في رسالة مفتوحة.. جامعيون, نقابيون للمؤتمرين: المطلوب إعادة النظر في طبيعة عمل اتحاد الشغل
ينعقد المؤتمر الثالث والعشرون للاتحاد العام التونسي للشغل بداية من يوم22 جانفي الجاري في ظرفيّة سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة استثنائيّة تطبع بالآتي:وضع سياسي جديد ومغاير تماما للمراحل السّابقة انطلاقا من مرحلة التحرّر الوطني ثمّ بناء الدّولة الوطنيّة فمقاومة التسلّط والاستبداد ووصولا إلى الثّورة والانتقال الدّيمقراطي
- 20 يناير 2017
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
ينعقد المؤتمر الثالث والعشرون للاتحاد العام التونسي للشغل بداية من يوم22 جانفي الجاري في ظرفيّة سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة استثنائيّة تطبع بالآتي :
وضع سياسي جديد ومغاير تماما للمراحل السّابقة انطلاقا من مرحلة التحرّر الوطني ثمّ بناء الدّولة الوطنيّة فمقاومة التسلّط والاستبداد ووصولا إلى الثّورة والانتقال الدّيمقراطي، مراحل راكم خلالها الاتحاد تجارب نضاليّة ونجاحات كثيرة وعاشها أيضا بويلاتها ونكساتها التي تخطّاها من خلال تطويعه لخطابه وممارسته.
وضع اقتصاديّ صعب يطبع بضعف نسق النّموّ والاستثمار وضيق هامش المبادرة الحكوميّة بسبب تنامي الاقتراض وتفاقم المديونية العمومية وارتفاع خسائر المؤسسات والشركات العمومية، وتعطلّ متواتر لآلة الإنتاج في قطاعات كانت بالأمس القريب مموّلا هاما لميزانية الدولة (مناجم وطاقة(.
وضع اجتماعي لا يقلّ تردّيا بسبب استفحال البطالة، وضعف إدارة الحوار الاجتماعي على نحو يخدم مصلحة البلاد وحقوق جميع الأطراف المتنازعة.
يدفعنا هذا التّشخيص كجامعيين ومسؤولين نقابيّين سابقين إلى استغلال هذه المحطة التاريخية الهامة في مسيرة هذه المنظمة الوطنية العتيدة للتوجّه إلى كافة النقابيين حتّى يعيدوا النظر في طبيعة العمل النقابي ودوره في هذه المرحلة من تاريخ بلادنا إيمانا منّا بدور الحركة النقابية في دعم الديمقراطية وترسيخ الوحدة الوطنية والدفاع عن العدالة الاجتماعية وتغليب الصالح العام على المصالح الشخصية والحزبية والفئوية والجهوية.
إن منطلقنا هو أيضا اعتبارنا أن المهمة الوطنية الموكلة للمنظمة النقابية في الظرف الجديد ليست إنجاز مهام سياسية أو المشاركة في إدارة الحكم بل حماية الديمقراطية الناشئة والذود عن القيم الديمقراطية وقيم الجمهورية ودعم الوحدة الوطنية والتضامن الاجتماعي. كما أنه ليس من مهامها الانتصار إلى خيارات سياسية يفترض في كل الديمقراطيات أن تكون من مهام الأحزاب والانتخابات وما تفرزه من أغلبيّات وإنما تغليب مصلحة الشغالين في إطار رؤية موضوعية للمصلحة الوطنية والتزام الحياد تجاه الفرقاء السياسيين.
لقد أكد الاتحاد العام التونسي للشغل في مناسبات عدّة دفاعه عن مصالح الشغّالين وحرصه على أن تكون العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة في سلم أولوياته، لذلك فإننا نعتقد أن من أوكد مهامه خلال المرحلة المقبلة تجديد خطابه وممارسته تجاه السّلطة وبقية الفاعلين الاجتماعيّين وعموم المنخرطين:
تجاه السّلطة والفاعلين الاجتماعيّين
نؤمن بأن مطلب الاتحاد العام التّونسي للشغل بمأسسة الحوار الاجتماعي للتعاطي مع المشاكل الاجتماعية من خلال بعث مجلس أعلى للحوار الاجتماعيوجيه وحري بالدعم من كل القوى الخيّرة في هذه البلاد إذ يؤسس لعقد اجتماعي بين جميع التونسيات والتونسيين. غير أنّ نجاح هذا الحوار الاجتماعي يظل في نظرنا رهين جملة من الشّروط المحمولة على مختلف الأطراف المشاركة هي:
الالتزام باحترام قوانين البلاد وبمبدأ دولة القانون والمساواة وخلاص الجباية كاملة في كنف الشفافية الماليّة وتسديد ما هو متخلد بالذمة تجاه الصناديق الاجتماعية والتخلي عن كل الامتيازات الضريبية التي كانت تحصل عليها بعض الهياكل والمنظمات المهنية زمن الاستبداد ضمن السياسة الزبونيّة للدولة.
اعتماد المعطيات والوثائق الصادرة عن الأجهزة والمؤسسات الرسميّة للدولة مرجعية الحوار، ولا يمكن لأي طرف اعتماد معطياته الخاصة وفرض قبولها على الأطراف المشاركة وإلا تحوّل الحوار إلى نزاع لا طائل منه في ظلّ ما يضمنه القانون التونسي من حق في النفاذ إلى المعلومة وفي الشفافيةوفي التقاضي متى اقتضى الأمر ذلك.
احترام مبدا الإرادة الشعبية في إطار ديمقراطي وهو ما يعني أن القرارات التي يفضي إليها الحوار الاجتماعي أو المجلس الوطني للحوار عند تأسيسه لا تكون ملزمة لأي حكومة وإنما تظل توصية تستفيد الحكومة من الأخذ بها ولا يترتب عن عدم الالتزام بها إخلال بشروط العقد الاجتماعي يقع التصدي له من خلال التحركات الاجتماعية.
اكساب الحوار عمقا شعبيا واجتماعيا لتشخيص مشاكل البلاد والنقاش البنّاء حولها حتى لا تتحول الديمقراطية في تونس إلى ديمقراطية النخب يصنع فيها القرار من خلال ما يتمّ الاتفاق عليه في جلسات مغلقة تنتج عنها تسويات وتبادل مصالح دون اعتبار لمقتضيات العدالة الاجتماعية والمصلحة العامة للبلاد ومستقبل الأجيال القادمة.
التحلّي بروحيّة مميّزة بعيدة عن التشنج والغلبة والصدام وموازين القوى والمناورة تنهض بأخلاقيات الحوار وتقوم على استعداد كل الأطراف للتنازل لبعضها البعض ونيل المكاسب آجلا وقبول التكيّف مع المتغيّرات الاقتصادية والتكنولوجية المستجدّة والحرص على الوصول إلى حلول تحفظ مصالح الجميع وتضمن استمرارية الدولة.
تجاه المنخرطين
الحرص على التزام كل النقابات المنضوية تحت لواء الاتحاد العام التونسي، باحترام قانونه الداخلي ولوائحه وقرارات مؤتمراته. فبقدر ما كنّا من أشدّ المدافعين عن الديمقراطيّة الدّاخليّة في صلب الهياكل النقابيّة وعن حقّ القطاعات في اتخاذ ما تراه مناسبا من قرارات، فإنّنا نرفض ارتهان النقابيّين في بعض القطاعات والزجّ بالاتحاد في صراعات سياسية ومزايدات انتخابوية أضرّت بصورته.
ضرورة إنهاء العمل بالامتيازات القطاعوية التي انكشفت وتعدّدت تعبيراتها المخلّة بالمبدأ الدستوريّ القائل بالمساواة بين كل المواطنين وبقيم المواطنة نذكر منها بالخصوص إعفاء المنتسبين إلى الصناديق الاجتماعيّة من دفع المساهمات بعنوان التقاعد مع تمتيعهم بجراياتهم عند الإحالة على التقاعد أو تمكين المنتسبين إلى بعض الشركات الخدميّة العمومية من منح إضافية مشطّة تثقل موازناتها المالية المختلّة أساسا والتي تدين ببقائها إلى الضّخ المتزايد لأموال دافعي الضرائب وإلى ضمانات الدولة لها لدى البنوك. كما ننبه أيضا إلى خطورة بعض الممارسات مثلتّوريث الشغل والضغط لإكساب الأبناء أولوية في الانتداب في بعض الشركات والإدارات العمومية.
لقد اقترنت مرحلة الاستبداد الطويلة التي عاشتها بلادنا بتضييق شديد على النشاط السياسي والمدني وجعلت من الاتحاد العام التونسي للشغل ملاذا لكلّ الأطراف السياسية التي مُنعت من حقها في النشاط القانوني وللمنظمات وجمعيات المجتمع المدني التي كانت تُمنع من ممارسة دورها. أما اليوم وقد تغيّرت الأوضاع وتقدّمت العملية السياسيّة (سنّ دستور 2014، تنظيم انتخاباتخريف 2014، انطلاق مسار تشكيل الهيئات الدّستوريّة،... إلخ) فإنه آن الأوان لكي يتركز عمل الاتحاد العام التونسي للشغل أساسا على المسألة الاجتماعيّة، ليترك للأحزاب السياسية المسائل السياسية العامة ومعارضة الحكومة أو مساندتها.
لقد تُوّج الاتحاد العام التونسي للشغل بجائزة نوبل للسلام تثمينا لدوره في تجنيب البلاد منزلقات خطيرة من خلال جمعه الفرقاء السياسيين ومدّ جسور الحوار بينهم وتقريب وجهات نظرهم، ولا يسعنا في هذا المجال إلا أن نقدّر ذلك وأن نعبّر عن أملنا في أن تبرز في بلادنا ثقافة نقابية جديدة تلتزم بمقتضيات الحوار يكون الاتحاد مترجما لروحها بعيدا عن منطق المغالبة والإملاء وحريصا على تغليب المصلحة الوطنية الجامعة والتزام الحياد تجاه الأحزاب السياسية المتنافسة على الحكم.
الممضون
عبد الستار السحباني، أستاذ جامعي، جامعة تونس
كارم الداسي، أستاذ جامعي، جامعة تونس
الطاهر اللباسي، أستاذ جامعي، جامعة تونس
منير الكشو، أستاذ جامعي، جامعة تونس