نصوص

في السمع...

في السمــــــــــــــــــــــــــــــــــــع بحري العرفاوي * «السمع» ـ كما البصر ـ نافذة الذات على العالم الخارجي، عالم له إيقاع حركته وله أصواته وألحانه وتعبيراته الصوتية المختلفة. وما كان «السمع» ليكون ذا معنى لو لم يكن ثمة أصوات، وهل من معنى لسلامة «سمع» لدى من لا يستمعون إلى أصوات العالم من حولهم؟ لا يستمعون لقول ولا لصرخة ولا لحركة التاريخ لا تكف عن الركض باتجاه المستقبل المتجدد! بل وهل من جدوى لسلامة «سمع» مَن يسمعون ولا يتأمّلون ولا يُقلّبُون ولا ينتقون ولا يُبالون كما لو أنهم لم يسمعوا أ

0
17 يناير 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

 


في السمــــــــــــــــــــــــــــــــــــع

بحري العرفاوي *   «السمع» ـ كما البصر ـ نافذة الذات على العالم الخارجي، عالم له إيقاع حركته وله أصواته وألحانه وتعبيراته الصوتية المختلفة. وما كان «السمع» ليكون ذا معنى لو لم يكن ثمة أصوات، وهل من معنى لسلامة «سمع» لدى من لا يستمعون إلى أصوات العالم من حولهم؟ لا يستمعون لقول ولا لصرخة ولا لحركة التاريخ لا تكف عن الركض باتجاه المستقبل المتجدد! بل وهل من جدوى لسلامة «سمع» مَن يسمعون ولا يتأمّلون ولا يُقلّبُون ولا ينتقون ولا يُبالون كما لو أنهم لم يسمعوا أصلا؟   ذوات مُغلقة كما المرجل تتآكل فيداخلها لا تتداخل مع فضاء أرحب تعتمل فيه أفكارٌ ورؤى وتتدافع فيه نداءات وتنسابفيه أصوات وألحان وأناشيد وتراتيل! ذوات تتكور كأعجاز نخل على وهم الحقيقة المطلقةوعلى عقد نفسية تخشى تسربا خارجيا إلى ظلمة الذات الساكنةالباردة.   اللامبالون تخترق الأصوات مسامعهم لا يأبهون بها ولا يتوقفون عندها ولا يتذكرون مواقيتها ولا طقسها كما لو أنهم لا يسمعون! ذوات أشبه ما تكون بخيام ممزوقة تخترقها تيارات هوائية لا تدع فيها بصمات ولا مفردات أو دلالات. «السمعُ» ليس مجرد مجرى طبيعي لذبذبات صوتية إنه وشيجة مُدركة وحساسة تربطنا بمجالنا الطبيعي والبشري والمعرفي تتمدد فيه ذواتنا ونتفاعل معه بعقولنا وعواطفنا وذائقتنا بما يحقق وجودنا بالمعنى الفلسفي وبما يساعدنا على التواجد بالمعنى المدني.   المنغلقون والمكابرون واللامبالون تخترق الأصوات مسامعهم لا فرق لديهم بينها وبين نفخ الريح أو تصفير الفراغ! تسيح الألحان الجميلة والأفكار العميقة والنداءات العاشقة على سطوح أسماعهم ولا يسمعون ولا يتلقفون معنى ولا لحنا ولا نداء.... ذاك «صممُ» الذات مدخل لتصحر الروح ولتصخر العقل ولتصكر البصيرة! هل يقدر أولئك على إقامة علاقات مع شركاء المكان والطقس والمستقبل؟ هل يقدرون على إقامة المجتمعات العارفة والتجمعات المدنية؟ كيف يقدرون على حوار مع ما حولهم ممن بعد أو قرب وممن اختلف أو ائتلف؟ بل وكيف يختلف أولئك أو يأتلفون وهم لا يسمعون؟!   لا يغلّـق أبوابهم إلا الخائفون... المنغلقون ليسوا أدعياء معرفة ولا متعالون إنما هم خائفون من أن تتسرب الأفكار الحية المُحيية إلى برود ذواتهم وتصلبها وإلى سكون ظلمتهم... يخشون انكشاف خوائهم لذلك يستميتون في استغشاء ثيابهم ووضع أصابعهم في آذانهم.   * كاتب وشاعر تونسي

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©