نصوص
في ثنائيات المرحلة الحرجة للواقع السّياسي التونسي
أولا:جدلية الإقناع والإيقاع يبنى التواصل بين طرفين أو أكثر على إستراتيجية البث والتقبل عبر ما تقتضيه الشفرة والقناة سواء أكانت الشفرة تلفظا أو إشارة أو لمسا أو كتابة أو رسما . وينتظر كل طرف أن تصل رسالته للطرف الثاني تقبلا أو رفضا ، ترغيبا أو ترهيبا ، قبولا بالتراضي ، أو فرضا وإحراجا . بل يتعدى الأمر في بعض الحالات إلى التكرار المرضي كما الحال في إستراتيجية الإعلانات الإشهارية التي لشدة تكرارها تصبح مفروضة وبمجرد ان تصبح ممجوجة تكون بذلك قد حققت نجاحها . ولعل هذه الإستراتيجية هي نفسها التي يتوخا
- 10 مايو 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
0
أولا:جدلية الإقناع والإيقاع يبنى التواصل بين طرفين أو أكثر على إستراتيجية البث والتقبل عبر ما تقتضيه الشفرة والقناة سواء أكانت الشفرة تلفظا أو إشارة أو لمسا أو كتابة أو رسما . وينتظر كل طرف أن تصل رسالته للطرف الثاني تقبلا أو رفضا ، ترغيبا أو ترهيبا ، قبولا بالتراضي ، أو فرضا وإحراجا . بل يتعدى الأمر في بعض الحالات إلى التكرار المرضي كما الحال في إستراتيجية الإعلانات الإشهارية التي لشدة تكرارها تصبح مفروضة وبمجرد ان تصبح ممجوجة تكون بذلك قد حققت نجاحها . ولعل هذه الإستراتيجية هي نفسها التي يتوخاها العسكريون ، كما أهل السياسة الذين يتكئون على بروباجاندا الإعلام . وهذا ديدن الدكتاتوريين والديموقراطيين الأصلاء . ولا غاية في كل هذا غير الإقناع، وطرح الأطروحة الذاتية على أنها الحقيقة المطلقة - على الأقل في ظرفيتها أو لزمن يقدره من يقف وراء هذا التكتيك - ولا يتحقق الإقناع إلا بتقليص هامش الدحض ، بل نفيه ، وعدم السماح للرفض بأن يداخل هذه المساحة المكتسبة حديثا في ذهن المتلقي . وبهذا يتحول الإقناع إلى ضرب من ضروب التبشير بالدوغمائية بمسميات أخرى . لكن النتيجة هي سيطرة الباث تماما على الأفق الذهني للمتلقي ، وتوجيهه عن بعد ، ومعرفة مآلات تأويله ، وحدود تفسيره . هذا إذاما تعلق الأمر بالتواصل المبنيّ على التكافؤ على الأقل زمانيا ومكانيا واجتماعيا وفكريا . لكن المعادلة تختل إذا ما انخرم طرف من أطراف المعادلات المحتملة أو أكثر . وإلا كيف نفسر سيطرة أفكار تبعد عن متلقيها قرونا أو سنوات أو عقودا ومع ذلك يرزح الراهنون تحت نيرها ، بل يتبنونها بعنف ويدافعون عنها بشراسة ، دون القبول بالمساس بتعديلها ، أو الترقي بتأويلها ، أو الاجتهاد فيها . وبهذا تصبح هذه الأفكار ضربا من الأفخاخ التي سقط فيها ضحاياها والذين يتحولون بدورهم إلى إيقاع جدد فيها إيمانا بها أوعملا بمبدإ" عليّ وعلى من معي". وبهذا يصبح الإقناع ضربا من الإيقاع . وبذلك يسطر الطرف الفائز ملحمته الوهمية ، ويظل يتغنى بفوزه الدونكيشوطي، على أن الطواحين التي كان يقارعها من على ظهر حماره الأجرب لن يكون وبالها إلا على غيره، رافضا بشراسة أن فكرته تجاوزها الزمن , منشدّ ا إلى رموز دمرت أكثر مما أفادت وهذه هي الفيتيشية الخبيثة. ثانيا:في الإقناع والقناعة: لا يرعوي ساستنا وعُبّاد الكراسي لدينا ببيان أحقيتهم بالنجاح ، والنباهة والفطنة والذكاء والجدية و والواقعية ، وحبهم الكبير لتونس - هذه البقرة الحلوب - التي رضعوا أثداءها حتى اعتصروا أخيرا دماء ضرعها وهم على يقين بخطر وضعها ، ومع ذلك ما زالت أيديهم تمتد نحوه ، وهم يعلمون أنهم يحلبون دما من جسد منهك ولا حاجة لهم به . لكنهم يفعلون ذلك بسادية مشبعة ، ورغبة في إيذاء الوطن والناس . وإذا ما أحسّوا بخطر يتهدد مصالحهم انبروا في حديث مستفيض عن ضرورة القناعة ، وقلة الموارد ، وضيق الأفق ، وحال البلد ، واستشراء البطالة . وأنهم مكّنوا الناس من حق التجمهر وحق المشي على الرصيف ، ووفروا له بكل اقتدار أن يكون ضحية . فإذا ما اعتُدي على صحافي أو مصور أو رجل الميديا يعتذرون لنقابته . أما الشعب فلا نقابة له ولا اعتذار كذلك . وإذا أراد الشعب أن يُعتذر له فيجب عليه أن ينخرط في نقابة جماعية جديدة . وليس من حقه ساعتها ممارسة السياسة فهي من اختصاصهم هم فقط . واستطاعوا لأمد طويل أن يقنعوا الناس بهذه الشائعة ، ومددوا صلاحية هذا المصل إلى حدود الإجهاز على الخصم ، أو إثخانه وجعله عبدا لأفيون قولهم ، وإستراتيجية تلاعبهم . وبهذا تراهم أول من يرفعون نعش ضحاياهم ، وأشدهم بكاء عليهم ، وأكثر المشاة ، وأول من يشيعون جنائز ضحاياهم ، وأكثر الخلق ترحّما على الموتى ، بل لا ضير لديهم أن يتحدثوا عن الشهداء والثورة المجيدة. وتصبح مفرداتهم كلها في هذا الفلك ، وبنات أفكارهم تنويرية وثورية حد اللمعان والنّصاعة. ثالثا : ثالوث نما بفعلهم في الوقائع والوقيعةوالقناع يدرك المتتبع أن ما يبرر به هؤلاء هو ضرب من السفسطة ولوك الألسن والتدبير المحضّر سلفا . فالوقائع التي يبررونها أدل على نفسها . ونتائجها فاضحة لمراوغاتهم . لكنهم رغم ذلك يجيّرون خصومهم ويوقعون بين الأطراف ليخلو لهم الظرف . ويحكمون على العقول بالبلادة والسخف . ويتنرجسون بخيلاء ويعلمون أن قناعهم اِكتُشِف . وأن المسرح لم يعد يسعهم ، لكنهم يواصلون الطقس في تراجيديا الوطن ودراما الوهم المسيج لعقولهم . ويصارعون حتى وإن كانوا دون أعداء . ويمحقون أي دليل يثبث أن الوقائع من تدبيرهم، بل تحاك الدسائس وتُدبَّر المؤامرات لغيرهم فيصفق لهم المشاهدون في النهاية . ويحوزون لقب الشرف وأبطال الملاحم . ويسجل الحاضرون أنهم أبطال وأنهم ضحوا لأجل المرحلة. ويكتب في الإلياذة أن الشعب المغبون هو الذي ظلمهم ، ولم يفهم أفكارهم الفذة . وهكذا تسطر التواريخ لأن التاريخ كتبه بعض الجبناء ، وحققه بعض المتربصين وملتقطي فتات الموائد. مساء 10/5/2011م