نصوص

في الشعر والإنسان

Normal 0 21 false false false MicrosoftInternetExplorer4 /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Table Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} "الشاعر الرسالي" ليس ش

0
28 أغسطس 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

"الشاعر الرسالي" ليس شاعر قبيلة أو طائفة يتبنى شعاراتها ويترجمها ، إنه شاعر " الإنسان" الإنسان المفرد/ الجمع الذي نسعى إلى أن نكونه.

مهمة الشاعر الرسالي هي إبداع الإنسان المتحرر من كل القيود : قيد الطبيعة وقيد الجهل وقيد الإستغلال وقيد الخوف والمذلة ونزعة الشر والأنانية والحقد. ذاك أن بداية تحرر الإنسان هي وعيه بذاته وإدراكه لمعاني الكرامة والإنسانية ، وهي تمثله للصورة التي يجب أن يكون عليها ووعيه الحاد بالهوة الفاصلة بين ما هو عليه وما يجب أن يكونه، إذ الحرية ليست وليدة قوانين ومواثيق وليست هبة أو صدقة إنما هي فعل تحرر مستمر وحالة كدح عنيد وتطهر متجدد من رجس العبودية بكل أشكالها، وكل ذلك مشروط بوعي الذات وبأن الحرية هي جوهر الهوية الإنسانية ، وهنا تبرز عظمة رسالة الشاعر في الكشف عن "الإنسان" في الكائن البشري وذلك بالتحريض على فعل الحياة وعلى إدانة حالة الموت ... التحريض على التحرر من الظلم فعلا وقبولا ومن الأنانية المولدة للبطش والخوف معا، ذاك أننا لا نكاد نفرق بين الظالم وبين المظلوم المستكين فكلاهما ظالم ل"الإنسان"، إن الذي يظن أنه يمارس الظلم على غيره إنما هو يمارس الظلم على نفسه حين يجردها من إنسانيتها إذ ليس من خاصيات الإنسان البطش والإيذاء والغدر إنما ذاك من خاصيات الحيوان ، الحيوان المفترس تحديدا... وأي جريمة أبشع من أن نقتل فينا الإنسان لنقيم فينا الحيوان المفترس ؟ وأي جريمة أبشع من أن ننزع عنا الألفة والأمان لنتحول إلى كائنات مخيفة مفزعة لا يطمأن إليها ولا يوثق بها إنما يُتوجسُ منها خيفة دائمة؟ بهذا المعنى نقول إن من يعتدي على الآخرين إنما هو بصدد الإعتداء على الهوية الإنسانية . ولا يمكن معالجة تلك الظاهرة بعمق إلا بـــ " عقيدة الإنسان" . فهل حدت القوانين الزجرية والعقوبات من الجريمة ؟ وهل استطاعت مواثيق ورابطات حقوق الإنسان أن تحقق " الإنسان"؟.

إن المظلومين كثيرا ما يكونون ظالمي أنفسهم لقبولهم الظلم وتلذذه ، إذ كثيرا ما تصنع الشعوب الجاهلة جلاديها تدعم فيهم الغرور والإستبداد والأنانية وذلك بالصمت الجبان والخضوع الغبي .. مثل تلك الشعوب ليست أهلا للحرية ولا يمكن أن تكون إلا مستعبدة تساق سوق القطيع وهي تستحق ذلك فعلا وتظل على حالتها تلك حتى تعي ضرورة التحرر بعد ان ينهض فيها الإنسان .

إن الناس يتقبلون من الظلم بقدر قعودهم عن فعل التحرر , ويقعدون بقدر عن التحرر بقدر غياب وعيهم بهويتهم الإنسانية .. وإن الناس يحققون من التحرر بقدر وعيهم بذواتهم .. لذلك تكون ضرورة عمق " الثورة" في الإنسان وليس في قلب الهرم أو استبدال الأدوار فيتحول القاهر مقهورا والمقهور قاهرا وتستمر اللعبة ويتواصل مشهد الجلاد والمجلود ويظل الإنسان في كل الحالات مصلوبا.

فثورة الشعراء الرساليين هي ثورة " الإنسان" وليست ثورة انتقامية حاقدة إنها دعوة للحياة ، إنها ثورة لإنقاذ الإنسان في الظالم / المظلوم وفي المظلوم / الظالم.

وكم هو عمل عظيم أن نحرر الظالمين من أنفسهم بإبداع صورة الإنسان فيهم وإزاحة الغشاوة من على أبصارهم ليُروا القيود التي تكبلهم فهم وحدهم يقدرون على كسرها إذا أرادوا.

إن الشاعر الرسالي يظل محرضا باستمرار على فعل الحياة مُدينا ومستفزا للموتى ولحفاري القبور .. وهو بتصوره العميق حول "الإنسان " ينخرط بوعيه العميق في معركة الحرية ضد القيد في أي مكان متجاوزا الإنتماءات العرقية واللونية واللغوية والدينية ، لأن الإنسان هو الإنسان ولأن الحق هو الحق لا ينحاز إلا لذاته ولأن الحرية لا هوية لها سوى ذاتها.

وكم هو بشع أن يشتغل شعراء مداحين أو هجائين تتملكهم عصبية إيديولوجية أو حمية حزبية يهاجمون من خالفهم الرأي والعقيدة وبل ويحرضون عليه... فأي إنسان يتمثله هؤلاء؟.

إن الأنبياء وهم يحملون رسائل سماوية لم ينتصروا للشرائع من الإنسان ، إنما جاؤوا لتمكين الإنسان من الشرائع , جاؤوا يكشفون له ذاته حتى يتولى التحرر بنفسه لأن الإنسان ـ من حيث هو الهدف ولا يمكن أن يكون وسيلة ولا يمكن أن يُداس في طريق الإنتصار للإيديولوجيات والأحزاب وحتى الأديان.

على الشعراء أن يتحرروا من ضيق الهوية السياسية والإيديولوجية باتجاه عوالم إنسانية أرحب وأعمق وأجمل.

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©