نصوص

في الدلالة الرمزية الكونية لاستشهاد البوعزيزي

الدكتور ابو يعرب المرزوقي لعل أفضل بداية لمحاولة فهم العلة التي جعلت شرارة الثورة العربية الحديثة تنطلق من تونس وتكون شرارة حقا بالمعنى المادي والرمزي شرارة ذات دلالة كونية تتجاوز تونس والوطن العربي إلى العالم كله لعل أفضلها هو تأويل حادثة استشهاد البوعزيزي فلسفيا ودينيا لفهم كل التاريخ العربي الإسلامي: أعني تضحية البوعزيزي بنفسه في الساحة العامة بإشعال بدنه وتخليد روحه. فهذا الحدث الجلل بكل ما فيه من عناصر تبدو عرضية يمثل وصفا ذا دلالة عميقة المغزى يمكن بفضلها أن نفهم مميزات الثورة العربية الحا

0
1 مارس 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

الدكتور ابو يعرب المرزوقي

لعل أفضل بداية لمحاولة فهم العلة التي جعلت شرارة الثورة العربية الحديثة تنطلق من تونس وتكون شرارة حقا بالمعنى المادي والرمزي شرارة ذات دلالة كونية تتجاوز تونس والوطن العربي إلى العالم كله لعل أفضلها هو تأويل حادثة استشهاد البوعزيزي فلسفيا ودينيا لفهم كل التاريخ العربي الإسلامي: أعني تضحية البوعزيزي بنفسه في الساحة العامة بإشعال بدنه وتخليد روحه. فهذا الحدث الجلل بكل ما فيه من عناصر تبدو عرضية يمثل وصفا ذا دلالة عميقة المغزى يمكن بفضلها أن نفهم مميزات الثورة العربية الحالية باعتبارها غاية التاريخ العربي الإسلامي كله ومن ثم فهي ذات دلالة كونية بكونية الإسلام ذاته. فها نحن أمام:

1- شاب يحمل على كتفيه مسؤولية أسرة ما تزال بكل ما فيها حاملة لكل ما لا يزال حيا من الماضي الأصيل: وهو ما يرمز إلى جيل الشباب العربي الحالي كله.

2-شاب جرب كل الوسائل المتاحة لمن هو في وضعه لكسب الرزق الحلال فسدت في وجهه بمقتضى كل ما في المتناول مما فرضه الحاضر الحديث للتغلب على اليأس: حال كل الشباب العربي.

3-فلم يوفق بسبب وضع سياسي وتربوي واقتصادي وثقافي جعل تونس ومثلها كل البلاد العربية تنحدر إلى حال تشبه  القضاء والقدر الذي يمتنع معه تصور الحل من دون ثورة حقيقية: الوعي الذي يتقاسمه كل الشباب العربي.

4-لكن الثورة لا تكون ممكنة في هذه الحالة إلا إذا كان شعارها فهما ثوريا للقضاء والقدر أعني بيتي الشابي الصائغين شعريا لدلالة قرآنية حقيقية للآيات المتعلقة بمسؤولية الإنسان مسؤوليته  في صنعه لتاريخه.

5-ومن ثم وعي الشباب بأن المأزق السياسي والتربوي والاقتصادي والثقافي في البلاد العربية ليس قضاء وقدرا بل هو  ناتج عن الخيارات المفروضة عليها من محيطها الدولي الذي استبدل الاستعمار المباشر بالاستعمار غير المباشر أعني بتوظيف البعض من نخبها في مجالات الحياة السياسية والتربوية والاقتصادية والثقافية توظيفا يوطد التبعية ومن ثم يجعل الحلول المستلة ممتنعة.

إن هذا الوصف هو الذي يفهمنا عنفوان الوقع المزلزل للتاريخ والناتج عن استشهاد رمزي مثله استشهاد البوعزيزي الفعلي واستشهاد كل الشباب الرمزي بمعنى القطيعة مع القشور والانتقال إلى الألباب لأنه أصبح من ذوي الألباب بعد أن بلغ الوعي عنده ذروة النُّهى: إنه رمز الطريق التي ينبغي سلوكها لإنقاذ  الأمة أعني نزع الثوب الخارجي الفاني لتحقيق مطالب الباطن الخالد في تاريخ الإنسانية كلها والذي ليس هو إلا قيم الفطرة الإنسانية كما يحددها العقل والقرآن أعني ما صار يسمى المقاصد الضرورية حماية للنفس والعقل والكرامة والدين والملكية وهي جميعا جوهر حقوق الإنسان.

ذلك ما على الأمة أن تقدم عليه بكل شجاعة  لتكون الثورة ثورة بحق فتفجر القشور التي تعتبر أصالة لتبقي على روحها وتفجر القشور التي تعتبر حداثة ومن ثم لتستعيد العلاقة بين الحي من الماضي الحي من المستقبل فتزيل كل العوائق الحائلة دونها والحياة الحرة التي هي تواصل الفعل لتحقيق ما عجز عنه الماضي أعني ما يطلبه المستقبل الذي تبدعه ولا تستورده.

إن الأمة العربية الإسلامية كما هو معلوم تعتبر ديموغرافيا أكثر من نصفها من سن البوعزيزي وهي سياسيا واقتصاديا وتربويا وثقافيا من منزلته أو تكاد وكلها من ثم حاملة للحي من الماضي ويعوقها ما شاب التحديث من جمع بين الاستبداد والفساد الموورثين المعززين بأدوات الاستبداد والفساد الحديثين. ما تم حرقه في شخص البوعزيزي حرقا فتح باب الثورة الأولى الحقيقية في حاضر العرب المعد لمستقبلهم هو هذه العلاقة الميتة بين قشور الماضي وقشور الحاضر العلاقة التي جعلها التحديث- اللقيط والعنيف المصطبغ بالفساد والاستبداد لكونه شكلا غير مباشر من الاستعمار- علاقة مرضية بين بعدي كل تاريخ سوي فتتحول إلى عائق وجودي دون الحياة المبدعة لمستقبلها بل وموصلة إلى الموت بحيث إن حرقها هو البداية الفعلية للنهوض والتحديث الأصيل والأصالة الحديثة.

                      لماذا كان ينبغي أن تكون البداية من تونس؟

لكن ذلك وإن كان الوصف الأمين لبداية التحرر من الوضعية السياسية العربية الحالية أعني رمزية حرق البوعزيزي لجسده من أجل تخليد روحه فإن العرب لن تبلغ إليه أقطارهم  في نفس الحين بل إن ما يحدد تواليهم في التدرج  صوبه إلا بحسب ترتيب الوصول إلى نفس الوعي بهذا الانسداد وبتحول العلاقة بين الماضي والحاضر إلى علاقة مرضية كما أسلفنا: فليس من الصدقة أن تكون تونس هي الأولى وأن يكون نموذجها الموصل للانسداد ولرمز القضاء عليه هو ما حصل في رمز الوصل بالماضي المشترك أعني مركز الخلافة أعني تركيا.

فبداية هذه الوضعية التي حددت الطابع المرضي للعلاقة بين الماضي والحاضر حصلت في تركيا عندما تمت الإطاحة بآخر خلافة إسلامية شكلا حتى وإن كانت مضمونا منافية لكل معاني الحكم كما حددتها قيم القرآن الكريم. فكانت هذه البداية علاجا سياسيا داميا (الأتاتوركية) تصور أصحابه التحديث قطعا مع الماضي حصرا إياه في كاريكاتور الخلافة العثمانية منه واستيرادا لكاريكاتور من الحداثة يجعل أصحابه أنها كانت بالجوهر إصلاحا دينيا وروحيا وفلسفيا وعلميا نتج عنه الإصلاح السياسي والتربوي والاقتصادي والثقافي. ولذلك كان لا بد أن تكون تركيا مركز نهايتها بالطريقة السوية الوحيدة لعلاج هذا الجنس من الأمراض أعني بالتحرر من الكاريكاتورين البديلين من الأصالة والحداثة: العلاج التربوي السامي الذي يحقق ثورة ثقافية في عقول الأمة بحيث يتحقق الشرط القرآني "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" فيصدق بيتا الشابي. ومن ثم فليس بالصدفة أن كان الحل هو الإحياء الديني (النورسية) الإحياء الذي يجعل العلاقة بين الماضي والحاضر علاقة سوية وصحية.

والمعلوم ألا أحد ينكر أن بداية ما حصل في تونس كان فيه لتركيا الأتاتوركية دور النموذج  في حسم العلاقة بين الماضي والحاضر (بورقيبة). والكل يدرك أن تونس اليوم يحاول فيها الفكر الإسلامي تجاوز هذه العلاقة المرضية بين الماضي والحاضر أو على الأقل ذلك ما سعيت إليه طيلة حياتي الفكرية ولا زلت مع ثلة من رجالات تونس المخلصين لها والساعين لبيان شروط تحررها الفعلي. ومن ثم فهي دون شك ساعية  لجعل الحل تربويا وسلميا حلا تكون السياسة بمقتضاه عملا سلميا بين كل فئاتها التي سبق أن أحصينا في متابعتنا للثورة الشبابية المباركة. فيتم التوازي بين البداية والغاية في تونس وتركيا. ولهذه العلة أيضا لا تزال الأتاتوركية في تونس هي الملجأ الأخير للنخب المستلبة.

إن هذه الوضعية الممتازة والتي تعد بها حركة الفكر والفعل في تونس  هي التي تجعلها وطن البداية الحقيقية للثورة العربية الثورة التي هي قبل كل شيء وبعد كل شيء ثورة الحسم السوي والصحي للعلاقة بين الماضي والحاضر وبين الأصالة والحداثة: أعني تحقيق القيم التي يتطابق فيها العقل والوحي وأهمها حقوق الإنسان بعلاج ديموقراطي وحر. تلك هي المقدمة التي ننطلق منها إلى تحليل الوضعيات القطرية العربية الأخرى بدءا  بتصنيفها في ضوء هذه العلاقة بين الماضي والحاضر. 

ولكن علينا أن نشير إلى الرديف السلبي لهذا الرمز في التاريخ الإسلامي الراهن: إنه الرمز الذي يمثل التوجه المقابل تمام المقابلة لحسم العلاقة بين الماضي والحاضر.  فكما كان رمز الوحدة الروحية نموذجا لبعض البلاد العربية بداية وغاية في علاج إشكالية العلاقة بين الماضي والحاضر التي أصبحت مرضية سيكون رمز الفرقة الروحية ممثلا بالطائفية نموذجا لبعضها الآخر. وأملنا ألا يكون ما يجري في إيران سيكون رمزا لبعض البلاد العربية التي ما يزال فيها التعلق بالماضي تعلقا بقشوره وليس بلبه.

 

نقلا عن الفايسبوك

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©