نصوص

لا لشرعنة ثقافة التمرّد على القيم

Normal 0 21 false false false DE X-NONE AR-SA قال الشاعر أحمد مطر : /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Normale Tabelle"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-qformat:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin-top:0cm; mso-para-margin-right:0cm; mso-para-margin-bottom:10.0pt; mso-para-margin-left:0cm; line-height:115%; mso-pagination:widow-orphan; font-size:11.0pt

0
7 مايو 2015
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

قال الشاعر أحمد مطر :

أدام الله والينا – رآنا أمةً وسطًا

فما أبقى لنا دنيا ولا أبقى لنا دينا

في إطار هذا المفهوم وتكريسا له توغل المخلوعون وغاصوا في بحر الفساد والاستبداد حتّى غرقوا. ولكنّهم لم يغرقوا لوحدهم بل أغرقوا معهم البلاد والعباد في بحور متلاطمة من الفساد. فهذا مخلوعنا لم يتركنا ولم نتركه ولم نخلعه حتّى استهلكنا واستهلكناه  على كلّ المستويات. وسلبنا أموالنا وخيراتنا وسلبنا قيمنا وأخلاقنا وعاداتنا وأعرافنا وتقاليدنا وتاريخنا وحاضرنا إلى أن بلغ به الأمر إلى التأثير على طريقة تفكيرنا وتشكيل وعينا ولا وعينا.

على إثر "دخلة الباكالوريا" التي رفع فيها التلاميذ رايات لداعش وصورا لهتلر صرّح بعض المسؤولين في رئاسة الحكومة بأنّهم بدأوا يلاحظون ثورة وتمرّدا على القيم. ففي الحقيقة ثقافة التمرّد على القيم هذه  لم تبدأ اليوم وإنّما كرّست منذ عقود  وانطلقت من بداية حكم بورقيبة وتسارع نسق تكريسها في فترة المخلوع بن علي وبتأييد من العديد من مسؤولينا الحاليين. ولكنّ المسؤولين لا يرون من ثقافة التمرّد إلاّ ما كان مرتبطا بالتطرّف والدعشنة. فعلى سبيل المثال ثقافة التمييع التي انتهجت واتبعت لضرب الأخلاق والقيم لكي يخلو الجو للمستبدّين المجرمين حتّى يحكموا بأمرهم كما يحلو لهم تبيّن في الأخير أنّها سلاح ذو حدّين حيث أنتجت لنا هذه الثقافة متطرّفين من الجانبين : نساء كاسيات عاريات  وفتيات داعشات ، شبابا مستهترا ومفتوحا على كلّ أنواع الفساد وشبابا متحجّرا  ومنغلقا على نفسه يقتل على مجرّد الشبهة.

وإذا أردنا أن نتوسّع أكثر في الموضوع أو نعمّم المسألة نستطيع أن نجزم أن المخلوع زين العابدين بن علي سعى إلى تخريب كلّ القيم والتمرّد عليها ودفع الرّشوة تلو الرّشوة في كلّ القطاعات من أجل أن يجثم على صدور النّاس أطول فترة ممكنة. ففي المجال الأمني غضّ المخلوع الطرف على العديد من أنواع الرّشوة المستفحلة في الميدان الأمني لكي يوظّف الأمنيين لمشروعه الاستبدادي. فلن يكون في خدمة الاستبداد بأي حال من الأحوال أناس تربّوا ودرجوا على معاداة ومحاربة الرّشوة. وما ينطبق على الأمن ينطبق على القضاء. وفي التّعليم رفع نسب النّجاح بكلّ الطرق لأجل شراء ذمم النّاس والحصول على شعبية لا يستحقّها. والنّتيجة تدهور المستوى التعليمي بشكل لافت. أمّا في المجال الصحّي فقد سمح للأطباء الأساتذة في القطاع العام بعيادة ومداواة المرضى في المستشفى العمومي مرّتين في الأسبوع لحسابهم الخاص. وسمح لأطباء القطاع الخاص بالترفيع في ثمن العيادة عدّة مرّات  حتّى وصلت إلى خمسين دينارا لطبيب الاختصاص ؟ وكلّ ذلك لأجل شراء ذمم الإطار الطبّي وتحويل وجهته إلى اللّهث وراء الدّرهم والدّينار عوضا عن خوض الغمار من أجل إسقاط  واجتثاث الاستبداد. فهل يتّسع راتب السواد الأعظم من النّاس حتّى يستنزفه الأطبّاء بمثل هذا الجشع ؟ وهل تتّسع قدرة النّاس  الشّرائية لدفع خمسين دينارا حتّى يرتادوا العيادات الخاصّة ؟ ولهذا فإنّ السّؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح في هذا السّياق إنّما هو لماذا كلّ هذا التمرّد على القيم وعلى مظاهر التآلف والتعاطف والتراحم والتكافل الاجتماعي خاصّة وأنّ هؤلاء الأطباء لم يبلغوا ما بلغوه إلاّ بأموال الشعب والطبقات الفقيرة. وهل سيحال بين الأطباء وبين شراء منزل ثالث ورابع   وخامس إذا ما خفّضوا في معلوم العيادة إلى الثلثين أو النّصف مثلا ؟ وهل السّعادة تقاس بكثرة المال أو بمدى التوغّل في أكل أموال النّاس بالباطل ؟

وفي مجال الخدمات والجباية فتح المخلوع للموظّفين وللمهرّبين باب الرشوة والتهريب على مصراعيه ( باب الطرابلسية ) حتّى أصبح تعاطي الرشوة في وضح النّهار و"عيني عينك" وكأنّها حق مشروع. وقس على ذلك في جميع القطاعات.

لذلك فقد عمّت البلوى واستشرى الفساد وانتشرت الرشوة واستفحلت في كلّ المجالات والقطاعات حتّى غدت وكأنّها هي الأصل فبات النّاس في زمن الثورة وزمن الحرّية يتظاهرون ويعتصمون لأجل المطالبة بحقّهم في الرّشوة والفساد أو لأجل شرعنة الرّشوة ؟؟!!

فما معنى أن تقع الموافقة على زيادات مهمّة في الأجور لفائدة السلك القضائي بحجج من ضمنها إسناد ودعم القاضي من أجل منع وقوعه في مستنقع الرشوة ؟

وما معنى  أن يضرب الأطباء عن العمل لأسبوع كامل لأجل نقض قرار الحكومة القاضي بإلزام الأطباء بالعمل ثلاث سنوات بعد التخرّج في المناطق الدّاخلية ؟ أليس ذلك من أجل الحفاظ على ما اكتسبوه عن طريق الرشوة أيام الاستبداد ؟

وما معنى أن يضرب موظّفو بعض المصالح المالية المكلّفون بتحرير الخطايا من أجل إقرار نسبة لفائدتهم بحجّة عدم الرضوخ للابتزاز وعدم الوقوع في الرّشوة ؟ لقد أصبحوا يتعاملون مع المال العام بمنطق الغنيمة ومنطق الحق المكتسب الذي لا يمكن التفريط فيه ؟!

فبعد الثّورة فبدل أن يثور الموظّفون والمثقّفون ونخبة المجتمع من أجل إسناد الثورة ومتابعة الإجهاض على بقايا الاستبداد والسعي لإيجاد مواطن شغل للذين انقطعت بهم السّبل وللذين مازالوا لم يتحصّلوا بعد على شغل رغم مرور 10 أو 20 سنة على تخرّجهم وللذين كانوا وقودا للثورة في بدايتها. فعوضا عن ذلك كلّه أعلنوا الإضرابات تلو الإضرابات ونفّذوا الاعتصامات تلو الاعتصامات من أجل شرعنة الرّشوة والثورة على قيم العدالة والمساواة والتكافل الاجتماعي ومن أجل تحويل كلّ الرشاوي الكبيرة التي تحصّلوا عليها إلى حقوق ومكاسب فردية ومكاسب قطاعية ولما لا تضمينها في الدّستور وذلك قبل أن تتشكّل حكومات ثورية من رحم المستضعفين وتعيد خلط الأوراق من جديد.

 

وكما يقول المثل الشعبي : "الدوام ينقب الرخام"  وكثرة الفساد تميت القلب  وتورّث العناد والإصرار على المعاصي والموبقات بدون حياء ولا خجل أو وجل. جاء في العديد من الأحاديث النبوية ما معناه "أنّ من علامات السّاعة تفشي الزنا في وسط الطريق. لا ينكر ذلك أحد. ويكون أمثلهم يومئذ الذي يقول لولا ابتعدت عن الطّريق قليلا.  فذلك فيهم مثل أبي بكر وعمر فيكم."

يبدو لي وكأنّنا بدأنا نقترب من يوم القيامة بسرعة جنونية. أليس كذلك ؟ 

منجي المازني

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©