نصوص

في الرد على العلمانيين...حقوق المواطنة في الإسلام

نشرت هذه المقالة منذ مدة، أعيد نشرها للمساهمة في النقاش الدائر على الساحة التونسية حول مواضيع مثل المجتمع المدني ومفهوم الدولة والدولة العلمانية والدولة المدنية، رغم عدم قناعتي بأن هذه المواضيع هي من اهتمامات الشارع التونسي في الفترة الحالية...لكن لا أحد ينكر أهمية ذلك في ظل تواجد فئة تريد طمس الهوية الاسلامية لبلدنا بطريقة أقل ما يقال فيها أنها مستهجنة وغبية وأصحابها لا يتعظون ولا يأخذون العبرة مما يجري.... غايتي من إعادة نشر المقال أولا لأقول لهؤلاء طالعوا وتعرفوا على الاسلام من مصادره ومنابعه

0
4 أبريل 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

نشرت هذه المقالة منذ مدة، أعيد نشرها للمساهمة في النقاش الدائر على الساحة التونسية حول مواضيع مثل المجتمع المدني ومفهوم الدولة والدولة العلمانية والدولة المدنية، رغم عدم قناعتي بأن هذه المواضيع هي من اهتمامات الشارع التونسي في الفترة الحالية...لكن لا أحد ينكر أهمية ذلك في ظل تواجد فئة تريد طمس الهوية الاسلامية لبلدنا بطريقة أقل ما يقال فيها أنها مستهجنة وغبية وأصحابها لا يتعظون ولا يأخذون العبرة مما يجري.... غايتي من إعادة نشر المقال أولا لأقول لهؤلاء طالعوا وتعرفوا على الاسلام من مصادره ومنابعه الأصلية بدل اللهاث وراء أطروحات وأفكار مسبقة لا تمت بصلة لحقيقة الاسلام...ثم ثانيا أٍيد تبيان أن إسلامنا العظيم سبق كل التشريعات بأربعة عشر قرن وربع القرن في سن قوانين المواطنة لغير المسلمين ، وذلك مثبتا نظريا عبر آيات قرآنية محكمة وعبر سنة نبينا عليه أفضل الصلاة والتسليم، ثم تطبيقيا ـ وهذا هام جدا لتبيان أن ذلك لم يكن مجرد شعارات ترفع ـ تطبيقيا نلحظ ذلك اذا ما درسنا تاريخ الدولة الاسلامية على مختلف مراحلها، وبالتحديد دراسة أوضاع الطوائف والأديان وكل الأعراق التي عاشت في وسط المجتمع المسلم...

هذه بعض الافكار البسيطة حول تشريعات المواطنة في الاسلام، فهلم الى النقاش بدل السباحة في بركة السباب والشتائم وتشويه الاسلام والمصيبة أنه بغير علم ، بل سباب ينطلق من أفكار نسجها الغير ويتبناها الآخرون ـ من بني جلدتنا ـ ويرددونها على الطريقة "الببغاوية"والمثل يقولك" أشقى الأشقياء هو الذي يعيش بعقل غير عقله"...أقول أن هذا المنهج يكاد يجمع الكل على عدم جدواه ، أرى أن الكفة تميل نحو توجه عادل ليس فيه لأحد الحق في إقصاء الآخر والبديل هو التعايش المشترك وخدمة البلاد كل من موقعه... نص المقال: <<... لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبؤكم بما كنتم فيه تختلفون >> آية من القرآن الحكيم أنزلت منذ ما يزيد عن أربعة عشر قرنا... سن الله فيها حق الاختلاف في المناهج باختلاف الشرائع والثقافات والحضارات, فالناس سعيهم شتى <<إنّ سعيكم لشتى>> خلقهم الله شعوبا وقبائل ليتعارفوا ويتعايشوا... في مقابل هذا التشريع العادل الذي سنّ منذ قرون, المعترف بحق الآخر في العيش وسط المجتمع المسلم رغم عدم اعتناقه لهذا الدين، يقابل كل ذلك, هذا التهديد المبطن للمتحدث باسم حلف الناتو ـ في التسعينات من القرن الماضي, بالأمس القريب.. ـ جياني ديميكس, تهديدا لمن لا يقبل المنهج الغربي بكل ميادينه, قال: <<أن يصبح النموذج الغربي أكثر جاذبية وقبولا من جانب الآخرين في مختلف أنحاء العالم, وإذا فشلنا في تعميم ذلك النموذج الغربي فإنّ العالم يصبح مكانا في منتهى الخطورة >> فالرجل يريد أن يقول: إمّا نحن وشريعتنا وحضارتنا وإمّا الحرب والإبادة... الرجل يتكلم باسم حلف عسكري, وهو يعني ما يقول: إمّا على دربنا ونهجنا وإمّا أن نوجه إليكم آلتنا الحربية.... فأيّ من هذين التشريعين أعدل وأرحم ببني البشر, أكثر من غيره...؟؟ أي من هذين التشريعين ينكر الآخر, بل ويهدده إن لم ينزع جلده ويلبس ما يفصلونه على مقاساتهم ومقاسات مصالحهم من قوانين وتشريعات... تهمة إنكار الآخر والسعي لاستئصاله والتنكيل به والتضييق عليه وعلى حرية معتقده داخل المجتمع الإسلامي, تعد من التهم الجاهزة التي يسعى الغرب لاتهام الإسلام بها, في كل المناسبات, بسبب وبدون سبب... وفي كل زمان ومكان: في عصرنا اليوم أو عبر التاريخ الإسلامي. نسأل السؤال التالي: من ينكر من, من لا يعترف بمن؟؟؟ هذا ما سأحاول تبيانه في هذه المقالة لإجلاء الحقيقة ولو بنسبة ضئيلة, قدر استطاعتي, لإبراز أنّ الإسلام, سواء على المستوى النظري أو على مستوى التطبيق والممارسة, لم ينكر الآخر ولم يعزله بل أعطاه حقه الذي فرضه الله سبحانه... وما عاشته الطوائف والعرقيات والديانات المختلفة من رخاء وأمن واستقرار وحيازة حقوقهم في ظل الدولة الإسلامية, لم يكن منة ولا خوفا أو خضوعا لهم... بل تشريعا أنزله رب العزة لما رأى فيه من خير للبشرية جمعاء في حال التعايش السلمي والاحترام المتبادل... إنه الإسلام الذي بعثه الله رحمة للعالمين...   الإسلام هو أول من نادى بالإخوة العقائدية والإنسانية (أخ لك في الدين وأخ لك في الخلق) فالمؤمنون إخوة.. والإنسان هو أخو الإنسان بقطع النظر عن عرقه ودينه وطائفته... شئنا أم أبينا. هو أول من آخى بين أشرس القبائل في المدينة وأكثرها خصومات وحروب متبادلة, إنهما قبيلتي الأوس والخزرج, لكن يوم دخولهما الإسلام تقاسما البيوت والأموال..   لا يرفض الإسلام فكر الآخر ومعارفه بل يدعو إلى دراستها والاستفادة منها لأنّه يرى انّها إرث إنساني مشترك بين الأمم ولا يجوز احتكاره... كل ذلك جعل المسلم الباحث لا يتحرج من الاقتباس من حضارات وعلوم وفلسفات الأمم الأخرى السابقة للاسلام أو التي عاصرته. وعى المسلمون الأوائل أهمية الإبداعات البشرية وسعوا إلى النهل من الآخر خاصة في مجال الآليات والمؤسسات والتراتيب لتكون بمثابة أوعية لمقاصد الشرع ومرجعيته, أخذوا عن الروم مثلا تدوين الدواوين ثم أخذوا <<وضائع كسرى>> كآلية تنظيمية لتحقيق العدل الإسلامي في الاقتصاد والضرائب والخراج... وكان مقياسهم في كل ما يأخذونه من الآخر يتمثل في قدرته على تحقيق المقاصد الإسلامية...   لقد كان للإسلام مع الآخر قصص يرويها التاريخ بإعجاب وتقدير, إعجاب بهذا الدين الذي أرسى أسس العدالة في التعامل مع غير المسلمين, خاصة زمن الحروب, حيث يقع الاحتكاك فعليا بالآخر وتشريعاته وعاداته.... لم يكن بين الإسلام والديانات الأخرى أو الأعراف والطوائف ولاء محتوم ولا طاعة مفروضة بل كان بينه وبينهم احترام متبادل ووفاء عظيم <<ولا تجادلوا أهل الكتاب إلّا بالتي هي أحسن>> لم يحدث في التاريخ الإسلامي أن قتل نصرانيّ أو مجوسيّ أو يهوديّ لأنّه رفض الدخول في الإسلام أو عذب أو سجن أو منع من التعبد وإقامة شعائره... لم ينقل عن المسلمين أنّهم قاموا بهدم معبد أو كنيسة. في هذا السياق, أوضح الدكتور محمد حمدي زقزوق في كتاب حقائق الإسلام عند تناوله للشبهة 139: هل الإسلام كفل حرية المعتقد؟ التي وردت في الصفحات 630 إلى 632 من الكتاب, أوضح أنّ الحرية الدينية أقرّها سيد الخلق صلّى الله عليه وسلّم في أول دستور للمدينة.. وهذا ما ورد بالفعل في الصحيفة, فبعد  هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وتوسع المجتمع الإسلامي وإقامته علاقات مختلفة مع عدة قبائل وكيانات مختلفة رأى الرسول صلى الله عليه وسلم أنّه أصبح من الملح إرساء قواعد المجتمع الإسلامي، لتنظيم العلاقة بين المسلمين وغيرهم من أهل المدينة، من أجل توفير الأمن والسلام للناس جميعا، فتأسست صحيفة المدينة التي هي عبارة عن وثيقة أو عقد يشمل جملة من البنود لتنظيم العلاقة بين المسلمين من جهة، وتنظيمها كذلك مع من جاورهم من القبائل من جهة أخرى، وبنودا عامة تشمل الجميع, وبما أنّ قبائل اليهود كانت أكثر القبائل حضورًا في المدينة فقد جاءت أغلب بنود تلك الوثيقة متعلقة بتنظيم العلاقة معهم. لقد وصفت الصحيفة هذا التجمّع بأنّه أمة واحدة وهي لم تقتصر على من سكن المدينة بل شملت كل من قبل ببنودها والتزم بها بغض النظر عن سكنه أو مذهبه أو عقيدته أو لونه أو عرقه أو قبيلته... فمن ارتضاها فقد دخل في هذه الأمّة ومن لم يرض ببنودها فقد خرج منها. لكم نص الصحيفة: <<هذا كتاب من محمّد (صلى الله عليه وآله) بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم، فلحق بهم، وجاهد معهم، إنّهم اُمّة واحدة من دون الناس (أي أسيرهم) المهاجرون من قريش على ربعتهم (أي على حالهم)، يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين... وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، كلّ طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين... وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكلّ طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.... وبنو جُشَم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكلّ طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.... وبنو النجّار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكلّ طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.... وبنو عمرو بن عوف على رِبعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكلّ طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين... وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكلّ طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين... وإنّ المؤمنين لا يتركون مُفْرَحًا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عَقْل وأن لا يحالف مؤمنٌ مولى مؤمن دونه، وأنّ المؤمنين المتّقين على من بغى منهم، أو ابتغى دسيعة (تعني الظلم)، أو إثما أو عدوانا، أو فسادا بين المؤمنين، وإنّ أيديهم عليه جميعًا، ولو كان وَلَد أحدهم، ولا يقتل مؤمن مؤمنًا في كافر، ولا ينصر كافرًا على مؤمن، وإنّ ذمّة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم، وإنّ المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس. وإنّ من تَبِعنا من يهود، فإنّ له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم وإنّ سِلْم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله، إلاّ على سواء وعدل بينهم، وأنّ كلّ غازية غزت معنا يُعقب بعضها بعضًا، وأنّ المؤمنين يبيء (11) بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله، وأنّ المؤمنين المتّقين على أحسن هدى وأقومه، وأنّه لا يجير مشرك مالاً لقريش ولا نفسًا، ولا يحول دونه على مؤمن، وأنّه من اعتبط (12) مؤمنًا قتلا عن بيّنة فإنّه قود به إلاّ أن يرضى وليّ المقتول، وأنّ المؤمنين عليه كافّة، ولا يحلّ لهم إلاّ قيام عليه، وأنّه لا يحلّ لمؤمن أقرّ بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر، أن ينصر مُحدثًا ولا يؤويه، وأنّه من نصره أو آواه، فإنّ عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل، وانّكم مهما اختلفتم فيه من شيء، فإنّ مردّه إلى الله عزّوجلّ، وإلى محمّد (صلى الله عليه وسلم ) وأنّ اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأنّ يهود بني عوف أُمّة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلاّ من ظلم وأثم، فإنّه لا يُوتِغ (13) إلاّ نفسه، وأهل بيته، وأنّ ليهود بني النجّار مثل ما ليهود بني عوف، وأنّ ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف، وأنّ ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف، وأنّ ليهود بني جُشم مثل ما ليهود بني عوف، وأنّ ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف، وأنّ ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف، إلاّ من ظلم وأثم، فإنّه لايُوتغ إلاّ نفسه وأهل بيته، وأنّ جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم، وأنّ لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف، وأنّ البرّ دون الإثم، وأنّ موالي ثعلبة كأنفسهم، وأنّ بطانة يهود كأنفسهم، وأنّه لا يخرج منهم أحد إلاّ بإذن محمّد (صلى الله عليه وآله)، وأنّه لا ينحجز على ثأر جُرح، وأنّه من فتك فبنفسه فتك وأهل بيته، إلاّ من ظلم، وأنّ الله على أبرّ هذا، وأنّ على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وأنّ بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأنّ بينهم النصح والنصيحة، والبرّ دون الإثم، وأنّه لم يأثم امرؤ بحليفه، وأنّ النصر للمظلوم، وأنّ اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأنّ يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وأنّ الجار كالنفس غير مُضارّ ولا آثم، وأنّه لا تُجار حُرمة إلاّ بإذن أهلها، وأنّه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حَدث أو اشتجار يُخاف فسادُه، فإنَّ مردّه إلى الله عزّوجلّ، وإلى محمّد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأنّ الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبرّه، وأنّه لا تُجار قريش ولا من نصرها، وأنّ بينهم النصر على من دَهم يثرب، وإذا دُعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه، فإنّهم يصالحونه ويلبسونه، وأنّهم إذا دُعوا إلى مثل ذلك، فإنّه لهم على المؤمنين، إلاّ من حارب في الدِّين على كلّ اُناس حصّتهم من جانبهم الذي قِبَلهم، وأنّ يهود الأوس، مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البرّ المحض من أهل هذه الصحيفة>>   وبنود هذه الصحيفة مبنية على نصوص ثابتة، وقواعد شرعية، ومصالح معتبرة، منها قوله تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إنّ الله يحب المقسطين} (الممتحنة:8). وقوله صلى الله عليه وسلم: (المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده)رواه الإمام أحمد وأبو داود وصححه الألباني. <<يا أيّها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم >> بهذا النداء أو الصيحة الثائرة واجه الإسلام الطوائف والأعراق والأنساب والتفاضل القبلي ثم مضى الإسلام زاحفا نحو تطبيق ذلك تطبيقا عمليا...   هل هناك ما هو أشمل وأوضح من هذه العدالة التي اتسمت بها معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لليهود؟!.. وترسيخ المبادئ الإسلامية، كما أنها اشتملت جميع ما تحتاجه الدولة، من مقوماتها الدستورية والإدارية، وعلاقة الأفراد بالدولة، وعلاقة بعضهم ببعض. أليست هذه هي أسس المواطنة والمجتمع المدني التي يتشدق بها الغرب اليوم ويتهم الإسلام بإنكارها, ويدعي أنّه لا وجود لحرية الآخر في ظل دولة الإسلام... وهو الذي أسس مجتمع المؤسسات قبل الغرب بقرون..   أوضح الدكتور في نفس الفصل من الكتاب المذكور أعلاه, أنّ الإسلام كفل أيضا حرية التعبير والنقاش على أساس موضوعي للمسلم وغير المسلم... وفي ذلك يقول القرآن :<<ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن>> النحل 125 وقد وجه القرآن هذه الدعوة إلى الحوار إلى أهل الكتاب <<قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا أربابا من دون الله, فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون>> هذا يعني أنّه إذا لم يصل الحوار إلى نتيجة فالحل هو الآية <<لكم دينكم وليَ دين>> فالاقتناع هنا هو أساس الإيمان... قد يقول قائل إنّ بعض العصور الإسلامية فرضت على غير المسلمين في بعض البلاد قيودا تحد من حرية المعتقد, فالسبب لم يكن سياسة منهجية بل أغلبها أحداث معزولة وتصرفات شخصية والبعض مرتبط بالفعل ببعض مقتضيات السياسة الرعناء لبعض الحكام... لقد كان مصدرها الأهواء والغرور والجهل أو الدس الأجنبي, الذي كان بدوره يقوم بتضخيمها وتسليط الأضواء عليها لتشويه الإسلام... وهو نفس الأسلوب الذي ينتهجه في التعامل مع الإسلام وأهله في عصرنا, والذي نعاني ويلاته ونتائجه... ثم إنّ النظام الإسلامي كغيره من النظم له حق المحافظة على أسسه واستقراره وهويته... ففي أرقى المجتمعات الحديثة اليوم وأشدها تغنيا بالحريات تصادر حرية من يعمل لتحطيم حريات الآخرين أو تصادر الآراء عندما تهدد المصالح العامة. ألَمْ تقمع الحركات الشيوعية في أروبا لأنهم كانوا يرونها تهديدا للسلم واستقرار أوطانهم... فلماذا يؤخذ على المجتمعات الإسلامية عبر التاريخ أنّها قمعت بعض الآراء المدمرة, من أجل أو في سبيل السلامة العامة... فهذا القمع لا يعد خرقا لمبدأ حرية الرأي... ذهب في نفس السياق, الدكتور حمدي زقزوق في نفس الموضع من الكتاب المذكور سابقا, أنّه لكل فرد حرية اختيار ما يشاء من الأفكار والمذاهب حتى وإن كان الإلحاد ولا أحد يمنعه في الإسلام من ذلك, إذا ما التزم حدوده ولا يؤذي بأفكاره مصلحة المجتمع. لأنّ في ذلك اعتداء على النظام العام للدولة وقد يصل إلى تهمة الخيانة العظمى التي تعاقب عليها معظم الدول بالقتل... فقتل المرتد حسب الدكتور يكون إذا أثار الفتنة والبلبلة وهدد السلم الاجتماعي ودون ذلك ليس لأحد التعرض له..

لعل من ابرزالامثلة على تسامح الاسلام واعترافه بالاخر وسعيه لضمان حقوقه هو مثال الخليفة عمر عندما دخل بيت المقدس وزار كنيسة القيامة ولما حان وقت الصلاة لم يجد مكانا يؤدي الفريضة فيه الا الفسحة الواقعة امام مدخل الكنيسة وعندما قيل له لماذا لم تصل داخلها اجاب الخليفة انه كان باستطاعته ان يصلي داخل الكنيسة ولكنه خشي ان فعل ا ن ياتي يوم يطالب فيه المسلمون بالمكان الذي صلى فيه عمر ...لم يكتف عمر بذلك بل ها هو يعطي الامان لنصارى القدس , امانا عن كنائسهم واملاكهم وانفسهم وغيرها ...اصدر الخليفة يومها ما سمي بالعهدة العمرية قبل اربعة عشر قرن من اتفاقيات جينيف وما يسمى بمواثيق حقوق الانسان ...اليكم نص العهدة العمرية:<<

هذا ما أعطى عبد الله أمير المؤمنين (عمر بن الخطاب) أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبناهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها أنه لا تسكن كنائسهم، ولاتهدم، ولاينتقص منها، ولا من خيرها، ولا من صُلُبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم ولا يسكن بإيلياء (القدس) معهم أحد من اليهود وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن، وعليهم أن يُخرجوا منها الروم واللصوص، فمن خرج منهم فهو آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بيعهم وصلبهم، فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وعلى صلبهم حتى يبلغوا مأمنهم، ومن كان فيها من أهل الأرض، فمن شاء منهم قعد وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن شاء سار مع الروم، ومن رجع إلى أهله فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصدوا حصادهم>> بينما اليوم وفي نفس المكان يدنس المسجد الاقصى يوميا , ويقتطع من اجزائه ومن ترابه ومعالمه في كل حين ...وتحول المساجد اما الى ملاهي ليلية او إسطبلات للبغال والحمير ...وهاهو اليوم يعتدى على الحرم الابراهيمي وغيره بضمه وسرقة تراثه ....ويهدم المسجد الاقصى تدريجيا وبصورة خفية تنم عن خبث ودهاء الفاعل ...من طرف من , كل دلك ؟ انها افعال اول ديموقراطية في المنطقة ..على حد تعبير الغرب المتواطئ والمشارك في الفعل , بصمته الرهيب , عن هدا الكيان الدي نسميه بالفم المليان الكيان الصهيوني المجرم ...وفي الوقت الذي اقرت العهدة العمرية بالتعددية الثقافية والدينية داخل الدولة الاسلامية ومنذ قرون خلت ...نجد مرة أخرى وعلى نفس التراب دولة الكيان الصهيوني في القرن الواحد والعشرين (في زمن يسمونه زمن حقوق الانسان ومواثيق جينيف وغيرها ..) تنادي بدولة يهودية, تلغي الآخر بامتياز ولا تعترف بوجوده على ما يسمى ظلما <<ارض اسرائيل>> واول المتضرر طبعا هو الفلسطيني المالك الشرعي لتلك الارض ... موقف آخر لعمر وعدله مع الآخر الغير مسلم ,ها هو يطلق صرخته التي لا تزال تدوي <<متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا >> وهي صيحة تذكرنا بقصة الرجل القبطي , الذي جاء الى عمر يشكوه تصرف ابن عمروا بن العاص ـ والي مصر انذاك ـ تجاه ابنه وكيف ضرب لنا الفاروق مثالا في قمة العدل حينما اقتص من واليه (عمرو بن العاص ) لصالح القبطي ...وفي المقابل لكم بعض الامثلة البسيطة عن المسيحيين و علاقتهم ببعضهم البعض ...كلنا يعرف الحروب الدامية بين الكاثوليك والبروتستانت عبر التاريخ والى اليوم (ايرلندا الشمالية ) وما خلفته من ضحايا بالملايين ...فمذابح <<سانت بارتيلمي >>بين الكاثوليك والبروتستانت لم يعرف في تاريخنا الطويل ما يشبهها هولا...نذكّر هنا ايضاـوفي نفس السياق ـ بموقف ملوك فرنسا في القرن السابع عشر من خصومهم الدينيين ففي عام 1675 اعتبرت فرنسا كل زواج لا يعقد على الطريقة الكاثوليكية زواجا غير شرعي..لقائل ان يقول لعل ذلك عصر الظلام والجهل ...لكن واقع اليوم يثبت عكس ذلك ويكذب بصورة جلية تلك المقولة ...لقد ضاقت صدورهم حتى ببعضهم البعض ,ففي سنة 2000اصدر الفاتيكان قرارا يعلن فيه ان الكنائس غير الكاثوليكية ليست كنائس بالمعنى الصحيح وان الخلاص في اليوم الآخر محصور في الكنيسة الكاثوليكية وحدها . مع العلم ان هذا القرار جاء ردا على رفض قساوسة دير سانت كاترينا بسيناء في مصر وهم ارتودوكس ان يصلي بابا الفاتيكان انذاك عندما زار مصر في فيفري من نفس السنة ... يحدث هذا بينما كلنا يعرف قصة رسول الله مع نصارى نجران , عندما فتح لهم سيد الخلق عليه الصلاة والسلام مسجد المدينة,اي قبل اربعة عشر قرن , فصلى فيه النصارى صلاة عيد الفصح ... وكان قد كتب لهم عهدا ولكل النصارى عبر الزمان والمكان..نص العهد على ما يلي :<<ان لنجران وحاشيتها وسائر من ينتحل النصرانية في اقطار الارض , جوار الله وذمة محمد رسول الله , على اموالهم وانفسهم وذمتهم ...وبيعهم وكل ما تحت ايديهم , ان احمي جانبهم واذبّ عنهم وعن كنائسهم وبيعهم وبيوت صلواتهم , ومواضع الرهبان ومواطن السياح ...وان احرس دينهم وملتهم اينما كانوا بما احفظ نفسي وخاصتي واهل الاسلام من ملتي ...لاني اعطيتهم عهد الله على ان لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين , وعلى المسلمين ما عليهم , حتى يكونوا للمسلمين شركاء فيما لهم وفيما عليهم >> كان صلى الله عليه وسلم يومها في أوج قوته وبإمكانه إرغام الناس على اعتناق دينه ...فيوم ان كنا اساتذة الدنيا وسادتها لم نرغم او نكره احدا على الدخول في الاسلام ...فكيف تتهموننا اليوم بالسعي لاسلمة ارويا , ونحن على ما عليه من ضعف وهوان : مقهورون مستعمرون مسلوبو ا الإرادة ...نعم ,نرغب في دخول الناس لدين الله افواجا , لكن بالقناعة لا بالإكراه ,الإكراه نهج نهانا عنه شرعنا ...اما الاعتناق اليومي لعدد لا بأس به من ابناء جلدتكم للإسلام فهذه قصة اخرى عليكم ان تبحثوا في اسبابها بسؤال هؤلاء , لماذا دخلوا في هذا الدين... ؟؟؟لعله في الإجابة خلاص لكم , بالدخول في رحاب الاسلام ...وستكتشفون يومها ان الاسلام دين يحمل في طياته ما نسميه قوة الدفع الداتي , اي انه ينتشر بصورة تلقائية ودون اكراه لان في مكوناته ما يجعله يسري في النفوس بصورة تلقائية ... هم يرفضون الاعتراف ببعضهم البعض ,فكيف بالآخر اذا ...؟؟؟ الآخر يتمثل خاصة في المسلمين , يمكن تلخيصه في قولة المستشرق الفرنسي جاك بارك عن انكار الغرب للاسلام , قال :<<ان الاسلام الذي هو آخر الديانات السماوية الثلاث , والذي يدين به ازيد من مليار نسمة في العالم , والذي هو قريب من الغرب جغرافيا وتاريخيا , وحتى من ناحية القيم والمفاهيم قد ظل ويظل حتى هذه الساعة بالنسبة للغرب ابن العم المجهول والاخ المرفوض , والمنكور الابدي والمتهم الابدي والمشتبه فيه الابدي .>>(اورد هذا الاستشهاد الدكتور محمد عمارة في كتابه الاسلام واللآخر)المنكور الابدي عبر التاريخ والى اليوم ...لو تحدثنا اليوم عن محاكم التفتيش في اسبانيا التي كان المقصود بها القضاء على المسلمين حيث استخدمت ابشع انواع التعذيب من احراق للناس احياء ونزع اظافرهم لاكراههم على ترك دينهم , لو تحدثنا عن ذلك سيقال لنا انها عصور الجهل , وستجد سيلا من التبريرات التي لا يصدقها عاقل ...وفرضا لو قبلنا بذلك , الا يحق لنا طرح التالي :ومجازر الامس القريب في الشيشان والبانيا والبوسنة ...الم تكن حربا لتحويلهم عن دينهم او في احسن الاحوال عدم الاعتراف بوجودهم بينهم ...هل ينكر الغرب ذلك ؟؟؟هل لقي المسيحيون وغيرهم من الطوائف , في الشرق وعلى مر العصور شيئا من ذاك القبيل ..؟؟ وقد استمرت هذه السماحة الى اليوم , عبر عن ذلك الكاتب الانجليزي توماس ارنولد عندما اعتبر ان دوام الطوائف المسيحية في وسط اسلامي دليل على سماحة الاسلام واعترافه بالآخر.... ومجازر اليوم على طول وعرض البلاد الاسلامية :العراق وفلسطين وافغانستان وباكستان ...اليست حروبا شعارها اما معنا اوضدنا ...اما على منهاجنا, او القنابل والمدافع فوق رؤوسكم ...و بالله عليكم هل هناك انكار للآخر وحقه في ان يكون له رأي ..وهل هناك اوضاع مقلوبة اكثر من ان يبطل راي الفرد ما يجمع عليه الآخرين ولا يستطيع المجموع ان يتخذ قرارا لرفع ظلم او لنصرة حق اذا اعترض على ذلك فرد واحد صاحب قوة ...اليس هذا هو الواقع المتمثل فيما يسمونه بحق الفيتو أليس هو حق في الضرب بعرض الحائط لأراء الآخرين و فرض الظلم واجازة الاعتداء على الحقوق دون رادع ...أليست هذه فرعونية العصر ,لا أريكم الا ما أرى. هذه بعض الامثلة البسيطة التي تدل على غطرسة الغرب وسعيه المتأصل في منظومته الفكرية ,لاجتثاث حضارة وثقافة الآخر لتسهل الهيمنة عليه ... في مقابل ذلك ,يرى الاسلام في العالم <<منتدى ديانات وثقافات وقوميات وحضارات >>تتعاون وتتعارف وتتفاعل عبرالمشترك الانساني العام وفي نفس الوقت تتمايز فيما هو خصوصيات حضارية وثقافية ودينية ... فالاسلام يرفض نظرية صراع الحضارات , وسن في المقابل سنة التدافع لان الله خلق الناس شعوبا وقبائل تختلف بحسب اعراقها ودياناتها و السنتها و حضاراتها ...هناك نوع من التمايز الطبيعي بين الشعوب ...فالصراع من منظور اسلامي هو انهاء للتعددية , بينما يرى عكس دلك هانتنجتون الذي يعد من مستشاري صناع القرار في الغرب , والذي نادى بصراع الحضارات التي لا تنتمي للنموذج الغربي والبداية تكون مع الحضارة الاسلامية...ثم تليها الصينية وغيرها حتى يقبل هؤلاء بالنمودج الغربي وهم صاغرون مستسلمون لقدر هيمنة الحضارة الغربية ... وقد تجنى هانتنجتون على الاسلام عندما وضعه الشق الآخر للصراع و عدّ الصراع فعلا متبادلا ...وهذا تزييف للحقيقة لان الاسلام هو الضحية في صراع اليوم والامس ثم ان الاسلام لا يصارع غيره من اجل الغائه بل يرفض فلسفة الصراع ويتبنى <<فلسفة التدافع الذي هو حراك سياسي وديني وفكري واجتماعي يصحح مواقف الظلم والجور والخلل ليعيد علاقات الفرقاء المتمايزين والمختلفين الى نقطة العدل والتوازن دون ان يذهب بالصراع الى صراع الآخر والغائه وايضا دون ان يتبنى موقف السكون والسلبية الذي يدع العالم ومجتمعاته غابة يفترس الاقوياء فيها الضعفاء >> فالغرب اليوم يسعى لالغاء خصوصية الآخر وتميزه ثقافيا وحضاريا ...وجعل العالم وطنا واحدا تسود فيه حضارة الغرب ... ويعد ذلك من الامور الشبه مستحيلة,لان التمايز والتعددية لا تلغي المشترك الانساني العام الذي يلتقي حوله كافة البشر ..ثم ان التمايز الحضاري هو ضرورة طبيعية لبني البشر وهي سنة من سنن الله , وهو ليس غاية في ذاته بل ضرورة من اجل استقرار الشعوب ونهضتها لما لهذه الخصوصيات من دور فعال في <<شحن شعوب هذه الامم بالكبرياء المشروع والطاقات المحركة في معركة الابداع ...ولما للتعددية الحضارية من دور في اثراء مصادر العطاء العالمي ..وايضا لما للاعتراف بهذه التعددية من كشف وتعرية لروح الهيمنة والعدوان والاستعلاء التي تخفيها الحضارة المتغلبة على عالمنا المعاصر , وهي الحضارة الغربية تحت ستار وحدانيتها وعالميتها وانسانيتها . ولما لهذا الكشف من دور في اذكاء روح المقاومة عند الامم المستضعفة حضاريا ...>>(محمد عمارة :كتاب الغزو الفكري صفحة ثمانية ) أستودعكم الله مفيدة الحامدي عبدولي
جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©