ونظالية في معظم الدول التي مرت بهذه الحقبة وقبل منح هذه الشعوب وثيقة الاستقلال الشكلي نسقت هذه الدول الإستعمارية مع هاته الشخصيات لتسلم السلطة بشرط المحافظة على المصالح الإقتصادية والإستراتيجية لهذه الدول .
ولم تشذ تونس عن هذه القاعدة فسلمت فرنسا "الزعيم" الحبيب بورقيبة مقاليد الحكم وبدأ هذا "القائد" المتشبع بالمبادئ الغربية والعلمانية والمنبهر بالفرنكوفونية في بناء أسس الدولة الحديثة.
بعد اقصاء كل خصومه السياسيين أرسى بورقيبة نظاما كليانيا شموليا لا يعترف بالديمقراطية والتعددية. على المستوى الإقتصادي والإجتماعي حقق نظام بورقيبة عديد الإنجازات التي تحسب له لأن الرجل في زمانه كان يملك مستوى تعليميا وثقافيا لا يستهان به كما كان يتمتع بحنكة سياسية عالية. وكان تطوير القطاع الصحي والتعليمي من أبرز منجزات بورقيبة كما نجح في خلق طبقة متوسطة عريضة وشهد الإقتصاد تطورا ملحوظا خاصة في السبعينات.
ورغم نجاحه في القضاء على النزعة القبلية وما يعرف بالعروشية كرس بورقيبة التفاوت الجهوي في أعلى تجلياته فازدهرت المناطق الساحلية على حساب المناطق الداخلية التي ظلت تشكو الحرمان والخصاصة.
على المستوى الثقافي عمد بورقيبة على طمس معالم الهوية العربية الإسلامية بحجة الإنفتاح على الغرب. مع تقدمه في السن وبعد تزكيته رئيسا مدى الحياة دخلت البلاد في دوامة الناهبين والطامعين في السلطة وأصبحت البلاد في مهب الرياح وسط احتدام الحراك السياسي لإنقاذ ما يمكن انقاذه من عديد التيارات وأبرزها التيار الإسلامي الذي تعرض لأقصى درجات التنكيل والقمع.
بعد انقلاب السابع من نوفمبر تسلم الجنرال بن علي سدة الحكم ودخلت تونس "عهدا جديدا" وتحولت من زعامة بورقيبة إلى زعامة بن علي هذا العسكري محدود المستوى الثقافي والتعليمي المتشبع بالقيم البوليسية.
رغم وعوده التي قدمها في بيانه الإنقلابي لم يشذ الزعيم الجديد على خط سلفه مع بعض العمليات التجميلية خاصة على المستوى السياسي فأنشأ معارضة أليفة لتلعب دور الديكور في المشهد السياسي.
على المستوى الإقتصادي ورث نظام بن علي دولة متوازنة نسبيا لكنه لم يستطع المحافظة غلى مكتسباتها فتقهقر القطاع الصحي والتعليمي وتآكلت الطبقة المتوسطة كما تعمق التفاوت الجهوي وجعل المناطق الداخلية تنتظر سياسة صناديق الإستجداء التي أرساها كما واصل سياسة التغريب ومحاربة التدين التي لم تؤت أكلها.
ورغم سياسة المغالطة التي اعتمدها بن علي لتلميع صورته عن طريق الأرقام والإحصائيات المزيفة تفاقمت البطالة وأصبح التفاوت الجهوي صارخا وتنامى الفساد داخل العائلة الحاكمة والمقربين من البلاط وأصبح ينخر اقتصاد البلاد.
وجاءت الثورة المباركة من رحم المناطق المهمشة لتنهي مهزلة نظام بن علي البوليسي.
مرت تونس من حقبة المجاهد الأكبر إلى حقبة صانع التغيير وكان الشعب هو الخاسر الأكبر. لكن كل ما نتمناه ونحن في انتظار انتخابات المجلس التأسيسي التي ستفضي فيما بعد لانتخابات برلمانية ورئاسية أن نقطع نهائيا مع أساليب الماضي لذلك لا حاجة لنا برئيس زعيم فوق القانون والمحاسبة صوره تملأ الشوارع والمحلات والمكاتب بل نريد موظف دولة برتبة رئيس يؤمن بالتداول على السلطة إذا أصاب ونجح نشكره ونشجعه دون اطناب وإذا أخطأ نقول له أخطأت ونحاسبه وإذا أمعن في الخطأ وتجاهل ارادة الشعب نقول له ارحل.
كما نتمنى أن نعيش اللحظة التاريخية التي نرى فيها الرئيس المتخلي يصافح الرئيس الجديد مبتسما متمنيا له النجاح في مهامه ونرجو أن تتحقق هذه اللحظة قريبا ولا نقول نحن أو ربما أجيال من بعدنا مرة أخرى "هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية".