نصوص

قفّافة الأمس، مناضلو اليوم...:خولة جبري

يقال أن الثورات تخطط لها العباقرة وتنفذّها الأسود وتأكلها الكلاب. ولكن هذه المقولة لن تنطبق على ثورة تونس، التي سمّاها البعض بثورة الياسمين، لكن لم يكن من نصيب الشعب فيها غير الرصاص والغاز المسيل للدموع والعصي والإهانات وفاحت فيها رائحة الموت. لذا أحبذّ أن أسمّيها بثورة الأحرار كما يقول البعض الآخر. سبحان مغيّر الأحوال، فقد ضرب الشعب التونسي رجال السياسة بعصاه السحريّة فحوّل "القفّافة" إلى "مناضلين" فتقاتلوا اليوم على خدمة الوطن وصون ثرواته، لكنهم نسوا أو تناسوا أمرا مهمّا ألا وهو أن الشعب الذي

0
28 يناير 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

 

يقال أن الثورات تخطط لها العباقرة وتنفذّها الأسود وتأكلها الكلاب. ولكن هذه المقولة لن تنطبق على ثورة تونس، التي سمّاها البعض بثورة الياسمين، لكن لم يكن من نصيب الشعب فيها غير الرصاص والغاز المسيل  للدموع والعصي والإهانات وفاحت فيها رائحة الموت. لذا أحبذّ أن أسمّيها بثورة الأحرار كما يقول البعض الآخر.

سبحان مغيّر الأحوال، فقد ضرب الشعب التونسي رجال السياسة بعصاه السحريّة فحوّل "القفّافة" إلى "مناضلين"  فتقاتلوا اليوم على خدمة الوطن وصون ثرواته، لكنهم نسوا أو تناسوا أمرا مهمّا ألا وهو أن الشعب الذي صمد تحت عصى الظلم وتعالت أنّاته ليال طوال ثمّ ثار وأعلن عصيانه فأريقت دماؤه وانتهكت حرماته وعذّب وسجن لكنه صمد فأطاح بالطاغية من عليائه  في ساعات معدودات فحوّله من الرئيس الجبّار إلى الرئيس الفارّ، نسوا أن هذا الشعب سليل أبو القاسم الشابي ولن تنطلي عليه حيلة زبانية بن علي ولن تخدعه دموع الوزير الأوّل على شاشة التلفاز. ولن يزيده إصرار الحكومة الإنتقالية على البقاء إلاّ قناعة بأنّ شيئا ما يجري في الكواليس وأنّ حيلة ما تحبك في أروقة قصر الحكومة بدعم أجنبي أو محلّي لتنال من نصره ولتحوّل ثورته إلى غبار . ليس الشعب التونسي الذي يسهل استغباؤه وخداعه.

صحيح أنه تمّ إخراسه تحت قبضة بن علي وتألّم في صمت لثلاثة وعشرين عاما فطمأن العالم بخضوعه وتقبّل العزاء في موت ضميره، لكنّه كان يحيك خطّة، خطّة الأسد الذي يتربّص بفريسته فلا يحرّك ساكنا حتّى يتأكّد من إحكام قبضته فينقضّ في الوقت المناسب. كذا كانت الحال بالنسبة لبن علي الذي نام واسترخى على كرسيّه بعد أن تأكّد من موت صوت الشعب فما لبث إلاّ وهو يستفيق من صدمته في السعودية فصار فريسة لشعبه.

بن علي نسي أن إرادة الشعب لا تموت وأنّ الأفكار لا تسجن ولا تؤسر ولا تغتيل.

رحل بن علي لكن رموز  نظامه بقيت جاثمة على صدر شعبنا فقد تحوّلوا بين ليلة وضحاها إلى مناضلين يتفانون في خدمة الوطن لكن كان ينقصهم عنصر مهمّ يسمّونه الثقة والمصداقيّة.

وعن الثقة والمصداقية سأذكر لكم قصّة للفيلسوف الصيني كنفوشيوس وهو أول فيلسوف صيني يفلح في إقامة مذهب يتضمن كل التقاليد الصينية عن السلوك الإجتماعي والأخلاقي. ففلسفته قائمة على القيم الأخلاقية الشخصية وعلى أن تكون هناك حكومة تخدم الشعب تطبيقاً لمثل أخلاقي أعلى.

ذات مرّة سأله أحد تلاميذه عن الشروط الواجب توفّرها في بلد ليتمتّع بالسلام وبحكومة مستقّرة، فأجاب بكل بساطة: هناك ثلاثة أمور فقط، السلاح الكافي والطعام الكافي وثقة الرعيّة. فأجاب التلميذ: إنها كثيرة، فأخبرني عن أي منها ستتخلّى أوّلا إن اضطررت لذلك؟ فقال كونفشيوس: أتخلّى عن السلاح، لأننا نستطيع العمل دون حماية عسكرية. فسأله التلميذ: وإن اضطررت للتخلّي عن آخر، فأيّهما ستختار؟

فأجابه كونفشيوس: نتخلّى عن الطعام. وأظاف: إن الموت يرافق البشر منذ سالف الزمان ولا مفرّ منه. ولكن لو غابت الثقة، لن يبقى لدى عامّة الناس ما يعتمدون عليه. الموت لا يعني أسوأ الأمور التي قد تحدث. إن الأمر الأكثر فظاعة هو الإنهيار والإنكسار اللذان يمكن أن يليا فقدان ثقة المواطنين ببلادهم.

هذا بالضبط ما حصل لبن علي من قبل فتكرّرت خطاباته وتتالت لكن دون جدوى، لأنه فقد ثقة المواطنين العزّل الذين خرجوا إلى الشارع لتلقّي الرصاص برحابة صدر لأن الموت كان أرحم من الخضوع لحكومة لا تثق بها بل وتمقتها وتلعنها في اليوم مليون مرّة ومع كلّ لعنة يزداد خزيك وازدراؤك من خضوعك. وهذا ما حصل بعد بن علي، ومع بقايا نظامه، فقد رفضهم الشارع التونسي وألقى بهم في مزابل الزمان، وأصرّ على إسقاطها حتّى لو طال الإنتظار وناموا في العراء.

لن يهدأ لبقايا ساسة بن علي بال مادام الشارع التونسي لا يثق بهم وبمخطّطاتهم، وخير دليل على هذا هو التعديل الوزاري الذي أعلنه محمد الغنوشي يوم الخميس فأطاح بدفعة جديدة من زبانية بن علي علّه يرضي الشعب التونسي وينال رضاه. وفي هذا الصدد أقول سيّدي العنّوشي إنّ الثقة كما الحريّة، إنها لا توهب إنّما تصنع.

الجبان فقط ينتظر قدوم الحريّة وإنّما الحرّ هو من يصنعها كما فعل شعبنا الأبيّ. والخائن هو الوحيد الذي يتوسّل ثقة الآخرين أمّا الأمين فيصنعها بأفعاله وأقواله.

كان تقديري لك سيكون كبيرا لو أنّك حاولت كسب ثقة الجماهير منذ البداية ولعبت الورقة الرابحة لكن ظللت تماطل وأخرجت كل أوراقك فخسرت ثقة الجماهير.

 

في الموسوعة

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©