كتاب يُـحصي حـتى "أنفاس" المهاجرين التّونسيين بقلم: جوزف غطاس كرم
أن تكتب قصيدةً، أو ترسـم لوحةً، فإنـما تعبـر عن ذاتك الثقافية، ونظرتك إلى الحياة والكون والفن. أمّا أن تؤرخ، فتلك مسألة أشد تعقيداً لأنـها ليست مسألة مشاعر ورؤية. فالتأريـخ عمل مسؤول يرتبط بالماضي والـحاضر والمستقبل، وهو عمل ذات مسؤولية تتطلب البحث والتدقيق والموضوعية والربط والاستنتاج ونكران المشاعر الذاتية قدر المستطاع، لأن المؤرخ يكتب الأحداث كما حصلت وليس كما يـحلو له، ويبني استنتاجه على التاريـخ والشهود والأرقام ليصبح صادقاً في إحصاءاته، وصارماً في أحكامه. على هذا الدرب الوعر سار العضو المؤ
- 17 يونيو 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
أن تكتب قصيدةً، أو ترسـم لوحةً، فإنـما تعبـر عن ذاتك الثقافية، ونظرتك إلى الحياة والكون والفن. أمّا أن تؤرخ، فتلك مسألة أشد تعقيداً لأنـها ليست مسألة مشاعر ورؤية.
فالتأريـخ عمل مسؤول يرتبط بالماضي والـحاضر والمستقبل، وهو عمل ذات مسؤولية تتطلب البحث والتدقيق والموضوعية والربط والاستنتاج ونكران المشاعر الذاتية قدر المستطاع، لأن المؤرخ يكتب الأحداث كما حصلت وليس كما يـحلو له، ويبني استنتاجه على التاريـخ والشهود والأرقام ليصبح صادقاً في إحصاءاته، وصارماً في أحكامه.
على هذا الدرب الوعر سار العضو المؤسس في حزب "المؤتـمر من أجل الـجمهورية" المهندس ـ الـخبيـر في الأنظمة المعلوماتية الأستاذ عماد الدائـمي في كتابه " المُهجّرون التّونسيّون من هـم؟ " لينفض الغبار عن فئة من المُهجّرين السياسيين التّونسيين الذين أٌخرجوا من بلادهم عنوةً، وطردوا عندما أحتكر النظام في أزمنة معينة تـمثيل كافة الأطياف السياسية والفكرية والاقتصادية في تونس.
كما كشف عن أوضاع المهاجرين التّونسيين بشكل عام، هؤلاء الذين استـحالت عليهم لقمة العيش في الوطن من غيـر أن يتـعرضوا للملاحقة الأمنية والسجن، فتفرقوا عمالاً ونـجحوا تـجاراً، أو أدباء أو نقابين أو شـهداء، هؤلاء الذين إذا مشوا أو نظروا أو كتبوا أو غضبوا أو أحبوا أو بكوا يـعطون في كل حالة من هذه الـحالات نكهة للتاريـخ، لأن سيـرتـهم الذاتية تشكل مادة من مواد التاريـخ المأساوي للـهجرة التونسية.
صدر الكتاب عن " المنظمة الدوليّة للمهجّرين التّونسيين" وخطّت مقدمـته الدكتورة فيوليت داغر، "رئيسة اللجنة العربية لـحقوق الإنسان"، ومواده مؤلفة من تسعة عناوين رئيسية، يتفرع من كل عنوان حلقات استبيانية متنوعة مترابطة بشكل علمي ترابطاً متيناً ومتراصفاً بـحيث تشكل كُلاٍّ موحّدّاً.
بدايةً، أود أن أعتـرف بأنني وجدت أن هذا الكتاب هو تأريـخي، توثيقي، يشكل نافذة مضيئة على المهجّرين السياسيين، والمهاجرين التونسيين، فيه كل الـجدّية والـجهد، واختـرت أن أقرأه كما أريد لأستـخلص منه ما أريد، غيـر أني في اختياري هذا لم أكن إلا مـحباً للشعب التّونسي مقيماً كان أم مهاجراً.
في افتتاحيتـه للكتاب عرّف المؤلف بأسباب الـهجرة السياسية في العالم بأسره، وبـحقوق المهاجرين السياسيين المعتمدة في الأمم المتحدة، وبعض الدول العربية، وأشار إلى تاريـخ الـهجرة السياسية في تونس منذ زمن الاستـعمار الفرنسي مروراً بعهد " بورقيبة" وصولاً إلى عهد " بن علي " الذي سرعان ما تنكر لوعوده الوردية بشنّ حـملة قمعيّة شديدة القسوة دفعت بالعديد من النشطاء السياسيين بالانضمام إلى المهجّرين المقيمين أصلاً بالمهاجر.
كما يـحدّثنا عن دور المهجّرين التّونسيين في تدعيم الثقافة العربية ـ الإسلامية بكل قيمّها وتاريـخها ومقوماتـها وتراثـها بين أبناء المهاجرين العرب والمسلمين، ومـمارستهم مثاقفة الآخر باعتزاز وثقة وانفتاح رافضين كل قوقعة بين أبناء البلد المضيف.
ثـم يشرح لنا منهجية البحث في الاستبيان، أهدافه، والتوزيع الـجغرافي للمشاركين فيه، ويـخبـرنا عن وضعهم قبل مغادرتـهم أرض الوطن، والمناطق التي هُجرّوا منها، أو هربوا منها، ومعاناتـهم الشخصية والعائلية التي خلقتها الـحـملات التـعسفية التي مارسها النظام ضدّهم، من الملاحقات، والاعتقالات، والأحكام القاسية مما أضطرهم إلى استنباط العديد من أساليب الـفرار من ذاك الـجحيم.
ويؤكد أيضاً، أن التهجيـر السياسي تطور تطوراً خطيـراً ابتدأً من أوائل التسعينيات بسبب القمع الشديد لرجال الأعمال، المثقفين، النقابين والإعلاميين من كافة الأطياف السياسية، ومعظم هؤلاء هرب على أمل العودة القريبة، إلا أن أكثـرهم لم يـعد إلى الوطن.
ويسرد لنا نـماذج من النجاحات والانـجازات التي حققها بعض المهجّرين السياسيين الذين استطاعوا أن يوفقوا بين أدوارهم السياسية الوطنية وطـموحاتـهم الفردية، وقد أخذوا مكانتهم الـحقيقية التي يستـحقونـها بين إخوانـهم المهاجرين، وأبناء البلد الأصليين، وقد أعتبـر أن أمل تونس بالتحرر مرتبط بـهذه الفئة من المهجّرين السياسيين التي ضحت بالكثيـر في سبيل التكامل والتوحد مع إخوانـهم في الوطن، والتي استنـفدت حدود الممكن في سبيل وطنها.
وعرّج على بعض المهجّرين السياسيين الذين نضبت مـحبتهم لوطنهم فانصرفوا إلى تـحسين ظروف حياتـهم الدنيوية، المادية والعلميّة، فلم يوفقوا بين نـجاحهم الفردي ونـجاحهم الوطني، فبدلاً من أن يستخدموا إمكانياتـهم المادية والعلمية لـخدمة أبناء وطنهم، استثمروها لتـحقيق ذواتـهم الفردية.
يستـعرض مشاريع العفو العام، والاتفاقات الفردية مع السلطة بـهدف العودة لرؤية الأهل والوطن، وحالة المهجّرين الذين ينامون على وعد، ويستيقظون على سراب، ولا يؤلف بينهم عقد أو فكر أو هدف، يتـخبطون في ما يريدون وما لا يريدون، تعصف بـهم رياح وأهواء، وتنتابـهم مصالـح ومآرب.
ويشيـر إلى المهجّرين الذين اكتسبوا جنسيات الدول التي سـمحت لـهم بالإقامة في أراضيها، معتبـراً أنّـه ليس من العدل أن تـحرمهم دولتهم الأم من حقوقهم وامتيازاتـهم الوطنية لمـجرد أنـهم تـجنسوا بـجنسيات غريبة.
وقد كانت نظرته وردية جداً بـخصوص مـحافظة الأبناء على هويتهم التونسية، ونـحن نـخالفه فيها الرأي كوننا نعيش في المهجر منذ سنوات عديدة، وقد رأينا عدداً كبيـراً من أبناء الـجيل الثاني للمهاجرين يهتمون بأمورهم الـخاصة وبوطنهم الثاني أكثـر بكثيـر مـما يهتمون بأهلهم ووطنهم، ولعل الجيل الثالث قد لا يفكر في وطن الآباء والأجداد إلا نادراً.
في حلقة " عودة أم هجرة جديدة نـحو الوطن" يظهر الاستبيان قلق المهاجرين من إمكانية العودة إلى الوطن بسبب الظروف التشريعية والقانونية الـحاضرة المتبعة التي لا تطمئنهم إلى مصيـرهم، ومصيـر أموالـهم، ويبدو من هذا الاستبيان أن ثروة المهجّرين، والمهاجرين ثروة لا يستهان بـها، فإذا عادوا وجلبوا معهم أموالـهم يـحدثوا انتـعاشاً مالياً واقتصادياً، ولكن الانتعاش سيكون مؤقتاً بسبب السياسة الاقتصادية التي لا تـحمي الرأسـمال الوطني، ولا تسهل الـحركات التجارية الواسعة.
قلت أنً تقييمي للكتاب سيكون من زوايا مـختلفة عن القراءات المباشرة، فقد أردت أن أرى فيه الـخلاصات وليس مضمون النص ودقة الـحدث، مع أنّـه كان مسـحاً شاملاً لأحوال المهجّرين، والمهاجرين، السياسية، الفكرية، الاقتصادية، الاجـتماعية والتنظيمية بـما فيها من نقاط قوة وضعف، حتى أنني أستـطيع القول إن هذا الكتاب قام " بإحصاء أنفاس" المهجّرين، والمهاجرين التونسيين في المهاجر، وكشف براعم الوعي عند بعض الأفراد، والأحزاب لـحقيقة المأساة المهجرية وحقيقة الـحل.
لعلي تسرعت قليلاً، ففي هذا الكتاب، تاريـخ من عمر الوطن، وجزء يسيـر من سيـرة شعبه العظيم، إنّـه حسب تعبيـر الأستاذ الطاهر العبيدي، الصحافي التونسي الذي مزج بين السياسة والثقافة والعمل الكفاحي في المهجر من خلال عباراته الموشومة في الغلاف الأخيـر:
" حلماً في لون العرق المستخرج من نواصي الذين يرفضون الاستكانة والسكون، ويؤمنون أن التاريـخ المشرق لا يكتب بغيـر التعب والشجون، وأن الذاكرة الصاحية مقاومة ضدّ الفعل المهزوم"
وإذا كان المهندس ـ الـخبيـر في الأنظمة المعلوماتية الأستاذ عماد الدائـمي يلتقي مع كثيـرين مـمن عاصروه أو سبقوه في تصوير واقع المهاجرين التونسيين خلال السنين الماضية، فإنّـه في إطلالتـه بـهذا الكتاب يشكل تأسيساً لكل الكتابات التي ستطال هذا الموضوع، لأن كتابه هذا الذي نـحن بصدده، هو مـحاولة جادة، وأصيلة لوضع المنهجية، ومأسستها في العمل المؤسساتي، التنظيمي المفتـرض التداول فيه لتطوير المفاهيم الاستراتيجية ـ المهجرية في تونس.
فالمؤسسات السياسية الرسـمية، الـحزبية والشعبية بـحاجة ماسة إلى دراسات علميّة جادة تـهدف إلى تـحسين ظروف الـحياة المهجرية التونسية، وباعتقادي أن هذا الكتاب هو أجـمل هدية من مهاجر عتيق، مـتخصص، إلى المؤسسات الرسـمية، والمنظمات السياسية والمدنيّة في تونس، وهو لا غنـى عنـه للمفكرين والمثقفين والاخـتصاصيين والمتمرسين في الـحياة الوطنية الذين يضعون نصب أعينهم إخراج تونس من مـحنتها، والاستـفادة من القوتين المادية والمعنوية للمهاجرين التونسيين.
آمل أن يكون هذا الكتاب الـخارج عن المألوف بداية لنمط جديد، ومنهجية جديدة، وقواعد وآليات جديدة لترشيد المسيـرة الوطنية في المهاجر التونسية.
يبقى أن أقول إن المهندس ـ الـخبيـر في الأنظمة المعلوماتية الأستاذ عماد الدائـمي، هو من الأعضاء المؤسسيين لـحزب " المؤتـمر من أجل الـجمهورية" الذي نـجح في نشر مبادئه بين الشباب المتعلّم والمـثقف، ونظّم حركة شبه سريّة ناضلت تـحت أنف المستبد وعيون جواسيسه، قد أثبت إيـمانه بوطنه، وتبيّن أنـه من أهل الصراع، فلم ينطوِ في مهجره على نفسه، بل التـزم بقضايا شعبه حـتى الامتلاء، ونذر نفسه للجهر بـما امتلأت به النفس وفاضت، وهو السر الذي جعل منه رسولاً لوطنه، ولـحزبه، بالقول والفعل، وهي العلامة الفارقة بين مهاجر تونسي ملتـزم وآخر غيـر ملتـزم.
فله كل الشكر والتقدير، وإن كان عمله هذا يدعوه إليه الواجب الوطنـي والـحزبي.
من خلال تـمعني في صفحات الكتاب راودني الـحلم أن أبصر مؤسسات رسـمية، حزبية، تـخـتصر المسافات بين ليل المهجر وفجر الوطن.