نصوص

في الذكرى التاسعة والعشرين ( 2 ) هل كانت حركة النهضة حاجة تونسية أو ضرورة إسلامية؟

في الذكرى التاسعة والعشرين للإعلان عن حركة النهضة التونسية. حركة النهضة بين الأمس واليوم. ((( 2 ))). هل كانت حركة النهضة حاجة تونسية أو ضرورة إسلامية؟ مشروعية الحاجة ـ كل حاجة ـ تنبع من التأصل في أبرز بعدين للكائن البشري أو كليهما : ذاكرة التاريخ من جهة والواقع من جهة أخرى. فإذا كانت تلك الحاجة مؤصلة هنا أو هنالك أو هنا وهنالك معا ثم جمعت إليها ضرورتين أخريين : ضرورة الإنسجام مع الفطرة البشرية من جهة وضرورة التوافق مع الإتجاه السنني والسببي للكون والخلق والإجتماع من جهة أخرى .. عندها تكون تلك ال

0
1 يونيو 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

 

في الذكرى التاسعة والعشرين للإعلان عن حركة النهضة التونسية.


 

حركة النهضة بين الأمس واليوم.

 

((( 2 ))).


  

هل كانت حركة النهضة حاجة تونسية أو ضرورة إسلامية؟


مشروعية الحاجة ـ كل حاجة ـ تنبع من التأصل في أبرز بعدين للكائن البشري أو كليهما : ذاكرة التاريخ من جهة والواقع من جهة أخرى. فإذا كانت تلك الحاجة مؤصلة هنا أو هنالك أو هنا وهنالك معا ثم جمعت إليها ضرورتين أخريين : ضرورة الإنسجام مع الفطرة البشرية من جهة وضرورة التوافق مع الإتجاه السنني والسببي للكون والخلق والإجتماع من جهة أخرى .. عندها تكون تلك الحاجة ( رباعية الدفع : أصل تاريخي وأصل واقعي وأصل فطري وأصل سنني ) قدرا مقدورا. قدرا ينفذه الإنسان طوعا ورضى وإختيارا وإرادة يتحمل مسؤولية ثمراتها آجلا وعاجلا.

حركة النهضة بنت غير مدللة لتونس الزيتونة.

نبتت حركة النهضة في أواخر عام 1969 في تونس لتلبي الحاجات التالية :

1 ــ حاجة تونس إلى قطرة غيث إسلامية تجفف منابع التطرف البورقيبي العالماني مدججا بعصا الدولة الغليظة التي ساقت محاولات الإصلاح الزيتوني والعروبي إلى مسالخ السجون والمنافي. حكاية بورقيبة مع الإسلام معروفة لكل باحث ودارس. هي حكاية عين من عيون الإحتلال الثقافي الفرنسي غامر بالإنقلاب ضد هوية البلاد عروبة ودينا فما جنى غير أشواك الطريق. تجربة البورقيبية في تونس تختلف عن كل التجارب العالمانية في كل البلاد العربية والإسلامية عدا تركيا غير العربية. لا يتسع هذا المجال للإنبساط فيها وليس ثمة حاجة أصلا لذلك بسبب وضوح الأمر.

2 ــ حاجة الصحوة الإسلامية التي نبتت في المشرق العربي إلى رجع صدى في المغرب الإسلامي. بناء المفكر الشيوعي سمير أمين بعضا من رؤيته على علاقة المركز بالأطراف هو بناء موفق جدا يفسر جزء كبيرا من التداعيات في عالم حراك الثقافة وتدافع الإصلاح. تونس والغرب الإسلامي عامة من الأطراف بينما تكون مصر وما حولها من شبه الجزيرة العربية من المركز كينونة تاريخية بسبب نشوء الإسلام هناك بادئ ذي بدء. كان نشوء الصحوة الإسلامية المعاصرة ( مساهمة في مقاومة المحتل ومساهمة في وضع آثار الإنحطاط سيما في الوضع الديني العقدي مزاولة بين الناس مثل الوهابية والسنوسية والمهدية إلخ..) متفرقا بين المركز والأطراف. سوى أن نشوءا آخر لصحوة أخرى تميزت عن النشوء الأول ( صحوة سلفية عصامية من مثل رشيد رضا ومحمد عبده والأفغاني من جهة وصحوة إسلامية إتخذت شكل الإحياء الإسلامي الجامع من جهة أخرى على يد البنا في مصر والمودودي في باكستان).. ذلك النشوء الجديد هو الذي كتب الله له التأثير الأعمق والأوسع حتى يومنا هذا. ذلك النشوء بمختلف مدارسه نبت في المركز ثم إنتقل إلى الأطراف وكانت تونس إحدى أبرز تلك الأطراف مقارنة مع جيرانها أي ليبيا والجزائر والمغرب..

3 ــ كان نشوء تلك الصحوة الإحيائية الجامعة إستجابة فورية لأكبر تحد أصاب الأمة ولن تزال آثاره تعمل بأسوإ النتائج في أكثر الحقول. كانت تلك الصحوة رد فعل منظور مرقوب على هدم الخلافة الإسلامية العثمانية بوصفها رمز الوحدة الإسلامية التي هي بالتأكيد أول ثابت إسلامي عقدي بعد ثابت وحدانية الرحمان سبحانه ناهيك أن الكتاب العزيز عدها كفرا في آل عمران ( أيات 100 وما بعدها ).. ليس هناك من دليل على حياة الأمة إذا إغتصبت الخلافة رمز وحدتها السياسية فلم تنهض صحوة إسلامية تحاول إعادة بناء تلك الرمزية.

4 ــ حاجة أخرى لم تعبر عن نفسها بالشكل المباشر ولكنها كانت مختزنة في النفوس مركوزة فيها بما يشبه تصوير حالة الوعي الباطني أو الوعي الصامت بتعبير بعضهم فيما يأتيه الناس تعبيرا عن ألم بعيد وسخط غير مباشر. تلك هي حاجة أول معلم ديني تعبدي علمي في الأرض بعد المعالم التي لا تشد الرحال إلا إليها .. حاجته إلى صحوة إسلامية تونسية معاصرة تستمع إلى أناته المكبوتة وصراخه الذي يمزق صدور أهله من رجال الزيتونة الذين قبرهم بورقيبة في بيوتهم قبرا خبيثا. هي حاجة جامع الزيتونة ( ومن قبله جامع عقبة بالقيروان) إلى إعادة إعتبار. لم يكن الوعي المباشر بين رموز الصحوة الجديدة في تونس وبين ذلك المعلم منسوج الوشائج محبوك الأواصر ولكن هناك حنين بين الطرفين ستضع الأيام الحبلى خبره.

5 ــ فضلا عن الحاجات الثقافية هناك الحاجات الإجتماعية التي هيأت بروز حركة النهضة ومنها بالتأكيد فشل الخيارات الإقتصادية التي أنهكت ظهر المواطن غير أن تفجر الأزمة ظل ينتظر الخيار الإشتراكي الذي قاده أحمد بن صالح وما إن تهيأت حركة النهضة للإعلان عن نفسها حزبا سياسيا عام 1981 حتى كان الخيار الرأسمالي نفسه الذي قاده المرحوم الهادي نويرة على وشك أن يعصف بوحدة البلاد وإستقلال قرارها السيادي سياسيا وقوميا وإقتصاديا بالرغم من أن الأوضاع الدولية السائدة يومها من خلال الإستقطاب الثنائي المعروف كانت تمنح البلاد العربية والإسلامية فرصة إنحياز غير مفضوح.

بالخلاصة إذن.

كانت حركة النهضة حاجة محلية وعربية وإسلامية نبتت بها الأرض التونسية بعد قحط دام وجفاف نكد طال تصحره ما لم يطل أي أرض عربية أو إسلامية أخرى منذ ميلاد الدين الجديد حتى ذاك اليوم. كانت حركة النهضة في تونس علامة بارزة بحساب الإجتماع السياسي على رفض البلاد شعبا ونخبة ومثقفين وطلبة وعمالا لخيار التبعية والإرتهان إلى القوى الغربية المتنفذة ثقافيا وإقتصاديا وسياسيا.

كانت حركة النهضة صدى الوطن الجريح المحتل في فلسطين بعد أقل من أربع سنوات من نشوء منظمة فتح بقيادة المرحومين : الشقيري وعرفات.

كانت حركة النهضة مكابدة تعتمل في أفئدة التونسيين المجروحين من نكبة ما بعد النكبة أي نكبة هزيمة 1967 بقيادة خيار قومي غذاؤه إشتراكية مادية بدل عدالة إسلامية وأنا ربكم الأعلى بدل شعار الإسلام في النصر “ إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك وإستغفره إنه كان توابا “..

كانت حركة النهضة قبل أزيد من أربعة عقود كاملة أملا حائرا يسأل عن إستقلال تونس ثقافيا بعد إستقلالها عسكريا بمثل ما يسأل عن نهضة أمة تجزأت بعد وحدة وإحتلت زهرة مدائنها بعد عز ونهبت موائدها الأرضية باطنا وظاهرا بعد رخاء ورغد..

كانت حركة النهضة سؤالا جاوز كتمانه المدى ولن تزال سؤالا يبحث عن النهضة.

كانت حركة النهضة ولو لم تكن لكانت.
وحتى لقاء قابل.

الهادي بريك ـ ألمانيا

في الموسوعة

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©