في التأجيل والتأجيج
الناصر الهاني إنّ المتابع للشأن التونسي يبقى مشدوها ومندهشا لتكتيكات التقلّب والتحكّم في درجة غليان الشارع والرأي العام . ويعجب من تساوي مقادير الجرعات التي توصف للناس كل مرة . فمن المطالب بترفيع الأجور والزيادات في الرواتب إلى عمليات الاختطاف والقتل والنهب، إلى المظاهرات التي سرعان ما تنقلب إلى مآس، إلى شائعات الإرهاب والإرهابيين، قرّالأمر أخيرا على فقاعات أنباء التأجيل واحترام الموعد المقترح . والذي يغيب عن المدافعين عن هذا وذاك أن الشعب المغبون لم يكن طرفا في العمليتين . فالموعد الأوّل اقترحت
- 29 مايو 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
الناصر الهاني
إنّ المتابع للشأن التونسي يبقى مشدوها ومندهشا لتكتيكات التقلّب والتحكّم في درجة غليان الشارع والرأي العام . ويعجب من تساوي مقادير الجرعات التي توصف للناس كل مرة . فمن المطالب بترفيع الأجور والزيادات في الرواتب إلى عمليات الاختطاف والقتل والنهب، إلى المظاهرات التي سرعان ما تنقلب إلى مآس، إلى شائعات الإرهاب والإرهابيين، قرّالأمر أخيرا على فقاعات أنباء التأجيل واحترام الموعد المقترح . والذي يغيب عن المدافعين عن هذا وذاك أن الشعب المغبون لم يكن طرفا في العمليتين . فالموعد الأوّل اقترحته الحكومة الحالية وأجله "المستقلون" . ولشد ما يثير الدهشة أن من تخاله " موسى تجده فرعون". فعلى مر عقود استقلالنا نكبت الساحة بخلوها من المستقلين أو المعارضة الجادة التي تكون صمام أمان وأداة ضغط تهدّد الحكم القائم إذا ما زاغ أو فكّر في الروغان . وها أنا الآن أتحدث عن المعارضة المعترف بها في الفترتين البورقيبية والعلوية . و بهذا لم تحظَ الساحة الوطنية التونسية بشخوص لهم وزن وحتى يكونوا مرجع نظر في الأزمات واحتداد الأمور. ويمتلكون بذلك مصداقية جمعية . ويوسمون بالفكر والعمق وحيادية الرؤية . ولعل هذا كان بسبب الكاريزما الملفقة التي أسندت " للمجاهد الأكبر" . وللنرجسية المرضية وشهرة التصفيق التي صنعها مناضلو المصالح في التجمع
" لحامي الحمى والدين".
وبهذا فعن أية استقلالية يتحدث اللاغطون هذه الأيام ؟ إذ صرنا نشكك في كل شيء حتى في ذواتنا . أفبعد استقلالية مختار الطريفي الذي سرعان ما انقلب على عقبيه ، إذ تناسى القمع الذي يتعرض له الشارع لتكون إشكاليته الأساسية التطرف والصلاة في الشارع - على أن مثل هذا السلوك غير مدني ولا يقبل طالما المساجد موجودة وأبوابها مشرعة – فالرجل المعني بحقوق الانسان سرعان ما انخرط في المجرى ؟! أم استقلالية مرصد الانتخابات الذي كان يقوده عبد الوهاب الباهي والذي نال جراءها عضوية دائمة في مجلس المستشارين المنحل ؟ أم استقلالية الشخوص الوطنية في لجنة حماية الثورة . فكلهم يطبقون قواعد المرور بكل حرفية "عند التقاطع الأولوية لليسار" ؟! وهاهم عند أول تقاطع يتفكرون دروس التدريب بحذافيرها ...
فعن أية استقلالية نتحدث؟! فالهيأة المس.... للانتخابات لا يمكن أن تكون مستقلة مادام كل أعضائها من طيف إيديولوجي واحد . وهذا ليس مسّا وطعنا في نضالية بعض الشخوص كالسيد كمال الجندوبي . و لكنّ محاولة تعرُّف إلى كنه الحجج التي يبرّر بها التأجيل تطرح الحيرة والظن الرهيب.
:- ألم يكن يعلم عند قبوله المهمة أنه محض لهندسة انتخابات ستجري في 24جويلية ؟
- لم أجّل النطق بهذا الموعد والحال أنه ترأس هذه الهيأة منذ فترة ؟
- أهو تكتيك اللعب في الوقت بدل الضائع؟
- لم بالضبط اختار16/أكتوبر، ولم يقل 7نوفمبر مثلا، أو 3أوت، أو موعد عيد المرأة؟
وبذلك تكون الشكوك كلها صادقة . وما يتردد حول هؤلاء كله في محله . أفلا يعتبر انحياز الهيأة "المستغلة" للانتخابات لتاريخ بعينة هو خدمة لأجندا أطراف يعرفها الشعب جيدا!
- فأين الاستقلالية؟
وفي رمزية التاريخ يبدو أن الجماعة مازال يؤرقها أمر القيصر. فأرادت أن تجهز عليه هذه المرة ودون رحمة . لكن ما نخاف منه أننا بعد اتفاقهم سنكون بين صفين : مناشفة وبلاشفة ؛فإن كان الشعب من الشق الأول فلقد ضاع عرقنا في ستين سنة, ومسحناه بأذرع هدّها التعب ، ولم نجد مناشف . وإن كنا في الشق الثاني فلقد جعل منا صانع التغيير شعبا بلا شفة وبلا شفاه . فلم يتكلم منا أحد إلا بعض الأشراف ، والماسكين على الجمر ، والذين يتعرضون وإلى الآن إلى التنكيل وتهجم أصحاب مصالح الأمس ومسّاحي حذاء الرئيس .
- ومرة أخرى:- أين الاستقلالية؟
وحول قبول الأعضاء مهمة الإشراف على الانتخابات ألم يكونوا على بينة من تاريخها!
فلم التمسك الآن بضيق الوقت واللوجستية؟
- ومرة أخرى أين الصدق والاستقلالية؟
وبهذا نقف على الحقيقة المرّة التالية : طالما أن الأمر حسم ، وأن إشكالا قانونيا ومعركة قوانين وأوامر رئاسية مرتقبة مع ثبات الهيأة على رأيها ستجِدّ قريبا. يبقى الطعن في صدقية الكل هو الحل . فالأمر الرئاسي المنشور بالرائد الرسمي والذي يدعو المواطنين إلى الانتخابات صار لعبا. والتاريخ الذي أعلنته الحكومة وتمسكت به صار لاغيا . وثبوت الهيأة على رأيها صار ساريا. ووعد رئيس الهيأة العليا لحماية الثورة بصدور مرسوم ثان ينسخ الأول سيكون ثابتا لا محالة. وبهذا أرجعنا أهلنا لزمن الناسخ والمنسوخ ، والوحي المدبر من فئة تؤجل لتؤجج . وإذا ما اعترض أحد إبان الثورة على شرعية القائمين حاربوه بخطر الفراغ . فلما تمرّغوا على كراسيهم وملؤوا جوّنا بسوادهم صار الفراغ عندهم تافها ولا خطر فيه . بل يشرعنون وجوده وهم بهذا عندما يؤجلون حتما يؤججون . فالظرف لا يحتمل التأخير، وتمسّك الهيأة برأيها ليس غلاسنوست كما يراد له بل لعبة ليّ الأذرع . والكل يكتب ملحمته الخاصة . ويريد أن يكون اسمه يجلجل عاليا في مدائن الخراب - لا سمح الله - وفي أزقة العويل وأعجاز النخل الخاوية . فتأجيل الانتخابات التي لن ترضي أطرافا ، وعند حصولها في تاريخ التأجيل لن ترضي المؤجلين أنفسهم. وسيكون الحسم ساعتها للمجهول . ولعل شهر أكتوبر يسلم قياده لأشهر تليه . وبذلك يضيع كل شيء . والمهم أن تبقى الهيأة وإن كان الوضع دون تهيئة.وعسى أن تقودنا الشفافية إلى البيروسترويكا...........
ضحى : 28/5/2011