نصوص

في ذكرى تأسيس حركة النهضة مسعى تحقيق المعادلة بين الفعل و مكاسب الفعل

يطغى في ذكرى التأسيس عادة البُعد الاحتفالي، وفاء لأجيال التأسيس و البلاء و وَصلها بجيل الشباب و البناء. و لم تكن حركة النهضة في ذكرى تأسيسها بنشاز عن كل احتفاليات التأسيس الأخرى . تتميّز حركة النهضة عن غيرها من الحركات الاسلامية أنها كانت سبّاقة في الجمع بين قيم الاسلام و الحداثة في المسارات الحركية العامة، و أثرت أدبيات الفكر السياسي الاسلامي من خلال انتاج الشيخ راشد الغنوشي، و ساهمت بتقديم إضافات نوعية في فهم العلاقة بين النص و الواقع من خلال مقاربات الدكتور عبدالمجيد النجار. و أنجزت خط تدافعي

0
12 يونيو 2013
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

 

يطغى في ذكرى التأسيس عادة البُعد الاحتفالي، وفاء لأجيال التأسيس و البلاء و وَصلها بجيل الشباب و البناء. و لم تكن حركة النهضة في ذكرى تأسيسها بنشاز عن كل احتفاليات التأسيس الأخرى .

تتميّز حركة النهضة عن غيرها من الحركات الاسلامية أنها كانت سبّاقة في الجمع بين قيم الاسلام و الحداثة في المسارات الحركية العامة، و أثرت أدبيات الفكر السياسي الاسلامي من خلال انتاج الشيخ راشد الغنوشي، و ساهمت بتقديم إضافات نوعية في فهم العلاقة بين النص و الواقع من خلال مقاربات الدكتور عبدالمجيد النجار. و أنجزت خط تدافعي واقعي حافظ على السمت الوسطي و المدني في أصعب الظروف، بل ذكّته من خلال تماسك بنيتها الادارية و نضجها السياسي. و ساهمت بتحرير الرؤية الاسلامية من مؤثرات التقاليد و الأحاديث الضعيفة و الموضوعة حول دور المرأة في الاسلام..

و مكاسب الحركة ثقافيا و سياسيا لا يُنكرها جاحد. و لكن هذه المكاسب لا تعني بأن الحركة لا تُواجه تحديات عديدة و كبيرة. فالحركة التي تسعى إلى المحافظة على خطها التصاعدي يجب عليها النظر باستمرار في مدى تناسب المكاسب مع الامكانات و الفرص، و في مدى يقظتها لما يواجهه الجسم من تحديات و تصنيفها و توجيه النظر و العمل معا و تنمية القدرة على الاستجابة للتحديات باستمرار. لأن الضَعف قاتل في المراحل الانتقالية، و الغَفلة ضياعا للفرص و السكون تهديدا لجهاز المناعة، و ترحيل القضايا تفويتا فيها، و عدم المبادرة تقهقر إلى دور رد الفعل ..

و من أكبر و أخطر التحديات التي تواجهها النهضة اليوم في تقديرنا هي :

تحقيق المعادلة العصيّة بين الفعل و مكاسب الفعل:
فالمطلوب منها الفعل في كل المجالات و تحقيق نتائج ملموسة في الواقع إلا أن "التردّي" السياسي الذي بلغته " نخبة الدولة العميقة " لن يسمح لوصل الأثر بالفعل. و إذا لم يوصل الفعل بالأثر، سيؤدّي إلى تحميل النهضة ما يبلغه الواقع من مأساوية و تردّي و تفقد شعبيتها و ربما يؤثر على تماسكها الداخلي. فما هي شروط و متطلبات الفعل المطلوب ؟

في بناء الحرية و تعميق روح المسؤولية :
إن التشوهّات القيمية التي أصابت المجتمع التونسي لا يُدرك خطرها إلا من يحمل مشروعا قيميا. فالقيم هي أساس البناء المجتمعي و هي أداة التغيير الحقيقية التي بها يتغيّر المجتمع. فنزعات الفردية و المادية المتفاقمة، و عقلية التحرّر من الضوابط و القوانين و الأخلاق الجمعية ، و شيوع ثقافة "اليد" بديلا عن ثقافة "الروح والعقل".. جعلت المجتمع التونسي مع ضَعف دور الدولة و حضور فكر "المافيا السياسية" و استباحة مكاسب المجتمع، إلى "شبه غابة" لا تضبطها غير "القوة" و القوة هنا ليست قوة الدولة أو المجتمع و إنما هي ما تبقى من قوة للمافيات السياسية . لذلك استنسخ "الساسة" أبشع المعارك الحيوانية و جعلوها نماذج يُقتفى أثرها. و مشكلة النهضة أنها أبرز الحركات السياسية في المشهد التونسي الذي مازال يُبقي على دور القيم في السياسة. ففيها قوّتها و فيها ضَعفها!.

اكراهات السياسة و ضرورات الدعوة :
تُعرّف السياسة بأنها "فن الممكن" و عادت النهضة إلى المشهد السياسي بعقلية تتأسّس على التحديد المذكور س ابقا، و انتهجت سياسة واقعية/براغماتية، صدمت القريب و البعيد معا. فلم يفهم مغزاها القريب و كوي بنيراها البعيد. القريب مشدود إلى ضرورات الدعوة و متطلباتها و البعيد يُمعن في زرع الاكراهات السياسية المتتالية. حتى أصبحت السياسة معها هي " فن المكر و الخداع" بل أكاد أجزم بأنها في المشهد السياسي التونسي اليوم هي " فن العِداء"!. فهل تسقط النهضة في هذا المطب؟ و تصارع خصومها بأدوات يتقنونها و تُخرجها من جَلدها و تنقض ممارستها مشروعها القيمي؟ التحدّي لا يزال متواصلا، و لا تزال النهضة حدّ الساعة في موقعها المازج بين العمل و القيم و من المتوقع زيادة جرعات الاستفزاز القيمي.

الخطاب بين المحاججة و إعادة البناء:
انشدّت النهضة إلى الساحة السياسية و فرضت شروطها عليها خاصة مع "قلّة الخبرة" في تسيير شؤون الدولة. و عادة ما تعتمد الأحزاب في هذه المراحل خطابا احتجاجيا يُوجّه إلى الخصم السياسي لفضحه أو يكون الصمت بديلا بحجّة العمل مقدّم على القول أو المراوحة بينهما. و قد لازم ذلك غَفلة مقصودة أو غير مقصودة عن الشأن الدعوي الذي هو مجال التربية و التوجيه و إعادة صياغة النفوس. فتحوّل الخطاب الدعوي و أثره إلى مشكلة جديدة تُضاف إلى المشاكل التي تُواجهها النهضة و تُحاسب عليها. و هذا يفرض على النهضة اليوم إعادة النظر في حضور الدعوي في مشروعها و حضورها الدعوي في الشأن العام. لأن ما يحدث اليوم في المشهد الدعوي يُمزج فيه بين مُصادمة الارث الديني التونسي و استجلاب خطاب ديني بعيد عن المقاصد و منح الأولوية للشكل بدل المضمون و للمذهب بدل المنهج. و على النهضة العودة الممنهجة إلى الشأن الدعوي وفق رؤية متكاملة من أجل إعادة الحيوية للإرث الديني التونسي و إعادة تشكيله على أسس وطنية و فهم وسطي جامع و شيوع لقيم الاسلام الخالدة .

في الموسوعة

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©