قتل العقيد همجية وحماقة إستراتيجية
بسم الله الرّحمان الرّحيم من أنتم... من أنتم... ؟ تذكرونها جيدا... قالها لكم العقيد الهالك، لمّا برزتم له في السّاحات غاضبين لله ولأمّتكم، منتفضين ضدّ الظّلم، قالها مستهينا بكم بكلّ غرور... أريد أن أقولها لكم أنا أيضا بنفس الحدّة ونفس الغضب، من أنتم! ولكنّني لستُ أقولها لكم مستهينا بكم، وإنّما مُشفقا عليكم متحسّرا على غياب عقولكم في موضع كان ينبغي أن تكون فيه حاضرة! ولعلّ كلّ من له قلبٌ أوْ ألقى السّمع وهو شهيد، يقولها لكم معي بنفس التدبّر وبنفس الغضب، ونفس الشّعور.. أقول وفرْعونُكم يتهاوى متدحر
- 24 أكتوبر 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
بسم الله الرّحمان الرّحيم
من أنتم... من أنتم... ؟
تذكرونها جيدا... قالها لكم العقيد الهالك، لمّا برزتم له في السّاحات غاضبين لله ولأمّتكم، منتفضين ضدّ الظّلم، قالها مستهينا بكم بكلّ غرور...
أريد أن أقولها لكم أنا أيضا بنفس الحدّة ونفس الغضب، من أنتم! ولكنّني لستُ أقولها لكم مستهينا بكم، وإنّما مُشفقا عليكم متحسّرا على غياب عقولكم في موضع كان ينبغي أن تكون فيه حاضرة!
ولعلّ كلّ من له قلبٌ أوْ ألقى السّمع وهو شهيد، يقولها لكم معي بنفس التدبّر وبنفس الغضب، ونفس الشّعور..
أقول وفرْعونُكم يتهاوى متدحرجا، إن ثورتَكم المسلّحة يا إخوة الإسلام فيها وعليْها..! أي بمعنى: لم تكن نقيّة بالنّقاوة الّتي كانت تُرجى، وخصوصا في نهايتها،
فيوم وقع بأيديكم معمّر القذّافي وقتلتموه برصاصكم الطّائش الغير مضبوط دون محاكمة والله أعلم من كان وراء الأوامر بتعجيل القضاء عليه، و أعْلَمَ بمن أظفركم به، فقد ظهرتُم على شاشات الفضائيات بمظهر مخزٍ وغير حضاري، وبالخصوص وأنتم تجرُّون الطّاغية على الأرض وهو أعزل لا يقاوم، تُجهزون عليه بوحشية وهمجية أمام أعين العالم وأعدمتم إبنَه بعد أن ظهر على شاشات الدّنيا ورآه النّاس حيّا معافى، فعلتُم ذلك وكأنه ليس وراءكم لا قيادات سياسية ولا محاكم ولا قوانين تتولّى أمرَكم، ولا دين يضبط ما تفعلون، وكأنّ أيضا القتال ليست له أخلاقيات ولا حدود أو نواميس.. فمنْ أنتم إذن؟
أثائرون من أجل الحرّية أنتم ومُدافعون عن الحياة، أم أعداءٌ لها و جماعات من الهمج لا ظوابط تحكمكم ولا استراتيجيات تنظّم حركتكم!
ما الفرق بينكم وبينهم، وما الفرق بينكم وبين أعداء الأمّة الّذين قاتلوا في أفغانستان والعراق ونشروا الحقد والموت المسرَف فيه في المدنيين وأقاموا أبو غريب واستهانوا بالحياة واستعلَوْا على كلّ القوانين والمواثيق الدّولية تحت غطاء رسالة نشر الديمقراطية المزيّفة.
أي صورة سوّقتموها عنكم وعن نضالكم وعن أمّتكم الإسلامية الّتي لطالما ضجّت من هكذا همجية من أعدائها إذا حاربوها..
ألستُم أنتم أحفاد محمّد صلّى الله عليه وسلّم ؟ الّذي لمّا حمل الإسلام إلى أربعة أركان الأرض واضطرّ للقتال لإزاحة الظّلم من أمام الدّعوة لتنفَذَ إلى قلوب النّاس، قال له ربّه ولأصحابه معه " كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ " فهل علمتُم لماذا كان كُرها لهم إن كنتم تفقهون ؟ أجيبكم ؟ ليس لأنّهم كانوا يكرهون الموت فالعكس هو الصّحيح: إذ أولائك قلوبهم متعلقة بالجنان والحور العين المرصودة لمن يسبقَ إليه سيفُ كافرٍ فيشطره إلى نصفين.
ولكن كان القتال كُرْهٌ لهُم لأنّهم بالأساس هُم مبْعوثون ليَهَبُوا الحَياةَ ويحفَظوها وليس ليعْبثُوا بها ويُزهقوها...
لذلك جُرّ نبيُّكم صلّى الله عليه وسلّم وأصحابُهُ مُكرَهين إلى نحو بضعٍ وستِّين معركة مابين غزوات يقودها بنفسه وسرايا يُأمِّرُ عليها قادةً من أصْحابه، استقرّ على إثْرها أمرُ الأرْض وزال مِنْ عَلَى ظهْرها أهمّ معسْكرَات الظّلم والطّغيان وكان العدد الإجمالي للقتلى بين المسلمين و أعدائهم محيّرا لعقول الباحثين والمتأمّلين في تاريخ البشرية إذ لم يتجاوز 1284 قتيلاً فقط وكان هذا الإحصاء دليلا على تقديس الإسلام لحقّ الحياة وحرصه على صَوْنها ! في حين أزْهق قادة الحرب العالمية الثانية ما يناهز عن ستين مليونا تحت عنوان تحرير الشعوب، .
جدّكم محمّد عليه الصّلاة والسّلام قال له أحد أعدائه التّاريخين لما أسلم في النّهاية وبعد عشرين سنة من الإعراض والصَّدِّ والمواجهة - شاهدا في خلق رسول الله في القتال كما في السّلم بقوله : " لقد حاربْتُك فنِعْمَ المحارب كُنتَ، ثم سالمتُكَ فنِعْمَ المسالم أنْتَ ".
نبيّكم محمّد عليه الصّلاة والسّلام غضِبَ أشدّ الغضب من أحَدِ أصحابه لأنه قتل مشركا بعدما ألقى هذا الأخير سلاحه في إحدى المعارك مستسلما ناطقا بالشّهادة ولازال رسول الله عليه الصّلاة والسّلام يوبّخُه، ويشهّر ويُندّد بما اقترفه، و الصّحابي يتضرّع ويقول يا رسول الله لقد أعْمَلَ سيفَه في المسلمين وقتّل الكثيرَ منهم قبل أن يستسلم و النّبيّ يُعرِض عن أعذاره، حتّى تمنّى ذلك الصّحابي أنْ لو لم يكن في ذلك اليوم مُسلما حين اقْترف ما اقترفه ليُسلم بعده ويكون في حِلٍّ ممّا فعله.
كان نبيّكُم يُقاتل أعداءه بخُلقٍ، و يُحسنُ أسرَ أعدائه وَ يُأمّن قادتَهم على أنفسهم وفي بعض الأحيان يطلق سراح بعضهم حتّى ينطلق فيبلغَ حدود أرضه ثمّ يعود خاضعا مُستسلما .
ولست أقصُد طبعا أنّه كان عليكم أن تطلقوا مجرما أوغل في دماء اللّيبيّين ولكنّ الإجهاز عليه بتلك الطّريقة وهو أسير ذليل، مَطْعَنٌ في حضارتكم وقيمكم وعروبتكم وإسلامكم وما تدعون إليه.
الآن واجِهوا العالم بما فعلتُم، و واجِهوا منظمات حقوق الإنسان المزعومة و المواثيق الدّولية للحروب العرْجاء الّتي عهدْناها تتحرّك متى تشاء ضدّ أطراف دون أخرى ولقد بدأنا نسمع بعض الرّدود من هنا وهناك من ذلك استنكار المنافق ساركوزي الّذي لا مبدأ له ولا دين حيث رأى أنّ قتل القذافي بتلك الطريقة غير إنساني، وغيره من المنافقين.
هذا فيما يخص الجانب الأخلاقي للمسألة، أمّا إذا ما أصْغيتُم إلى الخبراء والمحلّلين في الجانب السّياسي والإستراتيجي فإنّكم ستكتشفون عجرفتكم وجهلكم بما تدور عليه الأرض من معارف سياسية ودهاء حرص الغير مأسوف عليه القذّافي أن يُحيّدكم عن الإلمام بها ومواكبتها طيلة عقود، ففي مقياس هؤلاء الخبراء ارتكبتم حماقة وكارثة استراتيجية لا مثيل لها فالرّأس الّتي تسرّعتم في قطْعها برعْونة وقلّة حكمة لو تريّثتُم قليلا وحكّمْتُم العدالة لأسقَطَتْ معها رؤوسا أخرى في العالم و لمكّنَتْ من كشف قضايا مهمّة لكلّ الأمّة وللعالم بأسره فضلا عن استرداد ثروات اللّيبيين بمرونة أفضل ودون غموض لكن " اللّوم بعد القضاء بدعة " كما يقولون
وإلى لقاء آخر إن شاء الله
مخلوف بريكي ــ فرنسا