في رحاب مسجد باريس
كما هي عادتي منذ عشرات السنين، عقدت النيّة على زيارة مسجد باريس في آخر يوم جمعة من شهر رمضان المبارك، ذلك لأنني أعلم أن في مثل هذا اليوم يكـثر فيه تواجد العباد لأداء الصلاة، وللاستـماع إلى خطب رجال الدين الذين يلقون أنفس المواعظ لينذرون بكلام الله تنبيهاً للعباد من غفلتـهم، وإيقافـهم عن الانغماس في الشهوات، وصدّهم عن ارتكاب المـحرمات التـي لا يسلّم بـها الدين والعقل والشرف. وعلى ذلك، ذهبت لأداء هذا الفرض المقدّس، فدخلت المسـجد، وإذ به غاص بالشعب المؤمن رجالاً وشباناً وأطفالاً مطرقين الرؤوس تـهيب
- 26 أغسطس 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
كما هي عادتي منذ عشرات السنين، عقدت النيّة على زيارة مسجد باريس في آخر يوم جمعة من شهر رمضان المبارك، ذلك لأنني أعلم أن في مثل هذا اليوم يكـثر فيه تواجد العباد لأداء الصلاة، وللاستـماع إلى خطب رجال الدين الذين يلقون أنفس المواعظ لينذرون بكلام الله تنبيهاً للعباد من غفلتـهم، وإيقافـهم عن الانغماس في الشهوات، وصدّهم عن ارتكاب المـحرمات التـي لا يسلّم بـها الدين والعقل والشرف.
وعلى ذلك، ذهبت لأداء هذا الفرض المقدّس، فدخلت المسـجد، وإذ به غاص بالشعب المؤمن رجالاً وشباناً وأطفالاً مطرقين الرؤوس تـهيباً واحـتراماً لبيت الله، وكان بينهم عدد غيـر قليل من أصل أوروبي.
وقفت قرب الباب الداخلي، فرأيت على مقربة مني إماماً جالساً على الأرض يفرك جبينه بيديه كأنّه يفكر في أمرٍ هام، بعدما مضى قليل من الوقت، نـهض فمالت إليه أبصار المصلين وهيئوا أنفسهم للسمع.
ابتدأ الإمام بالـخطبة بالبسملة والـحمد، بـهدوء وسكينة ثـم احـتدم فصاحةً، وتـحمس فأخذ يسر القلوب بشدة كلامه وقوة برهانه، فرأيت فيه خطيباً تـهتـز له المنابر، وتفاخر به المساجد، ومـما قاله :
" ... أقف بينكم الآن إخوتي المسلمين موقف الواجب لا موقف الـخطابة رغبة مني في إظهار ما يشعر به المسلم من التـعزية والارتياح الداخلي عند مساعدة بائس أو إطعام جائع في هذا الشهر الكريـم.
من منكم يا أخوة الإيـمان لا يشعر بالسرور عندما يقف أمامه مسكيناً يـمدّ يده المرتـجفة ابتـغاء كسرة خبز يسد بـها رمقـه، فيحسن إليه بـما يـخفف عنه ألم الـجوع ومرارة الـحياة ؟...
قد تسألون ما الباعث لـهذا الارتياح، وما هذا السر الخفي ؟!...
أقول لكم،
لا سرّ في ذلك، إنـما هو إحساس طبيعي ناشئ عن إكمالنا واجباً مقدّساً بـمساعدة إخوتنا البائسين ... أجل إن الفقراء إخوان لنا لأننا من جبلة واحدة، وإذا كان الله أراد أن يـجعلهم من ذوي الـحاجة، فمن أقدس واجبات الذين كانت قسمتهم الغنى والرغد أن يـمدّوا يدّ المعونة لـهم، ويسعفونـهم كلُّ على قدر إمكانه، والله لا يضيع أجر المـحسنين.
إن الإحسان شفيع المسلم الغني يوم يقف أمام الديّان العادل في ذلك اليوم الرهيب إذ يطالبه بـما صنعه بالأموال التي أعطيت له، فيهتف إذ ذاك صوت الفقيـر طالباً الرحـمة لمن رحـمه، ومعاقبة من أعرض عنه، فيعيـر الله ذلك النداء أذناً صاغية".
وما أن انتهى من خطبتـه حتى علت أصوات المصلين بالشهادتين " لا إله إلا الله " و " مـحمداً رسول الله ".
عند انتهاء الصلاة ، خرجت مع المصلين من المسجد، وجلست في باحته الـخارجية، وكان الصمت سائداً لا يسمع فيه سوى جلبة أصوات بعض العباد، وهدير بعض السيارات المارة في الشوارع المحيطة بالمسجد، فرحت أتأمل الآيات الكريـمة المنقوشة على الـجدران، فاستطعت قراءة الآية التي تقول :
" إنّا خلقناكم شعوباً وقبائل لتـعارفوا ".
تراءت لي حالة الشعوب والقبائل المنقسمة على ذاتـها، والمتقاتلة فيما بينها في عالمنا العربي، وحالة الشعوب والقبائل الأوروبية على اختلاف أصولـهم ولغاتـهم وعاداتـهم الذين كانوا أعداء الداء يصرفون أيامهم بالـحروب تـحت رايات ملوكـهم ورؤساءهم المدفوعين بسكرة الـمجد إلى توسيع فتوحاتـهم كيف يتقاسـمون اليوم خيـرات أوروبا مقاسـمة الأخوان بعد أن شاعت بينهم المعاهدات التـجارية، الثقافية والمـحالفات الدولية، وأصبحوا دولة الاتحاد الأوروبي، وكيف يتداول سياسيو هم الـحكومات دون اهراق نقطة دمّ واحدة فيما بينهم ؟!..
وما أن خرجت إلى الشارع، حـتى سـمعت أصوات بعض المؤمنين، ولـمحت أحدهم يـخـترق الـجموع إلى أن وصل إلى مكان مرتفع وقف فيه، بسمل وحمد الله باللغة العربية، وبدأ بـخطبة باللغة الفرنسية طالباً من الباري إلـهام المؤمنين، وهم خارجون من المسجد، أن يـمدّوا يد المساعدة والشفقة للفقراء المساكين الواقفين أمام الباب الـخارجي للمسـجد.
هناك قول شعبي مأثور يقول:" حسنات قليلة، تُبعد بلايا كـثيـرة ".
هذه الكلمات على بساطتها كانت تؤثر بي، وكنت أقول لنفسي: يا حبذا لو يتأمل فيها أولئك الذين يصرفون الأموال على ملذاتـهم الباطلة، بينما أجزاء قليلة منها تكفي لإبعاد بلايا كـثيـرة عن عائلة لأشهر عديدة.
على الصعيد الشخصي، فإني أشجع الإحسان، ولكن لا أعني به الإحسان المالي الذي يولد رذيلة الكسل، والذي يدعو إلى الدناءة، واستسلام المـحسن إليه للذل والـهوان، عدى عن أنّه لا يكون له من هذا الإحسان، وإن كُـثر، إلا ما يسد به رمقه سـحابة يوم أو يومين، ولا يلبث أن يعود يتضور جوعاً.
بل أشـجع الإحسان الأدبي الذي يعمد إلى إيـجاد فرص عمل للعباد ليتيسر لـهم الارتزاق من جهدهم العقلي والـجسدي فيشعرون بفضل المـحسن لأنـه أنقذهم من الـخمول والفقر، وأدى واجباته نـحو الإنسانية.
وأي خدمة أجلّ من هذه الـخدمة للمسلم؟!...
وأي إحساناً أفضل وأسـمى وأشرف لاكتساب الثواب من إحسانٍ كـهذا ؟!..