قول في السّلطة الرّابعة
أنور الجمعاوي* يُعدّ المشهد الصّحفي في أيّ بلد علامة دالّة على مدى تقدّمه ودرجة انفتاحه، فكلّما كانت الصّحافة حرّة، تعدّدية، ناطقة بهواجس المواطن وأحلامه وشواغله، مواكبة لطموحات النّاس وأسئلتهم، كانت صحافة حيّة ورافدا من روافد التّحديث والتّطوير في المجتمع. وقد احتفلنا في تونس هذه السّنة باليوم العالمي لحرّية الصّحافة، ولأوّل مرّة في تاريخ البلد، في جوّ غير مسبوق من الشفافيّة والتعدديّة التي نتمنّى أن تدوم، فقد عبّر الصحافيّون عن آرائهم ومواقفهم في غير خوف من سلطة الرّقيب وفي غير حذر من مقصّ الص
- 28 يوليو 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
أنور الجمعاوي*
يُعدّ المشهد الصّحفي في أيّ بلد علامة دالّة على مدى تقدّمه ودرجة انفتاحه، فكلّما كانت الصّحافة حرّة، تعدّدية، ناطقة بهواجس المواطن وأحلامه وشواغله، مواكبة لطموحات النّاس وأسئلتهم، كانت صحافة حيّة ورافدا من روافد التّحديث والتّطوير في المجتمع. وقد احتفلنا في تونس هذه السّنة باليوم العالمي لحرّية الصّحافة، ولأوّل مرّة في تاريخ البلد، في جوّ غير مسبوق من الشفافيّة والتعدديّة التي نتمنّى أن تدوم، فقد عبّر الصحافيّون عن آرائهم ومواقفهم في غير خوف من سلطة الرّقيب وفي غير حذر من مقصّ الصنصرة، وفي غير مدح أو مناشدة، أو مباركة لمنجزات السيّد الرّئيس.
ومعلوم أنّ التعدّد ظاهرة مفيدة، فهو يساهم في إثراء المشهد الإعلامي، ويخرج به من الأحاديّة إلى الكثرة ومن النمطيّة إلى التنوّع، ويوفّر للمتقبّل مصادر مختلفة لتلقّي المعلومة، كما يسمح له بالتّعبير عن شواغله عبر منابر إعلاميّة شتّى. لكنّ التمتّع بنعمة الحرّية لا يمنع من التّنبيه من أنّ العمل الصحفي يقتضي لزوم الدقّة في نقل الخبر، وانتحاء نحو الموضوعيّة في مقاربة الظّواهر والقطع مع صحافة الإشاعة، ونهج الصّحف الصّفراء في التّنكيل بالمخالف، وتشويه المعارض، وأبْلسة من لم يكن على رأي الحاكم.
والحقيقة أنّ دور الصّحافي الآن وهنا دور تاريخي بل ريادي بامتياز، فهو المؤهّل أكثر من غيره لمواكبة الواقع ولاستشراف المستقبل، والتّأسيس لدولة الأنوار وجمهوريّة الحقّ والواجب، فالصّحافة سلطة فكريّة ومعنويّة وإعلاميّة تساهم في تشكيل الوعي الجمعي، وفي تأمين الرّقابة النّزيهة، والمتابعة الرّصينة لمنجزات بقيّة السّلطات الفاعلة في جهاز الدّولة، أعني السّلطة التشريعيّة والسّلطة التّنفيذيّة والسّلطة القضائيّة. ومن ثمّة فالصّحافي رقيب على الحاكم والمحكوم على السّواء، وهو قناة للتّواصل بين الطّرفين جميعا، وهو إلى ذلك معنيّ بتنوير النّاس وكشف الحقائق في غير تهويل، ومعنيّ بنقل الخبر وتحليل الوقائع وتوصيف الرّاهن في غير تمجيد أو تهوين. لذلك فنحن اليوم في أشدّ الحاجة إلى صحافة جديدة، حرّة ومسؤولة، تنأى بنفسها عن التحزّب والتّحزيب، وعن خدمة أجندات داخليّة أو خارجيّة ضيّقة، وتكون واعية باقتضاءات الظّرف التاريخي الذي نعيش، وقادرة على المساهمة الفاعلة والبنّاءة في تأمين الانتقال السلمي نحو الدّيمقراطيّة ونحو المدنيّة المعاصرة.
ولقد سئمنا على امتداد عقود خلت أولئك الذين يرون الأمور بعين واحدة ومن زاوية واحدة، وينصّبون أنفسهم أوصياء على الحجر وعلى البشر، فينطقون بَدَلَ النّاس، ويدّعون أنّنا أصحاب معجزات وما نحن بذلك. ويدّعون أنّنا نعيش في جنّات عَدْنٍ ونحن منها ومنهم براء، بل نحن خارج التّاريخ كنّا. لكنّهم أبوْا إلاّ تكريس صحافة التّمجيد والتخويف، ومنطق الدّيماغوجيا وثقافة التّهافت فخسروا النّاسَ وخسر الوطنُ.
من هنا فالحاجة أكيدة إلى صحافة المصارحة والمحاسبة والمقاربة الموضوعيّة النّاقدة للماضي والحاضر والمستقبل. ومعلوم أنّ هذا الأمر لا يكون في مقدور الصحافيّ إلاّ إذا أمن على نفسه وماله وعِرْضِه، وتيسّر له بلوغ مصادر الخبر ومراجع المعلومة ومواقع المعاينة الميدانيّة في غير قمع أو كتم أو بيروقراطيّة أو تكلّف.
والحقيقة أنّي قد أُصِبْتُ مؤخّرا بحالة من الذّهول لمّا رأيت مشاهد الكرّ والفرّ بين المتظاهرين وبين الشّرطة، واستوطنتي الدّهشة وأنا أرى البوليس ينهر الصحافيّين ويمنعهم من التّصوير، وينهال على آخر بالضّرب وينعت سواه بأبشع النّعوت، وتوقّف عندي الزمّن وقتها، وعادت بي الذاكرة إلى ما قبل 14 جانفي 2011، وانتابتني حيرة لا توصف وأسئلة بلا نهاية وبلا جواب: هل ولّى زمن الثّورة وهل رحل بن علي وبقيت ثقافته؟ وهل تعني هيبة الدّولة انتهاك حرّية الصّحافي وامتهان كرامة المواطن ومصادرة حقّه في التظاهر السّلمي؟ أم أنّ قدر الصّحافيّ في البلاد العربيّة أن يظلّ ممنوعا مقموعا، مكتوما، مكلوما، مصادرا على مرّ الزّمان، قبل الثورات وبعدها؟
والظّاهر أنّنا في حاجة إلى ثقافة جديدة نتعلّم بمقتضاها مبادئ المواطنة، وكيفيّة الاحتجاج السّلمي وآدابه، ويتعلّم بمقتضاها البوليس ثقافة تأمين السّلامة وحراسة الحرّية، وثقافة احترام حقّ الشّعب في التّظاهر السّلمي، وحقّ الصّحفي في نقل الخبر، فالصّحفي مؤتمن على التّغيير نحو الأفضل، وهو إذ ينقل ما ينقل يروم كشف الحقائق ونقل الوقائع لتستبين الصّورة للنّاس، ويرتفع اللّبس عن الأذهان، وتتوطّد الثّقة بين المواطن وبين المسؤول، وبين الحاكم وبين المحكوم، وليس من مهامّ الصّحافي الانضمام إلى جوقة المناشدين ولا المتاجرة بالكَلم أو بالدّم أو بالقلم، وليس من مهامّه أيضا التّغطية على الواقع أو تلميع الواجهات المكسورة.
* جامعي