في مرسم الأطفال بمصراتة.. فن يقاتل الديكتاتور
في مرسم الأطفال بمصراتة.. فن يقاتل الديكتاتور محمد الأصفر الطفل في ظل الحصار ووسط أتون الحرب ماذا ينبغي عليه أن يفعل؟ المدارس مقفلة، والشوارع خطرة بسبب القصف العشوائي التي تمارسه كتائب القذافي المجرمة التي لا تفرق بين مدني أو عسكري. يختبئ كلما استمع إلى صوت القذائف، وعندما يهدأ الجو ويشعر قليلا بالأمان يخرج كالكتكوت من بيضته ليلعب، أو بالأحرى ليقاتل هو أيضا عبر الفن. يدخل المرسم ويسلمه الفنان المشرف الأوراق والألوان ويمنحه الحرية في أن يعبر عن شعوره إزاء ما يحدث وما يرى وما يحس وما يعيش. فيا ترا
- 5 يوليو 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
في مرسم الأطفال بمصراتة.. فن يقاتل الديكتاتور
محمد الأصفر
الطفل في ظل الحصار ووسط أتون الحرب ماذا ينبغي عليه أن يفعل؟ المدارس مقفلة، والشوارع خطرة بسبب القصف العشوائي التي تمارسه كتائب القذافي المجرمة التي لا تفرق بين مدني أو عسكري. يختبئ كلما استمع إلى صوت القذائف، وعندما يهدأ الجو ويشعر قليلا بالأمان يخرج كالكتكوت من بيضته ليلعب، أو بالأحرى ليقاتل هو أيضا عبر الفن. يدخل المرسم ويسلمه الفنان المشرف الأوراق والألوان ويمنحه الحرية في أن يعبر عن شعوره إزاء ما يحدث وما يرى وما يحس وما يعيش. فيا تراه ماذا سيرسم؟ كيف سيقاتل بريشته هذه وبألوانه المختلفة؟
يجلس في هدوء إلى مقعده ويطلق لخياله العنان وتبدأ أصابعه المعركة، تعزف أنشودتها على الورقة البيضاء. تتعدد الألوان. يختفي اللون الواحد. تتضافر كل الألوان في عقد بديع اسمه "ليبيا". الأطفال يبتسمون. يرون بلادهم حرة على الورق، وعلى أرض الواقع. يبرهنون على ذلك بأنهم يرسمون بحرية ما يرغبون. لا أستاذ أو معلم يقول لهم ارسموا باللون الأخضر فقط. لقد حرر الثوار الصغار الألوان من الأسر. كل الألوان انتقشت على الورقة. رسمت كل شيء عاشته الثورة. الدم .. البارود .. النار .. الورد .. الابتسامات .. السماء الزرقاء .. السحاب الأبيض .. صيحات الله أكبر .. الشهداء .. أرغفة الخبز .. الراية الوطنية الجديدة .. الأناشيد الجديدة التي تتغنى بالثورة.
الأطفال يبكون. منهم من استشهد والده، ومنهم من استشهد عمه، وآخر أمه، وآخر أخته، الأطفال يبكون لكن يبتسمون. يرون هؤلاء الغائبين محلقين، يشاهدون رسوماتهم ويثنون عليها، ويشجعونهم. لم يرحلوا إلى الأبد، لقد سافروا وحسب، وحتما سيعودون. الأطفال يرسمون الشهداء، وينتظرونهم أمام مصطبة البيت أو الجامع.
نحن الآن في الثلث الأخير من شهر فبراير/شباط 2011 تقريبا. الثوار يحققون مكاسب كبيرة في الميدان، وفي قناة الجزيرة الفضائية والعربية والحرة والبي بي سي والفرنسية وقنوات لبنان نرى مظاهرات في معظم مدن ليبيا. الآن الصور من مصراتة وشاب مصراتي غير ملثم يصرخ بحماس:
لوحة طفلة مكتظة بالدلالات والمواضيع
"منورين يا شباب بنغازي .. شباب مصراتة معاكم .. معاكم على طول .."
وتثور مصراتة عن بكرة أبيها، شرقها وغربها .. جنوبها شمالها .. يد حرة واحدة تطرد ديكتاتورية القذافي وتركلها إلى الخارج. مصراتة حرة الآن. علم الاستقلال يرفرف فوق مبانيها كما رفرف طيلة 42 عاما في قلوبها. ويجن جنون الطاغية. مصراتة الشوكة التي انغرزت في حلقه، لتجعل ليبيا موحدة. الشرق الآن ينظر إلى الغرب. ينظر إلى مصراتة حيث سينطلق منها ومن شارع طرابلس بالضبط إلى طرابلس العاصمة لتحريرها. هذا الشارع الذي اسمه أيضا شارع رمضان السويحلي من شوارع العالم التي دخلت التاريخ. جن جنون الطاغية عندما ثارت مصراتة التي كان يعول عليها في قمع الثورة، فأمطرها بالقذائف، ودكها بالطيران، واقتحمها بواسطة دبابته، ليدخل على إثرها المرتزقة ويرتقون عمائر هذا الشارع وخاصة عمارة التأمين الشهيرة لتبدأ هذه الفرق القناصة في اغتيال خيرة شباب مصراتة، لكن هيهات. مصراتة لم تستسلم. نظمت صفوفها سريعا وشنت حرب تحرير شاملة، لتحرر هذا الشارع الذي هو قلبها. دفعت الثمن بسخاء. شبابها يتسابقون على اقتحام خطوط العدو. لا جبن ولا خوف ولا تردد. الجميع يبتغي الشهادة، يبتغي حرية ليبيا. امتلأ الشارع بالدمار .. الدبابات المدمرة .. أظرف الصواريخ الفارغة .. الآليات المحترقة .. جثث المرتزقة وكتائب القذافي المنتفخة والمتفحمة. كانت مصراتة نارا حامية، لا تنطفئ، لا تنخدع بالوعود ولا يغريها المال أو الجاه من أجل أن تستسلم وتنضم للطاغية.
الطاغية يجن جنونه. يحاصرها من جميع الجهات. يقطع عنها الكهرباء والماء والهواتف. يقصفها من أجل أن يبيدها. لكن مصراتة أقوى من النار، أقوى من كل الطواغيت. بركات الولي الزروق حمتها. أطفال صغار صمدوا ولم يغادروها. وكيف يغادرون صدر أم حنون حر سخي جدا.
كان هؤلاء الأطفال قد توقفوا عن الدراسة منذ بدء الثورة. لكن على الرغم من ذلك فإنهم يخرجون إلى هذه المدارس. لا يخشون قذائف الكتائب وقصفها. كانوا يجمعون ألوانهم من شارع طرابلس ومن زاوية المحجوب وكرزاز والدافنية وطمينة وميناء قصر حمد. ألوان حمراء طرية كونتها دماء الشهداء وبارود نيرانهم. كانوا يجمعون أحاسيسهم من أجواء الثورة. صيحات وهتافات حماسية. أشعار تمجد الشهداء والحرية. ملابس مرتزقة تركوها في الشارع وفي الشقق العالية التي كانوا يقنصون الشباب منها وفروا أو ماتوا بفعل نيران الثورة .. زغاريد من أمهات .. صرخات من نساء ثائرات وقعن في الأسر وتعرضن للتعذيب.
لوحة لطفلة شخوص وذخائر وأسلحة عجزت عن اغتيال الطفولة
كان هؤلاء الأطفال يجمعون تداعياتهم من مادة الثورة الدسمة. ينثرونها على الدرج ويفردون أوراقهم البيضاء كسجيتهم ويشرعون في الرسم .. رسم الثورة .. رسم الحياة .. رسم الصمود والمقاومة والثقة في النصر. يمر عليهم أساتذتهم. يبدون ملاحظاتهم. ثم يغادرونهم إلى جبهة القتال، تاركين هؤلاء الأطفال في جبهة الفن. قد يعود إليهم الأستاذ في اليوم الثاني ليطلع على رسوماتهم وقد يطلع على رسوماتهم في الجنة إن لم يعد واستشهد.
دعونا نقول إن هذه المراسم التي تم افتتاحها للأطفال داخل مدينة مصراتة المحاصرة هي خير تعويض لهم عن مدارسهم المقفلة. أيضا هي وسيلة لتفريغ شحناتهم التي يعيشونها أثناء الحرب على الورقة على هيئة فن. الطفولة تؤرخ للمعركة بواسطة الفن. قد يغفل الكبار عن تسجيل جزئيات مهمة، لكن الطفل ذكي. في لوحته يمكنك رؤية كل شيء. يمكنك أيضا قراءة لوحته فنيا للوقوف على عدة بؤر مهمة حاول خيال الطفل الغض أن يسلط عليها الضوء.
يقول الفنان المخضرم عدنان معيتيق الذي يحتاج إلى مقالة مفصلة لتناول جزء من أعماله المهمة، هذا الفنان الذي يعيش الحرب في الجبهة وفي المرسم داخل مدينة مصراتة، يقول عن رسومات الأطفال في المرسم الذي يشرف عليه صحبة عدد من الزملاء الفنانين:
"هنا الأطفال يرسمون أياما عصيبة مرت تتزحزح بثقلها على صدور أهل مدينة مصراته، لحظات البطولة والصمود، الانتصارات وجنازات الشهداء، الرعب، الخوف والقناصة، القنابل الانشطارية، قذائف الهاون والغراد، دماء، أشلاء، جثث منتفخة وملابس جنود فرو منها وتركوها ملقاة على الأرصفة في الميادين خوفا من مقاتلي المدينة الشجعان أو خجلا من أهل المدينة التي كانت مأوى وعون لكل مدن الجوار، عربات ودبابات مدمرة تم استهدافها من الثوار أمام مقهى السندباد في الطرف الشرقي لشارع رمضان السويحلي (شارع طرابلس)، مبنى عمارة التأمين القلعة التي كانت مرتعا للقناصة ونهاية التوغل لهذه الكتائب المجرمة".