قسم التعذيب...
في غمرة احتفالات تونس بذكرى "تغييرها المبارك" الثالثة والعشرين، وبالموازاة مع تصاعد المناشدات "لسيادته" حتى يستكمل مشروعه الوطني ويؤصل ثوابته! طلعت علينا أصوات تشهر بحالات تعذيب ـ زعمت أنها جديدة ـ ووصفتها بالفظيعة! ناقلة عن "متهم بالتخريب" أنه شكا للقاضي ممارسات يلجأ إليها أعوان التحقيق كلّما دعت الضرورة لحفظ الوطن من السقوط في أيدي العابثين، حيث أفاد المتهم أن المحققين عرّوه وأجلسوه على قارورة وأدخلوا عصا في دبره وصوروه ! ... ... ولا أدرى ما وجه الغرابة في الأمر، فالجيل الذي نشأ وترعرع مع "الت
- 18 نوفمبر 2010
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
في غمرة احتفالات تونس بذكرى "تغييرها المبارك" الثالثة والعشرين، وبالموازاة مع تصاعد المناشدات "لسيادته" حتى يستكمل مشروعه الوطني ويؤصل ثوابته! طلعت علينا أصوات تشهر بحالات تعذيب ـ زعمت أنها جديدة ـ ووصفتها بالفظيعة! ناقلة عن "متهم بالتخريب" أنه شكا للقاضي ممارسات يلجأ إليها أعوان التحقيق كلّما دعت الضرورة لحفظ الوطن من السقوط في أيدي العابثين، حيث أفاد المتهم أن المحققين عرّوه وأجلسوه على قارورة وأدخلوا عصا في دبره وصوروه ! ...
... ولا أدرى ما وجه الغرابة في الأمر، فالجيل الذي نشأ وترعرع مع "التغيير" يعلم أن هذه الأمور من الوسائل التي أذن بها "سيادته" في مشروعه المتميز لبناء تونس، والقائم أساسا على ظاهرتي "الهدم والبناء" اللتين أثبتتا نجاحا باهرا! ... فتونس اليوم ليست هي تونس قبل 23 سنة! ... كم من كيانات هُدمت وكم من ذوات عُدّلت وقُوّمت! ... ولا أدل على نجاح مشروع سيادته من تنازل الشعب طواعية عن سنة التداول وإصراره على التمسك "بسيادته" حتى آخر رمق!
لاشك أن أي وطني غيور يشك في نوايا دعاة حقوق الإنسان الذين يختارون أوقاتا مشبوهة للتشويش على الأعراس الوطنية! ... ففي الوقت الذي ما يزال فيه رئيس الدولة مُنهكا من إلقاء خطابه المطول الذي لم يجف مداده بعدُ بمناسبة التغيير! والذي وزّع فيه الهدايا والهبات.. و"أذن" بمّد الطرق وبناء الجسور وتكثير سواد "المعارضين" بالبرلمان، وزيادة منحة الأحزاب وسن قوانين التخوين، والوقوف على حاجات المواطنين في الغذاء والدواء، والأمن وما أدراك ما الأمن!
بين "سيادته" بحق وجدارة أنه لا يوضع في تونس خيط في إبرة إلا بعلمه وإذنه، فضلا عن العصي والقوارير! كل ذلك بما أنعم الله به عليه من حكمة وجهد ومال خاصّ سخّره لخدمة الشأن العام! حتى أنه لم يفت سيادته أن يجعل في بعض مراكز التحقيق كميات من البندق التونسي الأصيل لأنه يعلم أن أعوانه الذين يكرمون "نزلاءهم" من مالهم الخاصّ بالشاي والقهوة لا قبل لهم بشراء البندق!
وأمّا العصي والقوارير التي "يُكرم" بها نزلاء مكاتب أخرى تجاور مكاتب الشاي بالبندق، فهي غير مُكلفة! ... فالشجرة التي تعطيك البندق بأسعار خيالية هي ذاتها التي تمنحك ما تشاء من عصي غليظة دون ثمن!
نحن في تونس قد تصالحنا مع التعذيب وفهمناه وقبلناه فأصبح أمرا عاديا ومُسلّما به لدى مواطنينا الطيبين، الذين يعتبرونه وسيلة من وسائل التحقيق لحماية الوطن من الجريمة الفردية والمنظمة، وكلنا مستعدون ـ حبا لوطننا وفداء لزعيمنا ـ أن نتحمل الضرر الأصغر المتمثل في ترويع أفراد أو تعذيبهم من أجل دفع الضرر الأكبر بانفلات الأمن وعموم الجريمة!
وشيوع الهرج والمرج المنغص على استكمال المشروع الوطني للأسرة التي أكرمنا الله بقيامها على شؤوننا وتصريفها لأموالنا وأمورنا! وللمشككين فيما ذكرت من تسليم مواطنينا بأن التعذيب أمر عادي، أروي هذه القصة الصحيحة ـ سندا ومتنا ـ والتي تقول بأن قرويا طيّبا اضطر إلى النزول للعاصمة لقضاء شأن من شؤونه، ولا يعرف بها أحدا غير ابن عم له يعمل بالداخلية، قصده ليقضي حاجته، ولما ذهب إليه سُئل عن القسم الذي يعمل به، فأجاب بكل براءة أن ابن عمه "فلان الفلاني" يعمل بقسم التعذيب! ... تظاهر العون المسؤول بالاستغراب والانكار وقال للسائل والله لولا يقيني من سذاجتك لأخذتك لقسم التعذيب لتراه رأي العين!
وفي المحصّلة أجمع المواطن الساذج والعون "الفاهم" على وجود قسم التعذيب!
أعاذنا الله وإياكم من زيارته!
صـابر التونسي // 11 نوفمبر 2010 (كلمة)