في السياسة والقيم وحنين المغتربين
شركاء المكان" سمّيناهم دائما وليس تعنينا التأويلات التي لا تعنينا... لا يُنكر أحدٌ كونهم تونسيين وكونهم نتاجَ واقع متداخلة عوامله ومؤثراته ولا يُجدي التنكرُ لأهلنا مهما اختلفنا أو حتى تناقضنا معهم... ولن نقدر على إثبات انقطاعنا عنهم وهذه أسماؤهم وأنفاسهم وآثارهم تدل على أنهم جزء من ملمح البلاد وتاريخها وأحداثها... ـ لا تسكت الثقافة حيث قد تسكت السياسة ـ ... معنيون بما يكون أيها السادة جميعا . عودة بعض منتسبي "حركة النهضة" المحظورة إلى أرض الوطن في إطار تسويات فردية مع المصالح المعنية بالخارج وال
- 17 مايو 2010
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
شركاء المكان" سمّيناهم دائما وليس تعنينا التأويلات التي لا تعنينا... لا يُنكر أحدٌ كونهم تونسيين وكونهم نتاجَ واقع متداخلة عوامله ومؤثراته ولا يُجدي التنكرُ لأهلنا مهما اختلفنا أو حتى تناقضنا معهم... ولن نقدر على إثبات انقطاعنا عنهم وهذه أسماؤهم وأنفاسهم وآثارهم تدل على أنهم جزء من ملمح البلاد وتاريخها وأحداثها... ـ لا تسكت الثقافة حيث قد تسكت السياسة ـ ... معنيون بما يكون أيها السادة جميعا .
عودة بعض منتسبي "حركة النهضة" المحظورة إلى أرض الوطن في إطار تسويات فردية مع المصالح المعنية بالخارج والداخل هي الآن محل تفاعل لا يكف عن المد والجزر.
ـ "السلطة تمارس السياسة وهي سلطة لا ننكرها وهي بصدد القيام بعملية فرز" يقول أحدُ العائدين مؤكدا كونه لم يتعرض لأي شكل من أشكال الإبتزاز وكونه لا يرى أي أفق لخطاب "العنتريات" وهو يعيب على بعض شركاء التجربة أسلوبهم في ردودهم وتعليقاتهم في موضوع العودة الفردية .
ـ " قتلني إخوتي... تلك هدايا مجانية ... أين دماء الشهداء وأعراض الحراير وآهات الرجال ودموع اليتامى... بماذا تفسر مثل هذه العودات المتسارعة ؟" قال أحدُ الذين علمتهم الغربة الشعر وعلمهم الشوق إلى الأهل والوطن الكتابة اللاهجة.
ـ " حسبنا الله ونعم الوكيل في إخوتنا" قالها وبكى ... وهو واحدٌ من الرجال المبتسمين الباشين دائما.
ـ " هل إن هؤلاء يعودون كأفراد أم كأفكار؟" يسأل بعض المهتمين بالشأن الوطني وبالسياسة والأفكار.
بعض خصوم الإيديولوجيا وبعض المنتفعين من الأزمات دائما سيتعاملون مع مفاعيل "العودة" بشيء من التشفي والشماتة والنكاية وسيدفعون باتجاه تحويل الإختلاف إلى التفاف وإلى تنغيص فرحة العائدين وأهلهم ... سيدفعون باتجاه الصراع ... وينسون أنهم إنما يُوقدون الجمر في فراشهم.
ـ بعض المهووسين بالمؤامرة الدائمة سيتوجسون من مشروع تقارب خفي يُنسجُ في الخفاء بين السلطة وشق من خصومها السياسيين القدامى لن يمتنع مستقبلا عن استدعاء شقه الآخر!
لا خلاف على أن الشوق إلى الأوطان وأهلها أكبرُ من كل شوق وعلى أن المسافات حاجبة للرؤية ... ولا خلاف على أن طاقات الناس على الإصطبار متفاوتة ولا خلاف على كون النفس البشرية تشهد تموّجاتٍ قد تلامس حالاتٍ قصوى تنتج مواقف وقراراتٍ ليست من مستولدات العقل ولا من مقتضيات السياسة.
معنيون بما يكون أيها السادة جميعا، ولا تسكت الثقافة حيث قد تسكت السياسة،... معنيون ومسؤولون عن القول وعن الصمت وحتى عن الإشارات... مسؤولون أمام الله إذ ْ علم الإنسان ما لم يعلم وأمام الوطن الذي تعلمنا بجهد أهله ومالهم، وأمام التاريخ لا يخجل من أحد حين يتكلم بلسان مبين .
إننا نرى المشهد كما يتبدى ونتشوّفُ مآلاتِ مُقدماته لا نُخطئها بإذن الله ونوره.
"العودة" هي صنيعة جاذبية الوطن وأدفاق الشوق... والعائدون أولائك ليسوا تجارا ولا وُكلاء أسفار حتى يُظن بأنهم إذا ما عادوا لم يُسمع لهم صوتٌ ولمْ يُحسّ لهم ركزٌ... إنهم ذوو فكرة ومعتقد وذاكرة وأشواق... سيكون من غير المستساغ ـ أخلاقا وعقلا ـ القولُ بأنهم استبدلوا الذي هو خيرٌ بالذي هو أدنى! أو القولُ بأن الذي خاصمهُم في السياسة سابقا أصبح ينظرُ إليهم على أنهم خالون من كل وجهة نظر أو اعتقاد أو ذاكرة! وأنه يريدُ الإعتماد عليهم في "صغيرة" أو "كبيرة"!! تلك ظنون لا يليق صدورُها عن عقل سياسي أو مفكر... وتلك ظنون مُقطعة لكل وشيجة ومهلكة للناس... ودافعة لمزيد فساد طرائق الآداء السياسي ومناهج الحوار بين المختلفين من أبناء الوطن الواحد.
معنيون بما يكون أيها السادة جميعا... ولا تسكت الثقافة حيث قد تسكت السياسة.
إن الخصومات الصغرى كما الكبرى ـ في هذه الحال ـ لا تخرج عن دائرة الإيمان فلا يجوز القياسُ بغير شروطه وأركانه... ولا حاجة لاستدعاء أحداث من التاريخ يُقاسُ عليها ما لا يجوز قياسُه... إننا بصدد وقائع وتطورات يُستحسنُ حسنُ قراءتها وحسن التعاطي معها دون ذهاب إلى سوء نوايا ودون احتراز من سوء تقدير .
الدكتور عبد المجيد النجار بمنزلته العلمية ورمزيته الكفاحية واستقامته السلوكية وتوازن خطابه لا يمكن لكل عاقل إلا مباركة عودته للوطن بعد عقدين من الإنقطاع والقطيعة، وإذ يُقدّرُ تخوفُ أصدقائه عليه ـ من باب المحبة والحرص ـ فإنهُ يُخشى أن يبلغ الحرصُ مستوى الشدّة والقساوة وسوء الظن ... وتلك حالاتٌ
يُسَرّ بها صغارُ الأنفس ممن تستوي لديهم المنافعُ الذاتية ومصلحة الوطن الكبرى.
" لا بطولة في الغربة ولا تخوين للعودة" ذاك شعارٌ جميلٌ ردده أحدُ مؤسسي " جمعية المهجرين" يُحيلُ إلى معنى أحقية العودة واستثنائية البقاء بالغربة في انتظار استعادة الوطن لكل أبنائه.
وإذا كانت هجرة هؤلاء التونسيين قد حصلت في أزمنة متقاربة ومن مسالك مختلفة ولأسباب واحدة ، فلا بأس من أن تكون عودتهم بالتقسيط بقدر اتساع مسالك الإجتراع، وتلك حكمة لا بد من إدراكها حتى وإن لم يقصدها أحدٌ من العائدين أو من المستقبلين.
إننا بصدد حالة تدرب جماعي على التسامح وعلى تقارب "المتناقضات" فلا يستعجلن عاقلٌ تمهيد مسالك استحالت "ردْمًا" بفعل عقدين من التجريف ومن تحشيد التهم! ولا يُبدّدنّ وطنيّ بوادر تشكل مشهد أكثر ثراء وأقرب مسافات.
إن البلاد ومذ سنوات قليلات، ولعوامل عدة، قد بدأت تتجهُ نحو أعماقها وتصغي
لنداءات الهوية المتوارية وتستدعي أبناءها تباعا ومن كل فج عميق تحذرهم من التدافع فلا يُسقط بعضهم بعضا.
إن الوطن على مسافة فكرة ونبضة قلب.... فاركض بقلبك أو برجلك يا أخي .
بحري العرفاوي
تونس/ 16 ماي 2010