نصوص
كفاءاتنا المنفية : رشيد خشانة
كفاءاتنا المنفية .... أمضى أكثر من عشرة آلاف منفي تونسي ما يزيد عن العشرين سنة في المهاجر المنتشرة في أصقاع العالم بعيدا عن عائلاتهم ووطنهم. وطبقا لتصريحات عدد من المسؤولين في الحكومة فإن هؤلاء لن يستطيعوا العودة إلى بلدهم إلا بعد تسوية وضعهم مع القضاء، أي أن السجن في انتظارهم أسوة بما حصل للدكتور أحمد العش الذي لم يعد يحتمل التشريد والنفي عن وطنه (رغم مركزه العلمي المرموق في فرنسا) فاستقل الطائرة وهبط في مطار قرطاج. لم يجد الدكتور العش الترحاب أو مجرد القبول البارد، وهو الذي ظل ممنوعا من حقه في
- 4 سبتمبر 2009
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
0
كفاءاتنا المنفية ....
وطبقا لتصريحات عدد من المسؤولين في الحكومة فإن هؤلاء لن يستطيعوا العودة إلى بلدهم إلا بعد تسوية وضعهم مع القضاء، أي أن السجن في انتظارهم أسوة بما حصل للدكتور أحمد العش الذي لم يعد يحتمل التشريد والنفي عن وطنه (رغم مركزه العلمي المرموق في فرنسا) فاستقل الطائرة وهبط في مطار قرطاج. لم يجد الدكتور العش الترحاب أو مجرد القبول البارد، وهو الذي ظل ممنوعا من حقه في جواز تونسي، بل سيق فور إلى المحكمة وصدر في حقه حكم بالسجن أربعة أعوام.
هذا المثقف المعروف هو أنموذج للنخب التونسية المشردة التي تُرك التعامل معها لعقل أمني ضيق الأفق، فكانت النتيجة إهدار عشرات الآلاف من الطاقات ما أحوج تونس إليها اليوم وهي تتطلع لبناء نهضتها. وأينما سافر المرء فإنه يصادف عشرات الخبراء والكفاءات التونسية النابهة في مختلف الميادين التي تُعطي عصارة علمها للبلدان الأجنبية مُكرهة لأن باب العودة إلى وطنها موصد في وجهها لأسباب سياسية. ولاشك أن البلدان التي تُفرط في ثروة من هذا الحجم قليلة في العالم
فمنذ رحيل الأنظمة الإستبدادية من معظم المناطق عاد المنفيون إلى أوطانهم وانتهى عصر الملاحقات والتشريد.
تتعلل السلطة بوجود أحكام عدلية ضد كثير من هؤلاء المنفيين فيما يتوجس آخرون منهم ممن لم يتعرضوا للمحاكمة من إخضاعهم للمساءلة القضائية حال عودتهم إلى البلاد، في ظل قضاء غير مستقل وسيطرة مطلقة للأجهزة الأمنية. والسؤال الذي يتردد دوما إزاء هذا المأزق الذي وضع الحكم بلادنا في أتونه هو : إلى متى ستستمر هذه اللعبة الشيطانية؟ وكم ستدفع تونس من طاقات مشردة ينتفع الآخرون بخبرتها ويُحرم منها الوطن الذي أنجبها، فضلا عن المآسي الإجتماعية والإنسانية التي تتجرعها آلاف العائلات نتيجة الفصل القسري والتشريد؟ إنه سؤال من النوع الذي لا يملك أحد الإجابة عليه، بمن فيهم أركان الحكم الذين لا يعرفون متى ولا كيف يستطيعون السيطرة على المقصلة التي تدور بلا توقف. لكن تونس لا يمكن أن تتحمل هذا الهدر المنهجي لقسم هام من طاقاتها إرضاء لقلة من الإستئصاليين الذين لم يدركوا بعدُ أن العالم تغير وأن بضاعتهم باتت غير قابلة للتداول في أي مكان من العالم. لقد آن الأوان لوقفة جسورة ومراجعة جوهرية لخيارات لم تحصد منها البلاد سوى المآسي ولم تقُدها إلا إلى المآزق والمطبات
أمضى أكثر من عشرة آلاف منفي تونسي ما يزيد عن العشرين سنة في المهاجر المنتشرة في أصقاع العالم بعيدا عن عائلاتهم ووطنهم.
وطبقا لتصريحات عدد من المسؤولين في الحكومة فإن هؤلاء لن يستطيعوا العودة إلى بلدهم إلا بعد تسوية وضعهم مع القضاء، أي أن السجن في انتظارهم أسوة بما حصل للدكتور أحمد العش الذي لم يعد يحتمل التشريد والنفي عن وطنه (رغم مركزه العلمي المرموق في فرنسا) فاستقل الطائرة وهبط في مطار قرطاج. لم يجد الدكتور العش الترحاب أو مجرد القبول البارد، وهو الذي ظل ممنوعا من حقه في جواز تونسي، بل سيق فور إلى المحكمة وصدر في حقه حكم بالسجن أربعة أعوام.
هذا المثقف المعروف هو أنموذج للنخب التونسية المشردة التي تُرك التعامل معها لعقل أمني ضيق الأفق، فكانت النتيجة إهدار عشرات الآلاف من الطاقات ما أحوج تونس إليها اليوم وهي تتطلع لبناء نهضتها. وأينما سافر المرء فإنه يصادف عشرات الخبراء والكفاءات التونسية النابهة في مختلف الميادين التي تُعطي عصارة علمها للبلدان الأجنبية مُكرهة لأن باب العودة إلى وطنها موصد في وجهها لأسباب سياسية. ولاشك أن البلدان التي تُفرط في ثروة من هذا الحجم قليلة في العالم
فمنذ رحيل الأنظمة الإستبدادية من معظم المناطق عاد المنفيون إلى أوطانهم وانتهى عصر الملاحقات والتشريد.
تتعلل السلطة بوجود أحكام عدلية ضد كثير من هؤلاء المنفيين فيما يتوجس آخرون منهم ممن لم يتعرضوا للمحاكمة من إخضاعهم للمساءلة القضائية حال عودتهم إلى البلاد، في ظل قضاء غير مستقل وسيطرة مطلقة للأجهزة الأمنية. والسؤال الذي يتردد دوما إزاء هذا المأزق الذي وضع الحكم بلادنا في أتونه هو : إلى متى ستستمر هذه اللعبة الشيطانية؟ وكم ستدفع تونس من طاقات مشردة ينتفع الآخرون بخبرتها ويُحرم منها الوطن الذي أنجبها، فضلا عن المآسي الإجتماعية والإنسانية التي تتجرعها آلاف العائلات نتيجة الفصل القسري والتشريد؟ إنه سؤال من النوع الذي لا يملك أحد الإجابة عليه، بمن فيهم أركان الحكم الذين لا يعرفون متى ولا كيف يستطيعون السيطرة على المقصلة التي تدور بلا توقف. لكن تونس لا يمكن أن تتحمل هذا الهدر المنهجي لقسم هام من طاقاتها إرضاء لقلة من الإستئصاليين الذين لم يدركوا بعدُ أن العالم تغير وأن بضاعتهم باتت غير قابلة للتداول في أي مكان من العالم. لقد آن الأوان لوقفة جسورة ومراجعة جوهرية لخيارات لم تحصد منها البلاد سوى المآسي ولم تقُدها إلا إلى المآزق والمطبات
رشيد خشانة