نصوص

في ضرورة نشر الفكر الثوري وإنجاز الثورة على مراحل

Normal 0 21 false false false DE X-NONE AR-SA /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Normale Tabelle"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-qformat:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin-top:0cm; mso-para-margin-right:0cm; mso-para-margin-bottom:10.0pt; mso-para-margin-left:0cm; line-height:115%; mso-pagination:widow-orphan; font-size:11.0pt; font-family:"Calibri

0
27 ديسمبر 2014
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

حلّت الذكرى الرّابعة لانطلاق شرارة الثورة التونسية وقطار الرّبيع العربي في ظلّ شبه حالة التفاف على الثّورة من رجال النّظام السّابق لاسيما  بعد فوز حزب نداء تونس في التشريعية ب 86 مقعد من أصل 217 وتراجع حركة النهضة إلى المرتبة الثانية ب 69 مقعد وفوز السيد الباجي قائد السّبسي في الانتخابات الرئاسية. وخلّف هذا الواقع الجديد حسرة ومرارة لدى جماهير الثورة ودفع بالبعض إلى اتّهام الترويكا وخصوصا حركة النّهضة بالفشل في إدارة المرحلة الانتقالية والإسهام بصفة أو بأخرى في رجوع المنظومة السّابقة في ثوب جديد عبر حزب نداء تونس. فيما ذهب آخرون إلى اتهام حركة النّهضة بخيانة الجماهير الثّورية واتّباع سياسة التهدئة والمهادنة إلى درجة الانبطاح أحيانا. فما الحقيقة من كلّ ذلك ؟ وهل نحن فقط الذين قاموا بثورة ثمّ أجهزنا عليها بأنفسنا ؟ أم هكذا هي طبيعة الثّورات : كرّ وفرّ إلى حين الوصول إلى المستقر ؟

في تقديري أنّ الذي أدّى إلى هذه النّتيجة إنّما هما عاملان رئيسيان  : عامل موضوعي وعامل ذاتي.

1)  العمل الموضوعي : ويتمثّل في أنّ لكلّ فعل ردّة فعل ولكلّ ثورة ثورة مضادّة. وهكذا هي الثورات وطبيعة الثورات. فلم يثبت في تاريخ الثورات أنّ ثورة حدثت بدون ردّة فعل وبدون مواجهات وصدامات وفي غير كرّ وفرّ وبلا ثورة مضادّة ولا تضحيات وصبر وجلد. فالذين قامت ضدّهم الثورة سيستعملون كلّ الطرق الممكنة وكلّ الإمكانيات المّادية واللّوجستية بتوحّش لا محدود من أجل القضاء على الثّورة والثّوار.

2)  العامل الذّاتي : وينقسم إلى قسمين : عامل طبيعي وعامل إيديولوجي.

أ‌)    العامل الطّبيعي : صنف مهم من الشعب التونسي انحاز إلى الثّوار متوسّما فيهم الخير على أساس أنّهم ظلموا وأنّهم أصحاب حقّ وأصحاب مبادئ آملا في  أنّهم سيحقّقون له كلّ ما يريد من شغل وتنمية ومن تحسين مستوى معيشي في ظرف سنة أو سنتين. وعندما لم يتحقّق أمله في الحصول على ما يريد، لقلّة إمكانيات البلاد التي لا تسمح بتحقيق كل الضرورات في وقت وجيز ولطبيعة المرحلة الانتقالية، أرجع الأمر إلى فشل الحكّام الجدد في إدارة الأمور وبالنّتيجة أبى أن يجدّد لهم ولاية الأمور وامتنع عن المشاركة في الانتخابات مرّة ثانية. هؤلاء في حاجة إلى وقت كاف لكي يستوعبوا أنّه ليس بإمكان أحد أن يحلّ كلّ المشاكل التي ساهم الاستبداد في بروزها طيلة عقود في ظرف وجيز.
صنف آخر من الشعب التونسي صوّت لصالح الثّوّار وطالبهم بتمرير قانون تحصين الثّورة وبمحاسبة المجرمين والضرب على أيدي المفسدين. وعندما لم يستطع الثّوار الالتزام بكلّ ذلك، لأنّهم خيّروا بين الامتناع  عن تمرير قانون تحصين الثورة  أو إدخال البلاد في الفوضى تأدّي إلى حرب أهلية،اتهموهم بالخوف وبأنّ أياديهم مرتعشة. من رحمة الله بنا أنّه يسّر لنا إنجاز خمس ثورات ليست شبيهة ببعضا لكي نتدّبر الأمور. ففي ليبيا مثلا تمّت محاسبة العديد من المفسدين وقتلهم على أيدي الثّوار. ولكن لم يمنع كلّ ذلك من بروز مجرمين ومفسدين جدد على السّاحة. وحتّى ولو تمّ القضاء على كلّ المجرمين لأمكن صناعة مجرمين جدد على يد الثورة المضادّة العالمية  بالمال الفاسد ليتزعّموا الثورة المضادّة.

وفق ما أرى فإنّ الصنف الأول والثّاني الذين انقلبوا على الثّوار هم في الأغلب الأعم  لم ينخرطوا في العمل الثوري والجهادي ضدّ الاستبداد إلاّ حديثا وتنقصهم التجربة السّياسية والميدانية والفكرية التي تمكّنهم من استيعاب وتفهّم الأسباب الحقيقية التي أدّت إلى عدم تمكّن الثورة والثّوار من تحقيق كلّ الأهداف في زمن محدود جدّا. وهؤلاء يلزمهم دورات تدريبية في مجال الثورة أو ثورات متتالية ومرحلية لكي يستوعبوا الأمر بالتدرّج.

ب‌)  العامل الإيديولوجي : الذي يقود الثّورات في العالم العربي هو الإسلام السّياسي. والإسلام السّياسي غير مرغوب فيه بل ومكروه ويثير الرّعب في العالم الغربي. فكلّ الحروب الصّليبية والاحتلال الحديث للعالم الإسلامي وبعث إسرائيل في قلب العالم العربي جاء في سياق محاربة الإسلام والإسلام السّياسي بالخصوص. فالغرب بكلّ تلوّناته غير مستعد للسماح للثورات العربية بالنّجاح الكلّي وبكلّ يسر وبدون عناء، لأنّها في الأخير ستستقرّ في حاضنة الإسلام السّياسي. وكلّ الثّورات التي حدثت في قلب العالم الإسلامي ، سلمية كانت أم بالسّلاح، فشلت إلى حدّ الآن في الوصول بأصحابها إلى الحكم. والثورة الإيرانية لا تمثّل الاستثناء لأنّها بكلّ بساطة لم تكن ثورة إسلامية والدّليل على ذلك أنّها تعاونت مع الاستبداد العالمي وساهمت في تقسيم وبلقنة العراق وتصدّت لثورة الشعب السّوري والشعب اليمني بالحديد والنّار. وعليه ينصح الباحثون في الفكر والإسلام السّياسي (وأوّلهم الشيخ راشد الغنّوشي) بالدّخول والانضمام إلى الحراك السّياسي بدون لفت الانتباه. بمعنى الاكتفاء بالحصول على نسبة معينة من المقاعد البرلمانية والمناصب بما يتيح له الابتعاد عن الأضواء والتحرّك بأريحية بعيدا عن مرمى الثورة المضادّة المحلّية والإقليمية والدولية. من هنا جاء قرار حركة النهضة بعدم ترشيح عضو من أعضائها للترشّح للانتخابات الرّئاسية. وهنا لابد أن نشير إلى أنّ دعم السّيد المنصف المرزوقي في الانتخابات الرّئاسية جهرا أو سرّا من قبل حركة النّهضة يدخل في باب ومجال المناورة السّياسية والتكتيكية ولا يخرج عن التوجّه الاستراتيجي للحركة. ولو رشّحت الحركة رمزا من رموزها للانتخابات الرّئاسية لما فاز بها لأنّ الحركة تآكلت بمفعول السلطة وبمفعول الثّورة المضادّة وخسرت العديد من المتعاطفين معها. وتأكّد ذلك في الانتخابات التشريعية. ولقد ثبت في الرئاسية الأولى والثانية أنّ النّاخب التونسي لا يغير موقفه في ظرف وجيز. فلو دعّمت حركة الإخوان المسلمين مرشّحا من خارجها لربّما جنّبت بلاد مصر الكوارث التي حصلت تباعا ولتمكّنت من امتصاص الثورة المضادّة المحلّية والإقليمية والعالمية.

وكخلاصة لما سبق ذكره من العوامل الذّاتية والموضوعية والإيديولوجية يتبيّن لنا أنّه لا يمكن لنا في الظرف الرّاهن التّعويل على ثورة جذرية واحدة. لأنّه لا طبيعة وتفكير أغلب النّاس، الذين تربّوا مكرهين على ثقافة الرّكون إلى الاستبداد، ولا العوامل المحلّية والإقليمية والدولية تسمح بذلك. وعليه لا بدّ من تجزأة الثورة إلى عدّة ثورات ذات أهداف معلومة ومحدودة على مراحل وعلى مدد متقاربة  لكي يمكن استيعابها وهضمها من الجميع بدون خسائر فادحة.

منجي المازني

 

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©