في ذكرى العدوان على غزة من "الرصاص المسكوب" إلى "الجدار الفولاذي"
1: انشطار المسار تربينا على "صوت فلسطين صوت الثورة الفلسطينية" يبث من جزائر المليون ونصف المليون شهيدا... صوت يٌدوي في الأنفس وفي الوعي بما يُرسخ "القضية الفلسطينية" في العمق الجماهيري داخل البلاد العربية والإسلامية وداخل الأوساط الإنسانية وأنصار التحرر في مواطن عديدة من العالم... استفادت "القضية " تلك طويلا من لعبة الأمم حين كان العالم منقسما إلى معسكرين.. كان المعسكر الإشتراكي لاعبا أساسيا في الجغرافيا السياسية وفي مواطن نزاع عديدة... لقد ظل الإتحاد السوفييتي سابقا ملاذا للهاربين من السيطرة ال
- 28 ديسمبر 2009
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
1: انشطار المسار
تربينا على "صوت فلسطين صوت الثورة الفلسطينية" يبث من جزائر المليون ونصف المليون شهيدا... صوت يٌدوي في الأنفس وفي الوعي بما يُرسخ "القضية الفلسطينية" في العمق الجماهيري داخل البلاد العربية والإسلامية وداخل الأوساط الإنسانية وأنصار التحرر في مواطن عديدة من العالم... استفادت "القضية " تلك طويلا من لعبة الأمم حين كان العالم منقسما إلى معسكرين.. كان المعسكر الإشتراكي لاعبا أساسيا في الجغرافيا السياسية وفي مواطن نزاع عديدة... لقد ظل الإتحاد السوفييتي سابقا ملاذا للهاربين من السيطرة الأمريكية المنحازة دائما إلى الكيان الصهيوني ضد الحقوق العربية المعترف بها في قرارات دولية.
إثر انهيار الإتحاد السوفييتي في ديسمبر 1991 استفردت أمريكا بالعالم مستعينة بالإتحاد الأوربي المستحدث للضرورة . تعرضت بعض الدول العربية ومعها القضية الفلسطينية إلى تصفية حساب: العراق، ليبيا، الجزائر، اليمن الجنوبي السودان.. تعرض الشهيد أبو عمار إلى دورات إخضاع متتالية ولكنه ظل خيمة متماسكة تستظل بها القضية وأهلها جميعا، قاوم الرجل حتى لقي ربه شاهدا وشهيدا... وإذا استوت الرؤوس فسدت النفوس... انشطر مسار القضية بين مقاومين ومساومين ويجد كل طرف له امتدادا عربيا إسلاميا ودوليا... لقد تدخلت أطراف جديدة فاعلة ومؤثرة في المشهد الإقليمي...ثمة تأثير واضح لخطاب المقاومة اللبنانية ولإنجازاتها الميدانية وثمة تسرّب متدافع لمنطق الثورة الإيرانية المتعالي... منطق الواثقين بالحقوق وبالصبر وبالنصر.
اختار فريق من الفلسطينيين مدعومين بأغلب الدول العربية مسار التفاوض الدائم والتسويات المائلة.. واختار آخرون مواجهة العدالة الغائبة وشهداء الزور ووسطاء الخديعة يئسوا من مختبرات التنويم السياسي في كامب ديفيد وأوسلو وشرم الشيخ وأنابوليس ومقاعد الطائرات وكثبان الصحاري... الحق ذو أنياب ومخالب وإرادة أو لا يكون: لا عدل إلا إن تعادلت القوى وتصادم الإرهابُ بالإرهاب( الشابي) خيارُ المقاومة أفقد المفاوضين صدقيتهم ورصيدا يريدون تصريفه في المؤتمرات وفي نزل الدبلوماسية الحقودة... مستعجلون أولائك على حكم دولة بلا حدود معلومة وبلا جيوش وبأسلحة من لعب الأطفال.
2 : التوريط الديمقراطي
اجتذاب حركة المقاومة "حماس" إلى لعبة الإنتخابات كان رهانا مزدوجا: إما هزيمتها عبر صناديق الإقتراع وتجريدها ديمقراطيا من حق التصرف المقاوم باسم الشعب. وإما تحميلها كل الأعباء لوحدها والنظر إليها بعين المنتقد الشامت أو حتى المتآمر ودفعها إلى ارتكاب أخطاء والوقوع في عجز عن تحمل المسؤوليات المدنية .
لم تكن تبعات الفوز يسيرة على حماس: تهديدات الخارج وصرخات الداخل وإضرابات على حكومة محاصرة تستجمع الأموال من المتبرعين لدفع أقساط من مرتبات الموظفين! توقيف مهين لأعضاء من الحكومة بل ولرئيس الحكومة في المعابر بتهم إدخال أموال من الخارج! كان لا بد من تنقية الرقعة الصغيرة "غزة" لتأمين المقاومين... أطرد المتآمرون في ليل شجاع وانكشفت وثائق المتربصين.
3: "الرصاص المسكوب"
ذاك عنوان العدوان الصهيوني على غزة يوم 27 ديسمبر 2008 . عنوان يترجم كتلة الحقد المشترك بين الصهاينة والمهزومين من العرب إثنان وعشرون يوما من شلالات النار على مساحة صغيرة تسكنها أعلى نسبة سكانية في العالم.. لم تكن مجرد جريمة حرب بل كانت أيضا استعراضا مرعبا لتداعي الحضارة الإنسانية ولفشل التشريعات والفلسفات وكل المدارس الأدبية والفنية... مشاهد من الأجساد المتفحمة وعصير اللحم الحي ومياه الأرواح الساخنة تدفق من عيون الأطفال والنساء والرجال.... لم يقدر الملوك والرؤساء والأمراء والسلاطين العرب على عقد قمة الإدانة والاستنكار... حسبك الله ونعم الوكيل يا أمير قطر ما إن يكتمل النصاب حتى ينقص ـ قلتَ ـ! أي همة وأي ضمير وأي شجاعة وأي إنسانية وأي عروبة قد يدعيها من لم تنهض فيه نخوة ولم يصرخ ملء روحه: كفى نارا ودما ودموعا.؟ بعد سنة كاملة هل وصلت المساعدات الموعودة إلى أهل غزة؟
4: "الجدار الفولاذي"
كما "الرصاص المسكوب" يُعبّرُ "الجدارُ الفولاذي" عن حالة تصلب روحي واستفحال حقد وكراهية مؤذية... إنها إجراءاتُ نكايةٍ وإيذاء لا علاقة لها بسيادة وطنية ولا بأمن قطري... إنه حدّ لا يُطاقُ من الإستعلاء والعُجب والإيذاء والإستهانة بمشاعر الشعب المصري العظيم وكل الشعوب العربية والإسلامية وأحرار العالم... إنهُ شروعٌ في القتل المتعمد لمليون ونصف المليون عربي مسلم!
إنه انتقامٌ من خيار المقاومة في محاولة لكسر صموده وإفراغ انتصاره البطولي من دلالاته وإبطال آثاره المستقبلية في وعي الأجيال ووجدانها... انتقامُ خيار المهزومين من المنتصرين... الخيباتُ والهزائم مُولدة دائما للحقد والحسد والتآمر.
يودّ المهزومون القاعدون ألا ينتصر أحدٌ وألا يقوم فيكون الجميعُ سواء!
5: نحو ثقافة استشهادية
"الهزيمة" ليست مجرد حالةِ مغلوبيةٍ ولكنها لوثة في الجهاز النفسي وفي آلية التفكير تجرد صاحبها من الإرادة والثقة بالنفس وتطمس وعيه بذاته وبمنزلته في الوجود حتى يغدو سلبيا مهيئا للإنقياد ولتقبل كل فعل خارجي كما لو أنه مقدر محتوم لا يملك له ردا ولا يُسمح له برفضه أو التساؤل حوله.
أمام هذه الحالة الخطرة المسربة في ثقافة الهزيمة يُروّجها أنصارُ التسويات المائلة
وأمام هذه الجرأة على الإستسلام وأمام الترسانة الضخمة يُشغلها المستثمرون في الهزائم فإننا مدعوون إلى إنتاج " ثقافة إستشهادية" لا بدلالتها العسكرية القتالية المادية وإنما بمعانيها التحررية المتمردة الشجاعة حيث تقتحم حصون خطاب الهزيمة وحيث تجرأ على قول ما يجب وكما يجب وحيث تكشف عن كل خطاب متآمر مُخاتل وحيث لا تتردد في اتهام المتهمين باغتيال الوعي وبالتجريع الناعم
لـ"فلسفة" الإستسلام .
"الثقافة الاستشهادية" تصطدم بكل أشكال "الوعي الإسمنتى المسلح" وبكل صياغات العقلانية الرخوة والواقعية المشوهة والحداثة المستنسخة، تدفق بمعاني الحياة وتنزف مدادا ثائرا متمردا وتتناسل فيها ومنها أجيال المقاومة المبصرة العارفة .
بحري العرفاوي
تونس: 27 ديسمبر 2009