نصوص

قناة 'الجزيرة' وطن للمعذبين؟

Normal 0 21 false false false MicrosoftInternetExplorer4 /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Normale Tabelle"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} قراءة في شعارها للم

0
16 نوفمبر 2009
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

قراءة في شعارها للمرحلة المقبلة 'شمسنا لا تغيب': قناة 'الجزيرة' وطن للمعذبين؟

ذاك هو عنوان شعار قناة 'الجزيرة' في المرحلة المقبلة، وبالتأمل في طيات هذا العنوان الجديد، نستطيع أن نستدل على إيحائية المعنى والأبعاد التي تستبطن التحول من مرحلة استفزاز الوعي، إلى الانتقال إلى مرحلة إشعاع العمق، ضمن آليات جديدة، تستفيد من سنوات المراكمة، وتستدعي لحظات الصعود والنزول وتستبق الآتي، من أجل التحول في اتجاه التوزع خارج مناطق التشخيص والتوصيف، للمرور نحو تعميق التجربة، عبر كساء جديد لا يلغي الموروث، ويجدّد المقاس وفق التدرّج في الأعمار والتطور في الأفكار، ولئن كان الشعار الجديد اختار الصعود فوق السحاب وملامسة العلياء، فيعني أن مهمّة القناة في المرحلة القادمة ستكون مهمة من الوزن الثقيل، ذلك لأن من اختار أن يشعّ على الآخرين لا يمكن إلا أن يكون في حجم الشعاع، وفي مستوى الإضاءة من خلال انتصار الشمس على الظلام، ليمكن لنا تمييز الثوب الجديد من الثوب القديم، ممّا يجعل القناة مرّة أخرى أمام امتحان لا نعتقد أنه يسير، خصوصا إذا ما اكتفت بترقيع الثوب القديم، وحاولت صبغه أو قصّ الكمامات، أو إضافة بعض الجيوب الخارجية، أو بعض الأحزمة التمويهية، ممّا يجعل المشاهد قد يتفطن إلى عملية 'البريكولاج'، فيصبح التغيير نوعا من الجراحة المغناطيسية التي تنتهي بانتهاء مفعول السحر البياني، أو نوعا من إشعال النار في الخطب المبتل.

ما وراء التعبير اللغوي

وحين نحاول وضع هذا الشعار أمام مرآة ما وراء التعبير اللغوي، تتراءى لنا أن قناة 'الجزيرة' اختارت ارتداء بدلات رواد الفضاء، في محاولة لتخصيب إعلام ظل في مختبرات التحميض لمدة 13 سنة، من أجل الاستجابة إلى منطق التطور، بالاعتماد على رأس المال الرمزي التي ادخرته القناة في أرصدة الذاكرة التجريبية، مستندة لرأس المال البشري الاحتياطي، قصد البحث في طبقات ثوب يتلاءم مع لسعات حريق الشمس، التي وإن كانت عنوان الإيقاظ والنور وعنوان الحياة، فهي في الجهة الأخرى عنوان الاحتراق والظمأ والعرق والحركة، وبالتالي فمن تعلقت همته بالصعود إلى الأعلى يعني أنه اختار ركوب الصعاب وتحمّل المشقة، وتحدّي قوانين جاذبية الاسترخاء والاستلقاء بين أحضان السبات، ولو حاولنا تفكيك هذا الشعار الذي يجمع بين اليقينية والتصميم في عدم الغياب والذبول والإصرار على الانتقالية إلى التغيير المنشود، فسنكتشف أن قناة 'الجزيرة' قد تنتقل من محطة التأسيس الأفقي وعملية رجّ الضمائر، إلى محطة التخطيط العمودي، وستخرج من فترة الكشوفات الصدرية إلى مرحلة ما فوق الأشعّة الحمراء، لمحاولة الاستبيان والتبيين، وبين طيات عدم الغياب الرمزي للكلمة، نقرأ أن هناك نوعا من الاعتداد بالنفس، ما يجعل القناة تحت المجهر، أمام شعار جديد كل حروفه توحي بتغيير كهربائي، وبين الوفاء لمبدئية الالتزام بصدقية هذا الوعد المسبوق، وبين تحقيق التغيير المنشود، تصبح القناة أمام اختبار مكشوف بين ما هو موجود وبين ما هو موعود، فتتمطط بذلك الأعناق للبحث عمّا وراء المقصود، خلف هذا الشعار الذي تمازجت فيه حرارة التعابير المستنسخة من بزوغ الشمس، والانتصار على فصول الصقيع، والتوثب في اتجاه الترحال نحو الاحتراق من أجل سموّ الأهداف.

ما الجديد التي ستتميز به القناة؟

وهنا يتساءل المشاهد بكثير من الفضول ماذا يمكن أن يغيّر شعار 'الجزيرة' الجديد؟ وماذا يمكن أن يضيف في واقع عربي تأكله الحرائق، وفي ظل انحباس سياسي يسدّ القلوب والأنفاس، وفي مناخ اقتصادي يؤذن بالخراب، أو لعل المشاهد يتساءل مرة أخرى ما الجديد الذي ستتمايز به قناة 'الجزيرة' في المرحلة المقبلة أمام طوفان المواقع الالكترونية، وانهمار الصحف والمجلات، وتضخم الفضائيات العابرة للقارات، وهل نحن بحاجة إلى شعارات أخرى وحالنا كما حالنا منذ عشرات السنوات ما زلنا نسدد الهزائم بالتقسيط وأخرى ندفعها بالفوائض، وما زلنا نجتر العطل الفكري ونمضغ الهوان السياسي، ونعاني من توحش الاستبداد، ومصابين بسكتة تاريخية، منذ مئات الأعوام ما زلنا نتخبط في كتب التاريخ عن من قتل الحسين ؟ ونبحث عن الجناة، ومن كان أجدر بالخلافة ومن المسؤول، ونجلد الأجساد ونلطم الخدود وننتف الرؤوس، وغيرنا يستفيد من هذه الخلافات ويؤجج فينا الفتن وينشر الحرائق ويمول الصراعات.

إعلام يحرض الانسان ضد نفسه

لعل المشاهد العربي الذي تنهمر فوق رأسه منذ عشرات السنوات كل فصول مفاوضات السلام الحدباء، يدرك أن 'الجزيرة' كما غيرها لا تملك حقيقة الأشياء، وأنها كما كل المحاولين المنحازين لتشخيص الداء لا تستطيع تغيير الفصول والألوان، وأنها لا تملك حلولا فضائية لكل عناوين الرسوب والاشتباك.
وبعصارة الجواب، ومن خلال مسيرة 13 عاما من البث والرأي والرأي المضاد، نسجل على كل الصفحات أن المشاهد وإن تحرّك من موقع التفرج على الأحداث إلى مناصرة الباحثين عن الوعي المفقود، الساعين إلى إيقاظ الحلم الموؤود، والانقلابيين على الفكر المهزوم، فهو بات يبحث عن إعلام يحرّض الانسان ضد نفسه، للانتقال به من سكونية الحجر إلى حركية النار وجدلية الأسئلة، إذ لا قيمة في نظره لإعلام يخاطب الفراغ، ففي ظل عملية المداهمة المستمرة وحالات المصادرة والتفتيش تبقى الروح بحاجة إلى وقود من الحرية، من هنا وبعيدا عن تواتر الشعارات وتراصفها، يبقى المشاهد المطعون في قوته، المغتال في وطنه، المقضوم في جيوبه، المذبوح في كرامته، ينتظر أن تكون 'الجزيرة' قلعة يحتمي تحت أسوارها كل الفارين من لسعات الاضطهاد الاجتماعي وكل المعذبين في صمت، وكل الشرائح المتوارية عن الأنظار، وكل الأفكار المبدعة الواعية بقضايا العصر، الآتية من نبض المكان ومن نبض الزمان، المتحصنة بإشراقات التاريخ الإنساني، والمستشرفة للمستقبل الآمل بعيدا عن التناطح الثقافي، والتقاتل الحضاري، والتراكل المذهبي، المعتمدة الحوار مبدأ والاختصاص مسلكا، والمعرفة منهجا والحجة دليلا وتثوير الوعي أسلوبا، من أجل إعلام لا يزحف على البطون، ومن أجل صورة انقلابية على الرداءة والسكون، من أجل خبر متدثر بعرق الجياع والفقراء، من أجل تحليل سياسي هادف، وبحث فكري ناضج، وحوار أدبي صارخ، وتحقيق ميداني عميق، ومن أجل حلم يرفض كساد الكلمات..وكساد الجماهير..

وطن يلغي الحدود والمسافات

فقناة 'الجزيرة' التي يطمح لها مشاهد ما بعد 13 سنة من الإرسال، هي تلك المحطة المرئية التي لا تتردد في فتح نوافذ تخترق الظلام، لأن الاعلام الجماهيري هو نزيف متواصل، وولادة شريفة من رحم الحنجرة والميكروفون ، ليكون فعل رقي وتغيير، ذلك لأن الإعلامي الحقيقي هو الذي يقف على الخط الفاصل بين الحياة والموت، بين المكتب والميدان..
فقناة 'الجزيرة' يرغب جمهور المشاهدين أن تكون وطنا يلغي كل الحدود والمسافات، ليحتضن كل المعذبين كل المثقفين المسكونين بهاجس البناء والتغيير، للمساهمة في تلاقح الحضارات، وتزاوج الثقافات لاستعادة الإنسان المفقود.


صحافي وكاتب تونسي مقيم بباريس
taharlabidi@free.fr

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©