في رسالة مفتوحة إلى بورقيبة: مزالي يكشف خفايا اضطراره للهجرة
من منفاه الاختياري أو الاضطراري، أصدر المرحوم محمد مزالي كتابا تحت عنوان «رسالة مفتوحة إلى بورقيبة»، وفي هذه الرسالة المطولة يشرح دواعي مغادرته البلاد خلسة ويكشف خفايا ما كان يحاك ضده. وفي هذه الحلقة يستعرض الظروف التي عُيّن فيها منسقا لعمل الحكومة ثم وزيرا أول. «السيد الرئيس قررت أن أكتب لك هذه الرسالة من منفاي الاجباري والأسى يملأ نفسي، لأن الاحداث
- 25 يونيو 2010
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
من منفاه الاختياري أو الاضطراري، أصدر المرحوم محمد مزالي كتابا تحت عنوان «رسالة مفتوحة إلى بورقيبة»، وفي هذه الرسالة المطولة يشرح دواعي مغادرته البلاد خلسة ويكشف خفايا ما كان يحاك ضده. وفي هذه الحلقة يستعرض الظروف التي عُيّن فيها منسقا لعمل الحكومة ثم وزيرا أول.
«السيد الرئيس قررت أن أكتب لك هذه الرسالة من منفاي الإجباري والأسى يملأ نفسي، لأنّ الأحداث التي أصبحت مضطرا لاستعراضها تمس بعمق ما أعطيته لحياتي من معان وما رسمته لي في حياتي من مُثل.
ولكني أكتب لك من موقع السمو عن الحقد والضعة، بكامل الترفع وعلو الهمة، من دون شعور بالانتقام ولا رغبة في الجدل العقيم، بل من منطلق إحساسي العميق بالمسؤولية والواجب، ولا أخط لك هذه الرسالة دفاعا عن نفسي، فلست مذنبا في شيء وإنما لأقدم شهادة موضوعية واضحة لا تنازل فيها ولا لُبس، حول مرحلة قاتمة من تاريخ وطني».
الاضطرار للهجرة
«فبعد اضطراري للهجرة، تهافتت ألسنة السوء لتنفث سمومها حولي وتعرضت عائلتي للتتبعات والمضايقات والتعذيب والظلم، مما شوه صورة تونس الناصعة ومازال يشوهها اليوم وغدا ما دامت الأيدي الآثمة ترتكب ممارسات الشماتة والانتقام ضد أشخاص أبرياء، ولوحق المقربون لي وأصدقائي دون سبب، اللهم إلا الوفاء والالتزام الأخلاقي، وجاء الوقت لكي أفحم أولئك الذين حاصروك تحت تأثيرهم الحقود بكل الحقيقة وقوتها وصلابة حجتها».
شهادة للتاريخ
«ولا أدري هل ستقرأ هذه السطور، فقد لا توجد حولك نفس شجاعة تملك القوة لتصارحك بالحق المبين، لذلك أقدم هذه الشهادة لك وخاصة للرأي العام التونسي والدولي وكذلك للتاريخ.
إنني عندما أستمع إلى خلجات ضميري وأتسامى عن ضباب الأحقاد والضغائن التي أتعرض لها، اكتشف أنه خلال ثلاثين عاما من ممارسة مختلف مسؤولياتي من أجل خدمة الشعب لم أحد قط عن التزاماتي ولا أسأت لوطني ولا تنكرت لمبادئي.
فهل معنى هذا أني لم آت خطأ ولا اعتراني ضعف؟ معاذ الله، إني إنسان والعصمة لله وحده سبحانه، ولي من التواضع كمواطن، ومن رهافة الحس في خدمة الدولة كمسؤول ما يقيني مغبة إلقاء التبعات على غيري وتحميل نفوس أوزار غيرها مثلما يفعل الجبناء عندما يتبين خطؤهم، مثلهم مثل بيلاطس النبطي، يغسلون أيديهم الملطخة لينجوا من وطأة مسؤولياتهم وليستغفلوا شعبا تعودوا على نعته بأنه «هباء منثور».
سيفرز التاريخ الغث من السمين، عندما تهدأ عواصف الجدل الأجوف وتهب أقلام المؤرخين النزهاء لتنصف الأحداث والرجال، وتُلبس كلا منا حلة الحقيقة دون زيف أو نفاق.
لنستعد إذن مراحل الاحداث التي أوصلتنا الى الحالة الراهنة».
ملابسات أواخر السبعينات
«في 23 أفريل 1980 عينتني وزيرا أول بعد «امتحان» دام شهرا، كمنسق للعمل الحكومي، وقبلت هذا العبء الثقيل بعد تفكير طويل في ظرف دقيق من تاريخ الوطن، كانت تعاني فيه تونس من انسداد الأفق واختناق الأصوات وكبت الحريات ما تعاني.
وكان مئات النقابيين يملؤون الزنزانات التونسية ومن بينهم عدد من المواطنين والمقاومين الذين شاركوا في معركة التحرير ضد قوى الاستعمار.
ولم تمّح آنذاك أحداث 26 جانفي 1978 الدامية من الذاكرة الوطنية، ثم كان زلزال الهجوم على قفصة في جانفي 1980، فأسقط في أيدي كل المسؤولين وأدرك الجميع أنّ النظام التونسي هشّ وأضعفت الاضطرابات الاجتماعية هياكل الدولة وأنهكتها إنهاكا ـ فقد كانت الاضرابات تتوالى وتعطّل خاصة قطاعات حيوية مثل الفسفاط والصناعات الكيميائية (قابس ـ صفاقس ـ قفصة) وكذلك قطاع النقل البري (غداة الهجوم على قفصة انطلق إضراب الشركة القومية للنقل فشلّ العاصمة شللا تاما، وكان ذلك يوم الاثنين مباشرة بعد العدوان). وأفلت زمام الأمور من قادة الاتحاد العام التونسي للشغل حينذاك، فشحبت صورة تونس بين الأمم واستهدفت حكومتها للّوم من طرف المنظمات الدولية ووجه لها المكتب الدولي للشغل والجامعة الدولية للنقابات الحرة أصبع الاتهام ورفض عمّال الرصيف في عديد من الموانىء الأوروبية تفريغ شحونات البواخر التونسية.
ولم تزل إلى ذلك الحين آثار أحداث 26 جانفي التي مات وجرح فيها خلق كثير مرسومة على الخريطة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، فكان الاقتصاد يشكو هزال المؤسسات وانخفاض الانتاج».
في الجامعة
«أما الكليات فكانت مضطربة معطلة، وكانت الاضرابات تتوالى والجلسات العامة الطلابية تتواتر في ساحاتها، وكان عشرات الآلاف من المشاركين فيها تتعالى شعاراتهم بمختلف العبارات النابية ضدك وضد نظامك. وكان العمداء والأساتذة والطلبة على اختلاف نزعاتهم وشتّى حساسياتهم مجمعين على المطالبة بتحرير الطلبة والطالبات الذين كانوا يملؤون السجون منذ عامي 1974 و1975، أي في عهد وزير التربية إدريس قيقه، كما كانوا يطالبون بحذف جهاز الحرس الجامعي الذي أسسه قيقة المذكور بمقتضى أمر صدر عام 1975 بقصد ما سمّاه «استتباب الأمن وإرجاع الطمأنينة داخل حرم مختلف كليات الجامعة والمدارس العليا».
الحزب الاشتراكي الدستوري
«وتسبّب تصلب جهاز الحزب الاشتراكي الدستوري في نفور الشباب منه وازورار القوى الحية عنه، وتباعد المناضلين المعتدلين من صفوفه فانحسرت رقعته وضعف إشعاعه وفقد جزءً عظيما من قواعده وتأثيره. وأصبح جهازا تمسك بزمامه قلّة من المسؤولين وانتعشت المعارضات السرية والعلنية إزاء هذا التصلب ولم تفد مجهودات السيد الهادي نويرة، الوزير الأول آنذاك الذي كان مؤمنا بالتحررية.
وفي خضمّ ذلك الوضع المتشنّج، كانت تونس تلوح لأبنائها وللأجانب بلادا تقمع الحريات وتسحق العمل النقابي، يحكمها حزب منكمش على ذاته، متمسك بوحدانيته».
نداء الوطن
«(..) ونصحني كثير من الأصدقاء بالحذر، قائلين ما عساك تفعل في هذه الحلبة؟ إنك لم تتورّط فيما اقترفه النظام من فادح الأخطاء ممّا جرّه جرا إلى شفا جُرف هار، وإنك لا تنتمي إلى أيّ بطن من بطون «القبائل» السياسية ولا تواطأت مع أيّ رهط من أرهاط المتهافتين على المناصب. نعم نصحني عديد من الأصدقاء ألا أضيع ما كسبته من رصيد طيلة السنوات العديدة التي قضيتها في خدمة المجموعة الوطنية بعيدا عن السياسة السياسوية. إلاّ أنّي قبلت أن أتحمّل هذه الأمانة عندما دعاني الوطن، وكان يحدوني الأمل في القدرة على أن أتمكن بمساعدتك، من مصالحة التونسيين بعضهم مع بعض ومصالحة التونسيين جميعا مع النظام.. قبل وفاتك..»