نصوص

في الذكرى 29 : الحصاد المؤسساتي لحركة النهضة التونسية

ونحن نشرف على نهاية العشرية الثالثة لتأسيس حركة النهضة التونسية وعلى نهاية العشرية الثانية لأبعادها عن البلاد ومحاولة القضاء عليها وفي فترة تميزت بنوع جديد من الحراك السياسي تمثل في تسوية ملفات بعض المهجرين وعودة البعض منهم إلى البلاد يصبح السؤال عن النهضة كمؤسسة سؤالا أساسيا خاصة إذا كان يحاول تقييم الفعل المؤسساتي لتجربة الحركة باعتبار أن بناء المؤسسات والمجتمع المدني هو الغائب الحاضر في الحياة السياسية والإجتماعية التونسية إضافة إلى أنه الحلم الذي ينام ويصحو عليه السياسي التونسي، علّه يدرك يو

0
6 يونيو 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة


ونحن نشرف على نهاية العشرية الثالثة لتأسيس حركة النهضة التونسية وعلى نهاية العشرية الثانية لأبعادها عن البلاد ومحاولة القضاء عليها وفي فترة تميزت بنوع جديد من الحراك السياسي تمثل في تسوية ملفات بعض المهجرين وعودة البعض منهم إلى البلاد يصبح السؤال عن النهضة كمؤسسة سؤالا أساسيا خاصة إذا كان يحاول تقييم الفعل المؤسساتي لتجربة الحركة باعتبار أن بناء المؤسسات والمجتمع المدني هو الغائب الحاضر في الحياة السياسية والإجتماعية التونسية إضافة إلى أنه الحلم الذي ينام ويصحو عليه السياسي التونسي، علّه يدرك يوما ما دولة القانون والمؤسسات التي كانت الوعد الأساسي الأول الذي ورد في بيان السابع من نوفمبر وتكمن أهمية البحث في المؤسسات لأنها تعبّر عن النبض الشعبي ولأنها هي التي تقوم بتأطير وقيادة الشباب نحو نوع من أنواع النقاش والهمّ الوطني والتفكير المشترك في الشؤون العامة. كما أن المؤسسات أنثروبولوجيا تمثل تتمة وتكملة للنقص التي يتميز به الإنسان إذ تساعده على تحقيق أعباء يعجز عنها بمفرده فهي تتجاوز المنظومات التقليدية من الإنتماء (القرابة ، العائلة، القبيلة) إضافة إلى أن للمؤسسات القدرة على الضغط على السلطة والإسهام في صياغة رأي عام يمثل التوجه العام للمجتمع المدني.   ولو أردنا أن نشير باختصار إلى الحصاد المؤسساتي لحركة النهضة فإننا نعود به إلى بداية نشاط حركة النهضة، أي إلى أواخر ستينات القرن الماضي. ففي هذه الفترة كان المشهد المؤسساتي التونسي يتسم بسيطرة الحزب الواحد على كل شيء في البلاد وكان الرئيس بورقيبة هو الفاعل الأساسي في الحياة السياسية وكانت الأيدلوجيا التي أسس عليها نشاطه تقوم على فكرة أنه "المجاهد الأكبر وصانع الإستقلال ومحرر المراة وباني تونس الحديثة". ولكن مع هرم هذا الفاعل، أي الرئيس الحبيب بوقيبة، وعجزه على التسيير والمسك بزمام الأمور إضافة إلى توالي الإخفاقات السياسية والإجتماعية والإقتصادية التي صاحبت دولة ما بعد الإستقلال في تجربة التعاضد ثم أثناء التجربة اللبرالية بدأت النخبة السياسية التونسية تبحث عن متنفس فظهرت تدريجيا تيارات وأحزاب كان من ضمنها "الجماعة الإسلامية"، التي تحولت سنة 1981 إلى "حركة الإتجاه الإسلامي" ثم غيرت اسمها سنة 1988 إلى "حركة النهضة" تأقلما مع قانون الأحزاب الذي يمنع قيام حزب على أساس ديني. وبذلك بدأت تتأسس نواتات لمجتمع مدني ومؤسساتي عدّلت بعض الشيء في الصورة التونسية الرتيبة. ومنذ البداية اتجهت مجموعة الشباب الإسلامي التي كان يقودها الشيخ راشد الغنوشي والشيخ عبد الفتاح مورو إلى نمط جديد في العمل الإسلامي حيث اعتمدت استراتيجيتين اثنتين: الأولى كانت متجهة نحو التاريخ والأصالة والثانية تمثلت في تحقيق الإندماج داخل الحداثة والتعايش معها. ولم تكن هذه الإستراتيجية نابعة عن تخطيط أو برمجة منظمة بل إنها كانت عفوية ناتجة عن تأثّر الرعيل الأول من شباب حركة النهضة بالتجربة الإخوانية وتجربة الدعوة والتبليغ ومن مواكبتها لتطور الفكر الإسلامي حتى ذلك الحين. وبما أن بورقيبة لم يكتف فقط بألغاء "المؤسسة الزيتونية" العريقة بل سعى إلى القضاء على كل ما له علاقة بها فألغى "مؤسسة الوقف الإسلامي" التي كانت تمتلك حوالي ثلثي الملكية في البلاد وقضى على "مؤسسة القضاء الشرعي" ثم قام بالسيطرة التدريجية على "مؤسسة الإفتاء" وربطها بالسلطة حتى أصبح المفتي عبارة عن موظف إداري مما سهل توظيف هذه المؤسسة بشكل براغماتي ومناسباتي أفقدها إشعاعها وجعل المواطن يبحث عن بديل قريب منه وجده في النهضة وأبنائها. إضافة إلى أن السياسة البورقيبية قضت على ما تبقى من سلطة "مؤسسة القبيلة" التي مثلت تاريخيا نوعا من السلطة المحلية المستقلة والتي تحد من سيطرة المركز ولكن دولة الإستقلال ربطت الجميع بجهاز إداري مركزي خاضع ومراقب من الدولة بحيث تلاشت هذه المؤسسة بسرعة. ولما كان من الصعب إحياء المؤسسات السابقة أتجه جيل التأسيس إلى إحياء مؤسسات فقدت إشعاعها وحضورها الجماهيري فتوجه الإسلاميون إلى مؤسسة مركزية لم تلق لها السلطة بالا ولكنها ساعدت الإسلامييين بشكل كبير في بناء جسر تواصل مع الجماهير وهي "مؤسسة المسجد" الذي تحوّلت مع النهضة من مجرد بيت صلاة إلى إطار حيوي للحوار الفكري والسياسي والإجتماعي، ومن خلالها استطاع الإسلاميون إحياء مؤسسات أخرى كمؤسسة الزكاة التي وإن كانت تحتاج إلى صناديق مفتوحة فإنها تحتاج أكثر إلى قلوب مفتوحة لتتحول إلى "نهر كبير من السلع تفيض من قلب إلى قلب ... من إنسان إلى إنسان" كما يقول علي عزت بيكوفيتش. ومن أجل إيجاد هذه القلوب المفتوحة ركز الإسلاميون جهدهم على إحياء مؤسسة مهمة وهي "مؤسسة الأخوة الإسلامية" التي من خلالها نجح الإسلاميون في القضاء على الخلافات الجهوية (جنوب/شمال، مدينة/ريف، حضر/بدو...) وغدى الجميع مرتبطا برابط قوي، وهو العقيدة، التي تجاوزت هذه الإنتماءات التي لم تنجح قوى التغيير الأخرى في تقليصها بل إنها زادت أحيانا من حدتها، فرغم جهد اليسار في التصدي لأحادية النظام السياسي إلا أنه فشل في بناء اتصال جماهيري عريض بل إنه بقي، بصفة عامة، بعيدا عن هموم عامة التونسيين لأن فعله السياسي قام على مصادرة "الدين أفيون الشعوب" فجعل بينه وبين المجتمع التونسي المسلم والسني المالكي المحافظ حاجزا وهوة كبيرة لم يقدر على التخلص منها وساهم في خلق أزمة إجتماعية تمثلت في صراع الأجيال: جيل الأباء المحافظين السنيين المالكيين وجيل الشباب الثائر على كل ما له علاقة بالدين واعتباره تخلفا ورجعية ولم يتم تجاوز هذا الصراع إلا بعد سيطرة الإسلاميين على الشارع والجامعة فحدث تصالح بين الأجيال . بالتوازي مع هذا التوجه للمؤسسات التقليدية وإعادة إحيائها لم يغفل الإسلاميون التونسييون المؤسسات المدنية الحديثة والمعاصرة مثل الأحزاب والنقابات ودور ونوادي الشباب والنشاط الطلابي والكشافة والنوادي الرياضية وغيرها... ففي الثمانينات حيث بدأت نواتات لمجتمع مدني تتشكل وتبحث لها عن سند جماهيري فتأسست مجموعة من الأحزاب كان من بينها "حركة الإتجاه الإسلامي"، وكان هذا الإعلان خطوة مهمة في الحياة السياسية التونسية لأنه أبرز أن الإسلاميين يطمحون منذ البداية إلى العمل العلني والإسهام المؤسساتي في البلاد، ولكن السلطة التونسية تعاملت مع هذه المبادرة بعنف وحاولت أن تخنقها في مهدها. في نفس هذه الفترة كان "الإتحاد العام التونسي للشغل"، وهو أعرق المؤسسات النقابية العربية، يمثل أكثر المؤسسات حضورا ميدانيا وجماهيريا مما جعل القوى السياسية كلها تسعى إلى التفاعل معه والإنخراط فيه ولم يشذ الإسلاميون عن هذه القاعدة فشارك العديد من أبناء النهضة في العمل النقابي واستطاع البعض منهم أن يصل إلى بعض المسؤوليات المحلية والجهوية. كما أن من ضمن المؤسسات الحديثة والتي استطاع الإسلاميون الإسهام فيها بشكل كبير مؤسسة "الكشافة التونسية" التي نجح الإسلاميين في إخراجها من حالة السبات التي كانت تعيشها فغدت مؤسسة تربية وتأطير للشباب على أهداف كشفية وعلمية تم ربطها بتعليمهم لأصول دينهم وتزويدهم بالثقافة الإسلامية المعتدلة. وسجلت حركة النهضة نجاحها المؤسساتي الأكبر في الجامعة إذ توصل أبناؤها إلى تأسيس المؤسسة الطلابية المركزية "الأتحاد العام التونسي للطلبة" سنة 1986 لتكون هذه المؤسسة الصوت الطلابي الأكثر تمثيلية والتي مهدت لتأسيس المنظمة الثانية "الإتحاد العام لطبة تونس". بعد إبعاد النهضة في التسعينات شهد الوضع المؤسساتي مواتا شبه كلي، وبقيت "المؤسسة الأمنية" هي المؤسسة الوحيدة المسيطرة على الساحة بعد أن تمت السيطرة على سائر مؤسسات الدولة والمجتمع. فتم الإنقلاب على الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان سنة 1994 وأبعد رئيسها الدكتور المنصف المرزوقي، وخضعت "مؤسسة القضاء" بشكل كلي لإملاءات تأتي من خارجها جعل التونسي يعتبر أن العهد البورقيبي كان أرفق بهذه المؤسسة. ومما يلفت الإنتباه في الحالة المؤسساتية التونسية هو قدرة المؤسسة الأمنية ومن والاها على تدجين مؤسسة تمثل في كل بلاد العالم سلطة مستقلة لها القدرة على إحداث تغييرات سياسية وحكومية وغيرها ونعني بهذ الكلام "مؤسسة الصحافة" التي اصبحت تعدد إنجازات خيالية وتصف نجاحات وهمية. ولما كان المجتمع أشبه بالجهاز الحي الذي يحاول الدفاع عن مناعته فإن أصواتا كثيرة رفعت وحاولت إصلاح الأمر، كما فعل القاضي المختار اليحياوي الذي أراد الدفاع عن استقلالية مؤسسة القضاء كما حاول عدد غير قليل من الصحفيين الدفاع عن السلطة الرابعة مثل الصحافي توفيق بن بريك وعبد الله الزواري وغيرهم، إلا ان السلطة اعتبرت هذه المحاولات عمليات تمرد خطيرة وتعاملت معها بقسوة سواء بالعزل أو بالسجن أو بالنفي داخل الوطن وخارجه. هذا الوضع المؤسساتي الذي آلت إليه البلاد جعل القانون أو الدستور آخر ما يتعامل بمقتضاه مما كان له بالغ الأثر على "مؤسسة الدولة" نفسها حيث أخذت تدريجيا تفقد دورها. ومما زاد الطين بلة دخول فاعل جديد على العمل المؤسساتي في تونس زاد من ضعف دور الدولة وأفزع النخبة السياسية التونسية. وتمثل هذا الفاعل الجديد في أصهار الرئيس التونسي الجدد، الذين ظهروا في البداية كمؤسسة هلامية غير واضحة المعالم ولكنها تمكنت بعد ذلك من بسط نفوذها كليا على المؤسسة الإقتصادية وجزئيا على المؤسسة الأمنية نفسها، وأصبحت "مؤسسة الأصهار" تمثل حزبا غير معلن عنه كما أثبت صاحبي كتاب "حاكمة قرطاج". وتكمن قوة هذه المؤسسة الجديدة في أنها تستمد سلطتها وشرعيتها من خلال قربها من رئيس الدولة الذي يمثل مؤسساتيا الرمز وضامن الشرعية. ورغم التنافس الذي حصل في البداية بين المؤسسة الأمنبة وبين هذه المؤسسة الوليدة أي "مؤسسة الأصهار" إلا أنه وبمرور الزمن وباختلاف الإهتمام حيث أن مؤسسة الأصهار كان تتوجه نحو الإستفادة المادية من الوضع في جين أن المؤسسة الأمنية لها أهدافها الأخرى حصل نوع من توزيع السلطات بشكل من التراضي على أن تقوم كل مؤسسة بدورها دون أن تتم عرقلتها من الأخرى.. هذا الوضع جعل النخبة السياسية التونسية تطلق صيحة فزع من أجل إنقاذ مؤسسة الدولة نفسها فدعى الدكتور المنصف المرزوقي إلى "استقلال ثان" واعتبر أن تحقق الإستقلال من هيمنة خارجية قد تم وأنه آن الأوان لإستقلال ثاني للتحرر من سلطة داخلية. وتوجه الشيخ راشد الغنوشي إلى البحث عن التأسيس لنظرية للمجتمع المدني في كتابه "مقاربات في العلمانية والمجتمع المدني"، وأما سائر فصائل المجتمع المدني فإنها أجتمعت تحت سقف مؤسسة جديدة هي "حركة18 أكتوبر" التي جمعت الإسلاميين واليساريين والديمقراطيين وغيرهم. وهذه المؤسسة تشبه كثيرا مؤسسة "كفاية المصرية" كما يقول الأستاذ فهمي هويدي. وبذلك واكبت الحياة السياسية التونسية نظيرتها العربية من أجل الدفاع عن حصانة المجتمع المدني. وهكذا يمكننا الخلوص إلى القول إن حركة النهضة استطاعت أن تأسس لثقافة مؤسساتية توفّق بين الأصالة والحداثة ، فلم تعد الأصالة تعني الجمود وإنما أصبحت سيرورة وفعل عاقل في الحاضر كما أن الحداثة لا تعني الإرتماء في الحاضر والقطع مع الماضي والإنفصال عنه بل صارا جسما فاعلا ومتفاعلا أحدهما في الآخر يأخذ ويعطي، يأثر ويتأثر. ولئن طغى البعد السياسي في أواخر الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي على أغلب هذه المؤسسات مما سهل على السلطة ضربها والقضاء على أغلبها ثم إبعاد الإسلاميين من البلاد فإن هذا التسييس يعود إلى سببين أساسيين: الأول هو حالة الإنسداد السياسي التي دفعت المجتمع والنهضة إلى البحث عن بدائل ومجالات للتواصل والحوار فكان المسجد أهم هذه المؤسسات لأنه أحد أهم القنوات الحوارية للتواصل مع المجتمع ولذلك تم ـ مع الأسف ـ تسييسه مما سهل محاصرته. ثانيا تجربة البناء المؤسساتي للنهضة ـ رغم ما حققته ـ إلا أنها كانت لا تزال في بداية طريقها فلم يصبح العمل المؤسساتي مخططا له إلا في منتصف الثمانينات إضافة إلى أن قيادات النهضة كانوا في أغلبهم شباب يفتقدون إلى الحنكة والتجربة السياسية والمؤسساتية الكافية التي تعصمهم من الزلل والمغامرة إن الحصاد المؤسساتي لحركة النهضة إيجابي لأنه استطاع أن يدمج مؤسسات تقليدية في الحداثة وجعلها تتفاعل مع الواقع الجديد الذي تسير إليه البلاد دون أن يعرقل بناء المسار الديمقراطي الذي كانت تسعى إليه سائر فصائل المجتمع المدني بشكل تدريجي وبطيء بسبب خضوعه لنظام توتاليتاري يعرقل بسبب تكوينه كل عملية تحول. ولعل تونس وصلت إلى نقطة تستطيع معها أن تعاود رسم حلم وئد بمجرد ميلاده ، بعد تغيير 7/11 حيث أعتقد التونسي آنذاك أنه حقق ما كان يطمح إليه بعد إعلان بيان السابع من نوفمبر عن وعود كثيرة، ليجد أن هذا الذي تحقق لم يكن هو الذي حلم به وقدم من أجله الغالي والنفيس. فوُئد حلمه كما وئد حلم جون بول الذي وصفه وليام موريس في كتابه "حلم جون بل" : "أتأمل في كل تلك الأشياء، كيف يناضل الناس ويخسرون ثم يأتي ما ناضلوا من أجله رغم هزيمتهم، ولكن بحلوله يتبين لهم أنه ليس ما حاربوا من أجله، ثم يواصل آخرون النضال من أجل ما عنى الأوائل تحت أسماء أخرى" ولهذا فإن طريق البناء المؤسساتي الذي كان للنهضة نصيب الأسد فيه يجب مواصلته اليوم وجعل طريق العودة طريقا مفتوحا للنهضة كمؤسسة وليس فقط لأفراد مهما سما مركزهم والبحث عن خارطة طريق جديدة تكون حركة النهضة أحد عناصرها.   حسن الطرابلسي ـ ألمانيا

في الموسوعة

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©