نصوص

في اليوم العالمي لحقوق الإنسان .. الفكرة والسجان

قد لا نكون معنيين بالعقائد السياسية أو المذهبية للآخرين ولكن لا يمكن أ ن نكون غير معنيين ـ كعقلاء ـ بمعضلة "الفكرة والسجان" ... أليس مدعاة للتفكر أن تفشل المناهج العقابية على اختلاف قسوتها في ثني العقلاء عن معتقداتهم وفي تغيير مشاعر الناس وعواطفهم؟ أليس مدعاة للتفكر والتساؤل سحبُ قضايا الفكر والمعتقد من تحت أنظار المثقفين والسياسيين وإحالتها إلى محاكم التفتيش التقليدية والمعاصرة؟ هاتفني أحدُ المغتربين يسألني دفعة واحدة: "هل يمثل لك إعادة سجن الصادق شورو سؤالا وأنت المتكلم دائما في الإنسان؟". عرف

0
9 ديسمبر 2009
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

قد لا نكون معنيين بالعقائد السياسية أو المذهبية للآخرين ولكن لا يمكن أ ن نكون غير معنيين ـ كعقلاء ـ بمعضلة "الفكرة والسجان" ... أليس مدعاة للتفكر أن تفشل المناهج العقابية على اختلاف قسوتها في ثني العقلاء عن معتقداتهم وفي تغيير مشاعر الناس وعواطفهم؟ أليس مدعاة للتفكر والتساؤل سحبُ قضايا الفكر والمعتقد من تحت أنظار المثقفين والسياسيين وإحالتها إلى محاكم التفتيش التقليدية والمعاصرة؟

هاتفني أحدُ المغتربين يسألني دفعة واحدة: "هل يمثل لك إعادة سجن الصادق شورو سؤالا وأنت المتكلم دائما في الإنسان؟".

عرفتُ الآن أنّ الرجل دكتور في الكيمياء وعرفت قبل الآن أنه سجن مذ 17 فيفري 1991.. عمره الآن 61 سنة وله أربعة أبناء ... أطلق سراحه يوم 05 نوفمبر 2008 ثم أعيد إلى السجن بعد أقل من شهر 03 ديسمبر 2008.

وفي المسافة الزمنية الممتدة بين تسريحه وإعادة حبسه يكمن سؤال فلسفي ووجودي يُفترضُ أن ينتبه إليه المشتغلون بالأفكار والعلوم الإنسانية قبل السياسيين والأجهزة الأمنية... كيف يقضي شخص حوالي 18 سنة سجنا ثم يخرج معتقدا بأنه على حق ويرفض تسليم دماغه للتفريغ ويأبى إيداع روحه في مخازن التبريد؟

لا يُطلبُ من أنصار الحرية أن يموتوا تضحية من أجل حرية الرجل ـ كما يقول فولتيرـ ... ولا يُطلبُ أيضا من خصومه أن يموتوا كمدا إذ خرج الرجل من سنوات الدخان غيرَ يائس وغيرَ مقعد الإرادة  وغيرَ متردد كما لو أن مخابرَ الكيمياء قد علمته أن حتميات الطبيعة ليست بعيدة عن حتميات التاريخ.... إنما يُطلبُ من هؤلاء وأولائك أن يسّاءلوا : كيف لا تموت الأفكار ولا تتهرّى الأرواحُ رغم كل أساليب التطريق والتطويق؟ لماذا لم تفلح المناهجُ العقابية في استنباتِ أفكار غير أفكار أصحابها وفي استبدال مشاعر الناس كما تستبدل الأزياء؟

في اليوم العالمي لحقوق الإنسان لا يكفي تقديمُ بياناتِ إدانة الممارسات الإكراهية ولا تقديم آخر إحصائيات ضحايا العنف والاستبداد... وإنما يُنتظرُ التحريضُ على التفكير في معضلة "الفكرة والسجان": إن كان السجينُ على صواب أو بعضه،

فتلك إدانة للذين يُوارُون صوابه ويحرمون الناس من الاستفادة منهُ... وإن كان على خطإ أو بعضه، فتلك إدانة للمجتمع المدني بمؤسساته ونخبه أن عجز عن محاورة وإصلاح الخاطئين وأن سلم مشاغل الأفكار والعقائد إلى مؤسسات غير معرفية ولا علمية.

                                      بحري العرفاوي 08 ديسمبر2009

 

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©