في فلسفة الصيام
كتبه ابراهيم بالكيلاني (النرويج) الحديث عن فلسفة الصيام هو جزء من حديث عن فلسفة العبادة في الإسلام. فالصيام شعيرة اسلامية تجب على كل عاقل بالغ قادر. و هي عبادة موسمية تسبح في الزمن لتلامس مختلف الفصول: طولا و قصرا، حرارة و برودة. يتوقّف فيها الصائم عن ملذات الحياة من أكل و شرب و نكاح طوعا، بل حُبّا و رُقيّا بالنفس لتبلغ مدارج السالكين باتجاه " قمّة التقوى" التي هي المقصد الأسنى للصيام. يقول الحق تبارك و تعالى : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الّ
- 28 يونيو 2014
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
كتبه ابراهيم بالكيلاني (النرويج)
الحديث عن فلسفة الصيام هو جزء من حديث عن فلسفة العبادة في الإسلام. فالصيام شعيرة اسلامية تجب على كل عاقل بالغ قادر. و هي عبادة موسمية تسبح في الزمن لتلامس مختلف الفصول: طولا و قصرا، حرارة و برودة. يتوقّف فيها الصائم عن ملذات الحياة من أكل و شرب و نكاح طوعا، بل حُبّا و رُقيّا بالنفس لتبلغ مدارج السالكين باتجاه " قمّة التقوى" التي هي المقصد الأسنى للصيام. يقول الحق تبارك و تعالى : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)). البقرة 183. فإرادته هي التي تقود شهواته، و ليست الشهوات التي تقود الإرادات. و للصيام أبعادا و مقاصد :
- لا تُقبل العبادات و الأعمال إذا لم يكن مُوجّهها الإخلاص. فبالإخلاص يُبنى التوحيد، و تُصحّح العقيدة، و تضمحلّ معه و به حظوظ النفس المنشدّة إلى شهوات الأنا. و ربما لا نغالي إذا قلنا أن أكثر ما يبرز فيه "تخفّي" الفعل التعبّدي هو الصيام. فالصيام عبادة غير ظاهرة في حقيقتها بين الناس، و إن تظاهرنا بها. يقول الرسول صلى الله عليه و سلّم : " كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" (رواه الإمام البخاري في صحيحه). و من المعاني الظاهرة للحديث النبوي الشريف أن كل عمل يحتوي على حظ للإنسان فيه، ماعدا الصيام، فيترك فيه الإنسان حظ نفسه استجابة لأمر الله عز و جل. لذلك يكون الجزاء من الله تعالى على غير شكل الجزاء لبقية الأعمال.
- يتكثّف في الصيام معنى قـوّة الإرادة. لتبلغ معه الإرادة مبلغ التحكّم في الشهوة. إيمانا و اعتقادا بأن "مدرسة الصيام" هي مدرسة بناء الارادات الحرّة. و لم يكن من الصُّدف أن تخوض الأمة في شهر رمضان معارك مصيرية و يكون حليفها النصر. فالتحكّم الطوعي في سير الشهوة مقدّمة ضرورية للنصر. فالصيام يُنظّم العلاقة بين الإرادة و الشهوة، و يجعل من مقام الإرادة عاليا، و لكن الشرع الحنيف لم يشقّ على النفس البشرية بأن يُلغي حاجياتها و ما تتوق إليه من شهوة مشروعة، و يُكلّفها بما يتناقض مع خصائصها. فالمنع محدود، و ليس مطلقا و هو في مقدور الإنسان. و إذا تجاوز المنع حدود المقدور البشري، انتفى التكليف و دخلنا أبواب الرُّخص كحالة المرض و السفر و الكِبر و الصِّغر و غياب العقل (( يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ))..
- التقوى هي اللباس الذي ينشده الصائم، و يكدح بصومه صوبه. و عندما تكون التقوى المقصد الأسنى للصيام، يتحدّد معنى التقوى على غير التحديد المتداول. فالصيام إخلاص، و قوّة إرادة، و ضبط للشهوة، وتزكية نفس، و مشاركة في الشعور مع المحتاجين، و جهاد و اجتهاد.. و التقوى ثمرة مجموعها. فمع الصيام تكون النفس مرهفة، تطير بجناح الحب لتستبدل لذّة الشهوة بلذّة العبادة، و لذّة الشهرة بلذّة الستر و التخفّي، و لذّة النّهم بلذّة الاستزادة بالطاعات .. فالتقوى هي سعي الإنسان ليلامس معالي و قمم القيم. و الصوم مدرج أساسي للسالكين في طريق العبادة. (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)). البقرة 183.
- الصيام في أحد أبعاده المهمّة هداية للتغيير في نمط حياة المسلم. فما تعوّد عليه المسلم من عادات و سلوكيات طيلة شهور السنة، يأتي شهر رمضان ليغيّره بسلاسة و بصورة عميقة يعجز العقل البشري عن ادراك كنهها إذا سجن نفسه في أدوات النظر المعلومة. تغيير في المقاصد، و تغيير في توقيت الأكل و الشرب، و تغيير في الشعور، و تغيير في السلوكيات اليومية.. و الغاية الكبرى منها هو منح الإنسان القدرة على تحقيق التغيير متى أراد!!. فالتغيير إرادة، و الصيام يَبنِيها. و التغيير سلوك، و الصيام يعدّله. و التغيير قوّة، و الصيام يحميها. و التغيير قيم و أخلاق، و الصيام يصونها. فمن اهتدى إلى تغيير نمط حياته اليومية طيلة شهر، يستطيع تغييره في باقي الشهور!!. (( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)) البقرة.185.