نصوص

كلمات من وحي انتفاضات تونس والجزائر

بقلم ذ.أحمد بوعشرين الأنصاري مكناس أتابع هذه الأيام مجريات الانتفاضات الشعبية في الجارتين تونس والجزائر، وآمالانبلاج فجر جديد من الحريات والعيش الآدمي الكريم في هذين البلدين يزداد مع هذهالانتفاضات العفوية للشارع، تونس المختنقة أنفاس أهلها من جراء هذا الفقر المهول سواء في هواء نقي للحريات أو في لقمة عيش كريمة أو في مستقبل مشرق لأبنائها، والجزائر الجريحة آمال أهلها من جراء محنه المتكررة من الاستعمار إلى حكم جنرالات العسكر الجزائري إلى المسلسل الدموي إلى تفاقم الأوضاع الاجتماعية. قصةمحنة أهل تونس و

0
10 يناير 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

 

بقلم ذ.أحمد بوعشرين الأنصاري مكناس    أتابع هذه الأيام مجريات الانتفاضات الشعبية في الجارتين تونس والجزائر، وآمالانبلاج فجر جديد من الحريات والعيش الآدمي الكريم في هذين البلدين يزداد مع هذهالانتفاضات  العفوية للشارع، تونس المختنقة أنفاس أهلها من جراء هذا الفقر المهول  سواء في هواء نقي للحريات أو في لقمة عيش كريمة أو في مستقبل مشرق لأبنائها، والجزائر الجريحة آمال أهلها من جراء محنه المتكررة من الاستعمار إلى حكم جنرالات العسكر الجزائري إلى المسلسل الدموي إلى تفاقم الأوضاع الاجتماعية. قصةمحنة أهل تونس وكذا الجزائر ليست جديدة، وكثيرا ما تخون الذاكرة تحليلات المجرياتوالوقائع الراهنة فيتم الالتفاف على مثل هذه الانتفاضات بحديث حول بطالة حامليالشواهد أو بارتفاع الأسعار، وهذه التحليلات تنشد إلى النتائج فتجعل منها أسباباوبالتالي تفرغ هذه الانتفاضات من مضمونها المرتبط بالأسباب والجذور. قصة محنة أهلتونس ابتدأت منذ العهد البورقيبي ولتستمر مع الرئيس بنعلي بعد إزاحته للرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، وتمثلت في مسلسل الاعتقالات التي طالت رموز المعارضة وخصوصا  حركة النهضة، ثم لتعم الاعتقالات حتى بعض رموز اليسار في عهد بن علي، وبلغت حالة الاختناق السياسي أوجها مع مرحلة حكمه، وتميز هذا الاختناق بالانتخابات الرئاسية الشكلية التي لا مرشح فيها سوى الرئيس بن علي، ولا حزب فيها يفوز بالأغلبية الكاسحة في الانتخابات التشريعية سوى حزب الرئيس، وبالاعتقالات التي بلغت حدا لا يطاق ولا يتصور، و التي طالت رموز حركة النهضة وكذا بعض المناضلين الحقوقيين، ، وهاجر تونس العديد من زعماء المعارضة إما بنفي قسري (حالة زعماء حركة النهضة وأبرزهم الشيخ راشد الغنوشي)، وإما بنفي اختياري (حالة د.منصف المرزوقي رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان)، أما قصة محنة أهل الجزائر فمجرياتها تبتدئ من انتفاضة خريف الغضب أكتوبر 1988 نتيجة تفاقم الوضعية الاقتصادية للجزائر وارتفاع حدة البطالة، انفتحت على إثرها الجزائر على مرحلة التعددية السياسية، وإطلاق حركية سياسية حقيقية كانت من نتائجها دخول الجزائر في تجربة ديمقراطية رائدة مثلتها انتخابات بلدية وتشريعية في سنوات 1990 و 1991، إلا أن هذه التجربة الرائدة أجهضت بانقلاب العسكر الجزائري على نتائج الانتخابات وإلغائها وحل الجبهة الإسلامية للإنقاذ الفائزة بهذه الانتخابات واعتقال رموزها ومنهم الشيخ علي بلحاج والشيخ عباسي مدني، لتدخل الجزائر في مسلسل دموي راح ضحيته العديد من الأبرياء واستمر طيلة العشرية بين 1990 و2000،  هذه هي جذور قصة محنة أهل الجزائر مع آمال الانعتاق والتحرر، إن هذه الذكرى تمكننا من فهم ما يجري حاليا بتونس والجزائر،  وهذه الذكرى غايتها استخلاص عبر يمكن تكثيف أهمها في التالي: 1.      أن مبتدأ أي تنمية حقيقية للبلاد هو سلامة الوضع السياسي، وسلامة الوضع السياسي يقتضي توفر شروطه من إطلاق تعددية سياسية حقيقية، وإقرار تداول فعلي للسلطة، وفسح أوسع مجال للحريات؛ 2.      أن خطر الاختناق السياسي ليس في صالح حتى الدولة المتحكمة في هذا الاختناق، ذلك أن غياب وسائط سياسية بين الدولة والمجتمع والتي من خلالها يعبر المجتمع عن تطلعاته وعن هواجسه وآماله، يؤدي إلى تعبير غير منتظر وعفوي وفي الكثير من الأحيان جد قاس، وقد يأتي على كل "منجزات" هذه الدولة؛ 3.      أن غياب إعمال المراقبة والمحاسبة في إدارة الشأن العام، له تداعياته على مستوى البلاد من حيث تنامي ظاهرة نهب المال العام واستغلال المناصب السلطوية من أجل أغراض شخصية، ومن حيث تنامي البعد الانتقامي لدى الجماهير الكادحة المراقبة من بعيد لهذه الاختلالات في التدبير والتسيير؛ 4.      أن الانتفاضات الشعبية هي في حد ذاتها إحدى تعبيرات قانون اجتماعي يسري على سائر الاجتماعات البشرية، وهذا القانون الاجتماعي مفاده أن هذه التعبيرات المجتمعية العفوية هي النتيجة القصوى التي قد يصل إليها المجتمع في حالة الاستمرار في عدم التجاوب الفعلي مع تطلعاته وآماله؛ 5.      أن آثار الظلم والاستبداد تظهر بداية عند النخب السياسية الشريفة المعارضة لسياستهما، والتي قد يتم صدها أو اعتقالها أو تهميشها أو نفيها أو احتواء البعض منها، لكنها حتما ستظل هذه الآثار تبرز بصماتها مع استمرار سريان هذا الظلم لتطال حتى شرائح القاع الاجتماعي، وحينئذ تتجلى مثل هذه الانتفاضات التي شهدنا في تونس والجزائر؛ إن المطالب الاجتماعية التي قد تعبر عنها مثل هذه الانتفاضات، هي ذات بعد سياسي إصلاحي عميق، إذ لا يكفي معها إقرار إجراءات استعجالية على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، مادامت البنية التي تنتج مثل هذه المشاكل الاجتماعية والاقتصادية لازالت قائمة، فماذا تعني هذه الإجراءات الاستعجالية دون إعمال مبدأي المراقبة والمحاسبة والتدبير الراشد للملك العام؟ وماذا تعني المراقبة والمحاسبة في غياب برلمانات مفروزة عبر انتخابات نزيهة حرة وديمقراطية، وفي غياب حكومات أنتجتها أغلبية عبر هذه الانتخابات، وفي غياب إقرار تداول فعلي على السلطة؟ حفظك الله يا جزائر المليون شهيد ويا تونس الأبية بأهلها الشرفاء، ونصبح وإياكم على دول يعز فيها المواطن وأهله ويذل فيها الخائن والظالم والمستبد وأهليهم. كتبه ذ.أحمد بوعشرين الأنصاري    في مكناس بتاريخ 04 صفر 1432 الموافق 09 يناير 2011

 

في الموسوعة

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©